الروائي الفائز بجائزة نوبل للآداب ككاتب مقالات

أجمل مقالات جون كويتزي هي تلك التي لا تلقي شباكها على موضوعها

لو أن هناك تمردا اندلع على الخطوط الخلفية لجيش امبراطور، ووجد جون ماكسويل كويتزي نفسه بين المتمردين، لأبدى الرجل تحفظاً في اختيار جانب ينحاز إليه. ليس لأن الروائي الجنوب أفريقي يفتقد الالتزام، ولا لأن تحفظه ينطوي على رغبة في عدم التورط تكون مبعثاً للرضى عن النفس. إن تحفظ كويتزي هو أجمل أشكال التحفظ الفكري.. إنه أقوى سماته التحليلية واستقلاله. إنه ما يضع التزاماً لقدرته القائمة على حسن التقدير، ومن ثم الحكم على الأمور بما لا يترك مجالاً لمناطق الوسط،
ومن هنا، رحت أرقب، بشيء من الارتياب، هذا المفكر العفيف الذي يؤثر العزلة، بعد اعلان فوزه بجائزة نوبل للعام الحالي، التي ادعت بلده أحقيتها فيها، تماماً مثل ما يحدث في حالات معظم الكتاب حين يحصلون على مثل هذه الجوائز. يعد كويتزي رابع أفريقي يفوز بجائزة نوبل في الأدب. والحقيقة أن المرء لا يسعه، عند قراءة مقالاته سوى الاعجاب باستقلاليته. نفس الالتزام بالمنطق الفردي، والقدر الذي يتجلى بالطبع، أكثر ما يكون في رواياته، وإن كان يظهر في مقالاته أكثر بروزاً ووضوحاً، بعد أن تعرى من متطلبات القصص الروائية المستوحاة من نسج الخيال. ولعل نجاحه في الحفاظ على فرديته بمثل هذا القدر من الرقي والسمو خلال فترة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ بلده لأمر يثير الفضول ويبعث على الاعجاب.
ومن بين أهم ما انشغل به كويتزي هو كيف يسيطر التاريخ على مصير الفرد، وكيف ينجو الفرد من التاريخ. ولعل في ذلك ما يجعل مقالاته في أجمل صورها حين لا تحاول أن تلقي بشباكها على موضوعها. كما أنها تصل إلى ذروة التأثير حين تمزج النصوص الأدبية بالسير الذاتية. ولذلك فإن قراءة النص الواحد من نصوص مقالاته لمرات عديدة تفتِّح مساحات أوسع، وتوحي بأنك أمام رجل لا جذور له، رجل يتخطى حدود الانتماء. ويبدو الأمر كما لو أنه يكتب بغض النظر عن التاريخ، ولكن مع اضفاء قدر كبير من التقدير عليه.
إن عقد الكاتب مع التاريخ يعتمد على التبادلية في التعاون واعتماد كل منهما على الآخر، ويبقى قائماً بموافقة أو عدم موافقة كلا الطرفين أو أحدهما. وإذا ما كان التاريخ هو مفهومنا لكيفية وصولنا إلى ما نعتقد أننا وصلنا إليه من حال، فإن المؤلف يصبح له من الأهمية ما للامبراطور. وبمعنى آخر، إذا كان الملوك قد شكلوا العهود والفترات الزمنية، أليس الكتّاب الذين أرخوا لهم، وقدموا تحليلاتهم بشأنهم، وصوروهم يتمتعون، بنفس القدر من الأهمية؟ إن هذه الأسئلة لا تهدف، كما قد يبدو الأمر، إلى المطالبة بمكانة أسمى للكاتب، وإنما لدراسة العلاقة بين الكتابة وتشكيل التاريخ.
إن العديد من الدول المنشغلة بالعملية الشاقة لاعادة بناء الدولة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ما زالت تركز على الرموز المرئية للتقدم الصناعي. وقد كان للقارة الأفريقية نصيب الأسد من هذه الأدبيات. وقد روجت الحكومات المتعاقبة لدولها، من الشمال إلى الجنوب، لنموذج التقدم الصناعي هذا. فصور المصانع، ووحدات الطاقة، ومعدات النفط، ومركبات القطارات، وشق الطرق المعبدة، تجد بلا شك رنيناً لدى الشعوب المتعطشة إلى الحداثة (ولا تعليق على الإيماءة المهينة لنزعة الخير والانسانية وحب البشر التي يبديها الحكام حين يجري تصويرهم وهم يفتتحون مشروعات أقيمت بالأساس من أموال الشعب). وما يهمني هنا هو اللغة الرمزية للتقدم، وتجسيد درجة تقدم الدولة، وكيف أن الكاتب الفرد، كقوة تقدمية متحضرة، قد تم استبعاده. فمعظم المجتمعات الأفريقية، وبالطبع كل المجتمعات العربية، نادراً ما تعترف بالمنظمات المدنية، ناهيك عن صوت الفرد. ولا يقتصر الأمر على احتكار الأجهزة الحكومية والعسكرية للسلطة والنفوذ فقط، وانما أيضاً، في ما هو أخطر من ذلك، للشرعية والمصداقية أيضاً.
وعلى النقيض مما قد يظنه بعض السياسيين والقوميين، ممن يتجمعون مثل الذباب على ظهور أبناء وطنهم، رجالاً أو نساءً، ما أن يحصلوا على أعلى جائزة أدبية في العالم، فإن الحائز جائزة نوبل هو كاتب يكون دائماً ما هو عليه بغض النظر عن بلده. ولنأخذ على سبيل المثال الأربعة أدباء الحائزين جائزة نوبل في الأدب من أفريقيا، وهم: مول سونيكا النيجيري (عام 1986)، ونجيب محفوظ المصري (عام 1988)، ونادين جولديمر من جنوب أفريقيا (عام 1991)، وجون ماكسويل كويتزي من جنوب أفريقيا أيضاً، الحائز الجائزة العام الحالي. وفي جميع هذه الحالات، لا يمكننا القول ان حكومات هؤلاء الأدباء قد ساعدتهم بأي طريقة ايجابية في تقدمهم الفني والأدبي. بل إن البعض قد يرى، وليس في ذلك فرضية تدعو للسخرية، أن حكومات هؤلاء الكتاب وضعت حدوداً على مصادرهم وحرياتهم. ألم يسع معظمهم، في نهاية الأمر، بشكل مباشر أو غير مباشر للبحث عن الملاذ في دائرة قراء، وعوالم، ومدن أجنبية غير محلية؟
إن الغرض من هذا القول ليس مجرد نعت جميع أجهزة الحكم في الدول النامية بالتخلف، ومعاداة الأدب، وإنما تأمل كيف يمكن أن يواصل الفرد إثبات مرونته والأهمية التي يوليها للتقدم، حتى في ظل أجواء عدائية تعتريها موجات المعارضة العاتية، ولعل احدى هذه الموجات التي تواجه الكتّاب على نحو شديد القسوة في الدول النامية، هي الاضطرار إلى اعلان التزامهم السياسي بوضوح. والحقيقة أن الهموم الملحة العديدة التي يواجهها الكاتب في مثل هذه البلدان تضطره إلى المشاركة في ما انتقدته نادين جولديمر حين وصفته بأنه «رطانة الصراع».
لقد عاش كويتزي، الكاتب والانسان، في زمن متعطش إلى اليقين. ولأنه كان شاهداً على رحلة بلده، جنوب أفريقيا، المفعمة بالألم خلال فترة التمييز العنصري وحتى التخلص منه، فإنه قلما يستسلم إلى الالتزام بتمرير التوجيهات. ونادراً ما تجعله المسؤولية ينحرف عن طريقه في مقالاته . فهو أكثر انشغالاً بفكرة التأمل الهادئ الراقي. إنه يميل إلى ما هو سيكولوجي، وليس إلى اثارة الفضول الأخلاقي وتحقيق الغرض وهو لا يرنو إلى الاقناع، وإنما إلى الاستعلام. وقد تحول ذلك إلى ثمة شفقة في حالات مثل عمله الذي جاء تحت عنوان «الضمير الأسود»، ويتناول الحركة الأفريقية التي ترى أن أفريقيا المعاصرة يتعين عليها الرجوع إلى تقاليدها من أجل الحصول على الارشاد، وليس النظر إلى نموذج التقدم لدى الغرب المستعمر. ولعل قدرته على عرض حماقة هذه الرؤية المحافظة الغارقة في المركزية الأفريقية، لا تنفي أن «الضمير الأسود» يرتبط على نحو كبير بالعزة السوداء. ولأنه هو نفسه أفريقي، وإن كان ليس ذا بشرة سوداء لأنه من أصل أوروبي، فإنه يتقبل أن يبقي الأمر موضع نقاش بشأن مسألة امكانية مشاركة أفريقيا على نحو جاد في الشؤون العالمية طالما ظل التقدير الذاتي الأفريقي منخفضاً.
وقد ساهم مثل هذا الفهم العميق، للمفارقة، في أن يكتسب كويتزي سمعة الغريب أو الدخيل، الكاتب الذي لا ينتمي إلى أحد، وفي رأيي أن هذه هي أقوى سمات كويتزي، وأحد الأمور التي قد تجتهد الدول النامية في دعمها. إن المثقفين المستقلين ليسوا فقط عاملاً متحضراً، وإنما هم أيضاً سمة للمجتمع الصحي، عملة نادرة، وأشخاص مرهفو الحس. وإذا ما اخترنا ألا ندعمهم، فعلينا، إذاً، ألا نسحقهم، لأنه كما يقول كويتزي نفسه: «الكتابة عمل يجعل المرء وحيداً، والكتابة على نحو يعارض المجتمع الذي ولد فيه المرء تجعله أكثر وحدة».

 

هشام جاب الله مطر - كاتب ليبي يعيش في باريس


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri