ناديا
تويني اعمالاً كاملة بالعربية

"حالم
الارض" من لغة الجسد الى جسد اللغة
شاءت
الشاعرة ناديا تويني في حالة اشراق ان تبلغ حدّ الصفاء في
اللغة، حدّ جوهر الشعر، فكان "حالم الارض". لكنه، وان بدا
مستسلماً لسلطة اللغة، يظل كشأن شاعرتنا عبقاً برائحة الدم.
وها هي تقول:
"ما
هم إن خُلق ذلك الانسان بالصدفة!
كتاب
أبيض يسطر فيه دمي
عتيقا
كفخ".
إن
الشاعرة ناديا تويني، بما تخزنه من ثقافة شعرية ولغوية، كان
لا بدّ لها، بعد رحلتها مع لغة الجسد في مجموعاتها السابقة،
من اكتشاف جسد اللغة في "حالم الارض". ولا أعني ان ذلك حدث
لها فجأة. فقد سبقته محاولات هجينة، اي من التجربتين معاً،
وفي القصيدة الواحدة احياناً. ولكن اللغة هنا، لشدة عشقها
جسدها، تغيب فيه وفيها يغيب. وفي هذا الانخطاف المتبادل تتعطل
وظيفة الدال والمدلول، لينفتحا على عالم الاسرار الغني بالابعاد.
تقول الشاعرة:
"ثمة
ألعاب
مضاعفة
بالحرائق والامطار
بلون
ثقوب طويلة للذاكرة،
في
بلد ظلاله لغة سرية".
الى
هذه اللغة السرية ينتمي الخطاب الشعري التويني. وتكفي نظرة
تأويلية قصيرة الى العنوان: "حالم الارض"، لندرك كم من الابعاد
في هذا الخطاب.
مَنْ
هو حالم الارض هذا؟
قد
يخالُ البعض انه الشاعر. فاذا صح ذلك، فلِمَ اضافة "الارض"
الى كلمة "حالم"؟ ألم تكن هذه الاخيرة تفي بالغرض، ولا سيما
اننا الفناها لصيقة بالشاعر منذ عهد الرومنطيقيين؟
لتقريب
البعد او الابعاد لهذا العنوان، سأستعير هذين البيتين من هولدرلن:
"الانسان
غني بالقيم، ولكنه شعريا
يقيم
على هذه الارض".
حول
هذين البيتين الصغيرين كتب هايدغر على طريقته في التأويل،
صفحات طويلة، ويهمنا منها الآن ما يخدم طرحنا باختصار كلي،
لما في فكر هايدغر من سطوة وسحر:
ان
فعل الاقامة على الارض هو الشرط الاساسي للكينونة. وان كينونة
الانسان مؤسسة على اللغة. وفي اللغة مجال الشعر. وفي الشعر
يركز الانسان ذاته على وجوده الانساني، لأن الوجود في صميمه
"شعري". فالشعر اذًا، هو الذي يقود الانسان الى الارض على
الارض للاقامة في الارض، كي يحقق وجوده ويعاني مجاورة اشياء
الوجود. وهذه شاعرتنا تقول في احدى شذراتها:
"الأرضُ
كي
تبتكر لها انفعالا
ترسم
انساناً".
ترى،
هل أجبت عن السؤال؟
انها
مقاربة. ولكن بمثلها يمكن الدخول الى جوانية الشعرية التوينية.
هنري
فريد صعب
*
هذا النص هو تقديم للطبعة الثانية (2003) من مجموعة "حالم
الارض" التي صدرت طبعتها الاولى عام 1983 لدى "دار النهار"،
الناشرة الحالية أيضاً، بالتعاون مع مؤسسة ناديا تويني.
النهار
- الجمعة 24 تشرين الاول 2003