حلمي سالم في مجموعته الأخيرة <<تحيات الحجر الكريم>>

حجر الكيمياء والأحجار العادية ينتمي الشاعر المصري حلمي سالم، الى ما اصطلح على تسميته بجيل السبعينيات الذي تنتمي إليه كوكبة غير قليلة من الشعراء المصريين مثل رفعت سلام وحسن طلب وعبد المنعم رمضان ومحمد سليمان وجمال القصاص وأمجد ريان وآخرين غيرهم. معظم هؤلاء الشعراء ظهرت مجموعاتهم الأولى في النصف الأول من السبعينيات وانضووا تحت ما عُرف آنذاك بمجموعة <<إضاءة 77>> التي دعا أعضاؤها الى كتابة نص حداثي جديد ومغاير لتجربة الجيل الأول الممثل بصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي والجيل الثاني الممثل بمحمد عفيفي مطر وأمل دنقل وفاروق شوشة ومحمد إبراهيم أبو سنة. وقد نادى أفراد تلك المجموعة بكتابة اكثر ايغالا في التنوع والحرية وتفتح الاساليب واقل تمثلا لرومنسية الاجيال السابقة والتزاماتها الايديولوجية والتعبيرية الصارمة وصولاً الى نص جديد ينبثق من كشوف الداخل ولا يتقيد بالاشكال الجاهزة ولا يصغي لغير انفجاراته ورؤاه التي تتوزع بين الموزون وغير الموزون. على ان اعضاء <<اضاءة 77>> ما لبثوا ان انقسموا على انفسهم وبدأ كل منهم ينسج على منواله الشخصي، خاصة في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية الهائلة التي اصابت المجتمعين العربي والمصري.
من بين هذه المجموعة بدا حلمي سالم الاقرب الى الالتزام السياسي والنأي عن المجانية الخالصة والاكثر انهماماً بالتوفيق بين التجاوز التعبيري وربط الشعر بوظيفته الاجتماعية والقومية. وقد اكدت ذلك الانهمام قناعات الشاعر الراسخة بالانخراط في شؤون الوطن والأمة والتي تمثلت على وجه الخصوص بتوجهه الى بيروت والانضمام الى المدافعين عنها ابان الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. وكان كتابه النثري <<الثقافة تحت الحصار>> الصادر بعد ذلك بعامين اثنين هو الثمرة الحية لتلك التجربة الانسانية الغنية التي شارك فيها العديد من المثقفين المصريين والعرب وانعكست في العديد من اعمالهم الشعرية والروائية والفنية.
قلق
لا تنم تجربة حلمي سالم التي تجاوزت العقود الثلاثة من الزمن عن توان او كسل او رغبة في الاستئناس الى اسلوب او نمط كتابي بعينه. فهو منذ مجموعته الاولى <<الغربة والانتظار>>، التي اصدرها بالاشتراك مع رفعت سالم عام 1972، وحتى مجموعته الاخيرة <<تحيات الحجر الكريم>> قد اصدر ثلاث عشرة مجموعة شعرية. كما ان لديه ثمانية كتب نثرية تتوزع بين السيرة والاجتماع والنقد والترجمة، اضافة الى كتب اخرى لا تزال قيد الطبع. والمتتبع لمسيرته الشعرية بوجه خاص يلاحظ قدراً كبيراً من القلق والشك وعدم الركون الى موضوعاته كما الى اشكاله. فنحن نلمس تبايناً شديداً بين مجموعة واخرى بحيث تنصرف احداها الى التحريض السياسي وهجاء الواقع وتمجيد الشهادة وتذهب الثانية الى التأمل والاستبطان وتتحول الثالثة الى اللوحة او البرقية وتنقطع الرابعة الى التصوف والمناخ العرفاني. الشكل بدوره يتنوع بتنوع المقاربات والمضامين فيتجاوز التفعيلي والنثري كما تتجاور القصيدة المركبة الشديدة الطول مع قصيدة الاضمار الخاطف واللمح المختزل. وكثيرآً ما نرى الاشياء تتحالف مع نقائضها في فسيفساء من الغرابة والوضوح. تمتلك تجربة الشاعر بهذا المعنى الكثير من عناصر الغابة. فهي بمجملها لا تقوم على التشذيب والصقل الكريستالي وتجنب الغريب والنافر من المفردات والصيغ بل تترك لنظامها ان يتشكل من تراصف الجمالي والوحشي ومن اختلاط سموم ونتوءات وجذوع يابسة بما هو مقلم ومرتب وشديد التناسق.
لا تشذ مجموعة حلمي سالم الاخيرة <<تحيات الحجر الكريم>> عن السياق العام لتجربة الشاعر القلقة والمقلقة في آن. فالمجموعة تنشطر على ذاتها بشكل شبه كامل متصادية مع كل ما سبقها من مفارقات الشكل والمعنى. ومن يقرأ القصيدتين الاوليين <<بهلول سقط المتاع>> و<<سجادة لصلاة اثنين>> لا بد وان يشعر بالكثير من الدهشة او الحيرة وهو يقرأ القصائد اللاحقة من مثل <<حلم>> و<<الجامعة الاميركية>> و<<بطاقة>> و<<مونولوج>> و<<تناص>>. فقصيدة <<بهلول سقط المتاع>> الطويلة اقرب الى كولاج شعري سوريالي تندغم فيه صنوف شتى من الرؤى والاماكن والمشاهدات والاستدعاءات الزمنية التي ينزلق بعضها عن سطح الاخر بما لا يدع امام القاريء فرصة لترتيب المسموعات والمرئيات او لالتقاط الانفاس. واذا شئنا ان نستخدم التشبيه المناسب لتوضيح مناخات القصيدة، اضافة الى الكولاج، فإنها شبيهة بما يمكن ان يلاحظه راكب الباص في مدينة كبيرة وهائلة الاتساع حيث ينتقل ببصره بغتة من مشهد الى مشهد ومن حشد الى حشد ومن لافتة الى لافتة. فحلمي سالم لا يرى الى المدينة من طائرة او تلة مشرفة او تصور عام، كما شأن الكثير من الشعراء، بل من توغل مستمر في جدرانها وساحاتها وانفاقها واصواتها وروائحها حيث <<الأمن في الحسين يصطاد الحناجر بملقاط>> و<<شرفة الاوديون مكانٌ يعول عليه لانه مؤنث>> وحيث <<اذ ارته بنت عبد الله خسّها/ خلف الشواديف صاح/ المرأة الكتلة/ المرأة المسافة/ هذه غيبوبة الكثافة>>، وحيث المرأة والمدينة واللغة اقانيم ثلاثة تجتمع في متحد واحد لا سبيل اليه بالرياء والاصباغ والحذلقة والتستر: <<اردت ان انمق الكلام عن عيوبها ابت/ لانها ترى فؤادي الكذوب خلف رونق الضياع/ هل كان عبد الصبور نائما في الحبر؟>>.
هذا المناخ الشعري الموزع بين الحسية الجارحة والترنح الهذياني المحموم يواصله حلمي سالم في قصيدته الثانية <<سجادة لصلاة اثنين>> التي تنغلق بدورها على متاهة من الاخيلة المتصلة بالحب والجنس والطفولة والثورة والزمان الهارب. كل شيء هنا يحيل الى نقيضه وكل حقيقة الى خلافها بقدر ما يخل الطهراني بالشهواني والجسدي بالروحي والزنخ بالشذى والحضور بالعدم. ليس ثمة من مسافة تذكر بين معاقرة المرأة ومعاقرة اللغة نفسها حيث تتراخى اللغة وتنبسط في فضاء النثر الخالص حينا ثم تعود الى تقلصها وتوترها الايقاعي النابض بالانشاد حينا آخر لتنتهي في آخر المطاف في توأمة كاملة بين حروف المرأة وحروف اللغة: <<كافك تسعة عشر كافا:/ كوة الوردة/ كعبك/ كمانٌ/ ظهرك/ كتفك المدحوُّ/ كاحلك الأيمن/ كتفك المعضوض/ كاحلك الأيسر/ كأس السرة/ كثافة الدغل/ كدمة البطن.../ كيمياء ما تحت الابط...>>.
حجر عادي
غير ان القسم الثاني من <<تحيات الحجر الكريم>> ينقلب فجأة على قسمها الاول ليتحول الى اهزوجة غنائية للانتفاضة والمقاومة واطفال الحجارة. فجأة ينقلب حجر الكيمياء الشعري المغلق على إبهامه والتباساته الى حجر عادي من حجارة الشعراء الذين تغنوا بانتفاضة فلسطين وبطولة فتيتها واطفالها المحتشدين في شوارع المدن والقرى او الذين تسابقوا على الحماسة والتحريض وهجاء الحكام: <<ليت الفتى حجر/ لارتاح فهو كون من هتك الضنا/ وانفك مغلولون من وحش السلاطين الذين تألهوا/ وتفنَّت الضجر/ ليت الفتى حجر/ حتى يصير الخلق في الدنيا سواسية/ فلا بيضٌ ولا سودٌ/ ولا عبدٌ وساداتٌ/ ولا مدنٌ ولا غجر>>. ولا يتوقف الانشاد الحماسي الدعوي عند هذا النموذج وحده بل يتكرر في نماذج مماثلة تعود بتجربة حلمي سالم الى منطلقاتها التبشيرية الايديولوجية التي ظلت تراود الشاعر بين مجموعة واخرى. كأن المجموعة، كما سبق واسلفت، مجموعتان اثنتان متباينتان في اللغة والاسلوب وبنية التعبير. او كأن الذي كتب القصيدتين الاوليين ليس هو نفسه الذي يكتب في قصيدة <<بطاقة>> المطلع التالي: <<اسمي أنا الدرة/ اهفو الى الحضن الرؤوم اذا اتاني فاتحا صدره>>. وليس هو نفسه الذي يكتب في قصيدة اخرى <<اخي جاوز الظالمون المدى/ سكتنا فصالوا/ خنعنا فجالوا/ وجف على الغصن قطر الندى...>>.
ورغم ان حلمي سالم يكشف في مثل هذه القصائد الاخيرة عن رهافة حس عالية وعن عذوبة في اللغة والصياغة وتقطيع العبارات ورشاقة الاوزان الا ان ذلك يظل اقرب الى التمارين الشعرية والغناء الانشادي المدرسي منه الى مغامرته الاخرى التي شهدناها في بدايات مجموعته الاخيرة كما في العديد من مجموعاته السابقة التي حملت الكثير من ملامح الجدة والقلق والتجاوز الخلاق.

 

شوقي بزيع - السفير - 31.10.2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri