البياض
المهدور

تأليف:
خضر الاغا
الناشر: دار نينوي ـ دمشق 2002
الصفحات: 140 صفحة من القطع المتوسط
يتفادى الشاعر السوري خضر الأغا، في كتابه النقديّ الأول،
ذاك الأب الطوطم: أدونيس، مستفيداً مما وقع فيه آخرون من جيله
الشعري كمثل: عهد فاضل، محمد عضيمة، وسواهما.. ممن انعطفوا
من رصيف الشعر الى قارعة النقد والتنظير. ومع ذلك .. يستبدل
خضر في كتابه ادونيساً بسعدي يوسف ليبري السهام بقصائده، وليتها..
سهام كيوبيد!
حث في غياب اعترافهم بأية أبوة شعرية، يخترع الشعراء الجدد
طوطماً.. ليرجموه سبعاً بعد سبعٍ، وصولا الى «لذة الكتابة»!
فإذا لم يجد أحدهم.. أحداً، كتب في الصفحة «34» من كتابه هذا:
«كان علي أن أقتل الشعراء جميعاً كي أحبك بلا.. شبهة»!
يتأرجح كتاب خضر الأغا بين قسمين، أولهما «مقدمة نظرية» استطالت
حتى استغرقت نصف كتابه، بحيث منعت قسمه الثاني عن اكتماله،
من كونه مخصصاً للنقد التطبيقي، والمعنون بـ «اشارات نقدية
عن الشعر الجديد في سوريا»، حتى يتاح لاشاراته ان تبرهن عن
ذاتها ، فتصير.. دلالة نقدية!
لانه من نافلة القول.. ان نتوج أبا نواس كأول انقلابي «شعري»
، وليس عبيداً أو الشنفري، وأن الانقلابيين قد توالوا بعده:
أبو تمام ـ بشار بن برد ـ المتنبي، ثم نتغاضى عن.. أبي العلاء
المعري! ثم نتساءل سريعاً: هل كان الشنفري.. الأب الروحي لقصيدة
النثر؟!..
وقد يضيف قاريء: أم.. انه جبران خليل جبران؟!
يكتفي خضر الاغا باشارات عابرة، ومثلها عن تجربة مجلة «شعر»،
وعن محمد الماغوط، محاولاً انتاج المقدمات ذاتها « محمد جمال
باروت: في كتابي «الشعر يكتب اسمه ـ الحداثة اولاً» من منظور
ما بعد حداثي، فقد ولى عهد « » التي اكثر باروت من الاستشهاد
بها واقبل عهد دهاقنة اخرين: رولان بارت ـ جيل دولوز ـ جان
كوهين، وبالطبع: سسيير ـ تودوروف، الذين أكثر المؤلف من الاستشهاد
بهم، بما يتماشى مع الموضة النقدية السائدة عربياً، والتي
مرجعيتها: الحداثة الغربية وما.. بعدها، مكتفيا من الحداثي
الأول في نقد شعرنا العربي: الجرجاني، بهامشين فحسب، ذلك لأن
الكتابة هي.. في درجة الصفر،
ومن بعدها: رولان بارت، وليس.. ابن طباطبا! وهكذا ايضا.. سيتحول
الشعر من كونه انقلابا، الى كونه.. انتحاراً، ومن ثم. فراغاً
وخواء، بياضا مهدورا في خراب اليوتي، اما شعر اليقينيات الايديولوجية
فسيصير شعراً ملتاثا باللغة «كوردة محروقة بجثتها»!
مثل تلك الجملة، ذاك الانزياح الدلالي هاته الحداثة المضادة
للنسق والبلاغة، ومثلها جمل بالحرف النافر طباعيا: «إذا كان
الكلام خطوبة تقليدية على اللغة، فزواجا أبله غايته استمرار
النسل المتشابه، فان الكتابة اغتصاب، غايته اللذة، يستشهد
المؤلف بها، فإذا هي.. له، من كتابه «انوثة الاشارة» منوها
بملاحظة في ختام مقدمته النظرية: «ولا اعرف لماذا وضعتها،
فقد يكون ايضاحا لامر غامض. وقد يكون توريطا ما، وضعت نفسي
ـ كعادتي ـ فيه»! لم يستطع الشاعر وقد صار ناقداً، الا الاستشهاد
بالشاعر الذي كانه!
«الانبياء الصغار» في الشعر السوري الجديد هذه عبارة ـ غير
نقدية! اطلقها الناقد محمد جمال باروت على شعراء ملتقى جامعة
في الثمانينيات، وقد ظنوا بعضهم انهم كذلك فعلا! فلما صار
باروت باحثا.. اندثر نقاد الشعر في سوريا.. وجد شعراء الثمانينيات
والتسعينيات انفسهم فجأة.. بلا آباء، وبلا .. نقاد! فانبروا
يتهادون المقالات عن دواوينهم، ومن ثم.. الكتب النقدية عن
تجاربهم الشعرية، واختص بعضهم فصاروا نقادا، في وقت ارتد بعض
من كتبوا قصيدة النثر الى «التفعيلة»
وقام فيه التفعيليون بهجوم عربي معاكس ضد قصيدة النثر بدعوى
الحفاظ على «الشعرية» والتصدي للعولمة! هكذا.. سيكرس خضر الاغا
نفسه، في القسم الثاني من كتابه، لوضع ثلاثين شاعراً وشاعرة
من أقرانه.. في خانات وجداول! من نافلة القول.. ان تكون في
قصيدة النثر بعض التمايزات التي لم يتح لها زمن حتى تصبح ظاهرة
مكتملة بذاتها.. ولذاتها!
وباستبعاد المؤلف.. لصقر عليشي وخليل صويلح ولينا الطيبي،
من غير سبب مقنع يجعلهم خارج الحساسية الشعرية الجديدة في
سوريا، سيجد خضر الاغا في الثلاثين شاعرا الباقين ـ على قيد
الحياة ـ في كتابه! ، كل ما يشتهيه في قصائدهم، لينتقي منها
المقاطع التي تعزز تصنيفاته فحسب، لتكون قصيدة محمد فؤاد.
قصيدة مقطعية، واربعة اسطر من قصيدة لاحمد ديبو.. مثالا عن
القصيدة / الصورة، ومقطع من قصيدة لحسين درويش.. يدلّ على
انمحاء الحدود بين الشعر ولغة الشارع، اما قصيدة اللغة في
اللغة فهي موجودة في احدى قصائد اكرم قطريب، لكن القصيدة التي
تجرد الجملة من شعريتها لتجعلها شفاهية.. فهي موجودة في جزء
من قصيدة لقمان ديركي، اما الصوفية الشعرية الجديدة فيختص
بها عهد فاضل.. بامتياز،
وسنجد القصيدة المشهدية في مقطع لابراهيم الجبين، ومثال اللغة
التاريخية في الشعر الجديد هو عبداللطيف خطاب، اما قصيدة الكلمة
وقصيدة العلامة، وقصيدة الدالّ والمدلول، واتحاد الصورة الصوتية
بالتمثل الذهني.. فنجدها في نص بعنوان «لامعنى» لعابد اسماعيل،
ثم يعود لقمان ديركي ولكن.. كمثال عن المفارقة في التفاصيل
بعد أن كان: شفوياً! لتبدو قصيدة المشهد أكثر وضوحا عند طه
خليل، الى آخر تلك السلسلة الانتقائية، ومن غير ان يقول لنا
المؤلف.. كيف ولماذا تتجاور قصيدة من مثل «طاغوت الكلام» مع
قصيدة من مثل «مقهى القصر» في شعر محمد فؤاد، مع انهما.. من
نسقين مختلفين؟! أو.. لماذا، وبماذا يختلف ديوان حسين درويش
الاول، ومثله ديوان عمر قدور عن ديوانهما الثاني؟! وكيف تتعايش
في تجربة الشاعر الواحد عدة تجارب، بل.. واصداء اصواتٍ للآباء
الشعريين المقتولين بدم بارد، وهم يرددون مع الحلاج:
«اقتلوني ياثقاتي إن في موتي حياتي»!
أليس ثمة في الثلاثين صوتا هؤلاء.. اصداء لادونيس وانسي الحاج،
للماغوط وسليم بركات، لبول شاوول أو.. عباس بيضون، دون الاحالة
الى الشعراء الغربيين بدءاً من رامبو حتى ريتسوس؟! كنت اتمنى
أن نجد اشتغالا مستفيضا على تحولات الشعراء السوريين الجدد،
من مثل الاجابة عن.. كيف ارتقى عبداللطيف خطاب من اللغة، التي
اسماها خضر الاغا: تاريخية، الى لغة مختلفة في قصيدته عن «نوق
الواسطي» ، وذاك بعد لغات قصائدة التي بدأها بـ «أفول نجم
الديكتاتور»؟ ان الكتاب مجرد اشارات نقدية اخذتها انتقائيتها
الى قصديه مسبقة، ارتهنت بذائقة الشاعر خضر الآغا، الملتبسة
في الناقد خضر الآغا.. التباسا لا غموض فيه!
نجم
الدين سمان - 30 ديسمبر 2002 بيان الكتب