إرنستو ساباتو:
كتبي ليست مشوّقة ولا أنصح أحداً بقراءتها

يعجز العمل الإبداعي، في كثير من الأحيان، رواية كانت أم قصة قصيرة أم لوحة تشكيلية... عن الإحاطة بالعوالم والأفكار

الغنية للمبدع، لا سيما وأن هذه الأفكار تظهر في سياق العمل الإبداعي وفق شروط فنية معينة تقتضيها تقنية النوع الإبداعي، فتأتي بصورة غامضة، مبهمة ومتناثرة على مساحة العمل الإبداعي الذي كثيراً ما ينظر إليه النقاد على انه لا يعبر عن الذات الحقيقية للمبدع الذي يركز بدوره على قضايا قد لا تعنيه كفرد بقدر ما تعني المجتمع بأكمله، ما يؤدي إلى تغييب بعض القناعات والآراء. وإذا كان مثل هذا التوصيف صحيحاً، وهو صحيح إلى حد بعيد، فان الطريقة المثلى للوصول إلى معرفة أفكار المبدع وطروحاته وآرائه إزاء القضايا المختلفة تكمن في الحوارات التي تتوقف جدواها هنا على طبيعة الأسئلة وعلى المحاور القادر على منح هذه الحوارات أهمية خاصة تتخطى طبيعة الحوار الصحفي لتكون رحلة عميقة في التقصي والبحث وصولا إلى معرفة وجهات نظر هذا المبدع على نحو واضح ودقيق لم يكن متاحاً له إبرازها لدى انهماكه في كتابة عمله الإبداعي. ومثل هذا الهدف لا يتحقق إلا عبر جلسات حوار مطولة تمتد على اكثر من لقاء وهذا بالضبط ما يقوم به الناقد والمسرحي الأرجنتيني كارلوس كاتانيا في كتابه "إرنستو ساباتو بين الحرف و الدم" الذي صدرت ترجمته العربية بتوقيع عبد السلام عقيل مؤخراً عن دار المدى (دمشق 2003) حيث يقوم فيه باستنطاق مواطنه الروائي الأرجنتيني الأشهر إرنستو ساباتو خلال إحدى عشرة جلسة حوار لينجح في الوصول إلى أعماق هذا الرجل و "انتزاع" الرأي منه حول مختلف القضايا ليخلق انطباعا لدى القارئ بان الاكتفاء بالقول بان ساباتو هو "روائي" فحسب ينطوي على قدر كبير من الإجحاف.

ومرد هذا الانطباع هو مقدرة ساباتو البارعة على التنظير ومناقشة مختلف القضايا المطروحة التي يثيرها كاتانيا ليطلعنا على آراء هذا الروائي الأرجنتيني وأفكاره المثيرة للجدل حول الرواية وقضايا اللغة وفعل الكتابة والنقد الأدبي والرسم وكيفية تذوق اللوحة التشكيلية والتربية وأصول التدريس والديكتاتورية والفوارق القائمة بين العلم و الأدب والحكم العسكري في بلاده الأرجنتين والفلسفة وغيرها من المسائل الهامة والمعقدة لنتعرف على الوجه الآخر لشخصية روائية قلقة ومقلة في الكتابة الإبداعية حيث اصدر ثلاث روايات فقط هي "النفق" 1948 و "أبطال وقبور" 1961 و"أبدون" 1967 فضلا عن بعض الكتب النقدية وقد ترجم الكثير من كتاباته إلى العربية.

ولع

إن هذه الحصيلة القليلة قياساً إلى تجربته الإبداعية الطويلة نابعة من ولع ساباتا بالنار إذ أقدم على حرق الكثير مما كتب مبررا ذلك بأنه "مهووس كالأطفال بالنار" ثم إن الجوهري في الإبداع لا يتمثل في عدد الكتب "فلو كان الأمر كذلك فستكون أغاثا كريستي أهم من شكسبير" وهو يرى ان الكاتب الجيد يعبر عن أمور كبيرة بكلمات بسيطة ونقيض ذلك الكاتب السيئ الذي يقول أشياء تافهة بكلمات طنانة.

ورغم فوزه بجوائز عدة منها جائزة سرفانتس التي تعتبر ارفع جائزة تمنح للآداب الإسبانية إلا أن الجوائز في رأيه لا تشكل معياراً أساسياً للحكم على الإبداع فقد نال جائزة نوبل كتاب عظماء مثل توماس مان و فولكنر و غيرهما لكنها لم تمنح كتاباً كباراً أيضاً مثل جيمس جويس ومارسيل بروست، كما يوضح ساباتا الذي يضيف في هذا السياق "أنا لا اكتب كي اربح مالاً أو جوائز، وليس بدافع من غرور لكي أرى ما اكتبه مطبوعاً، لكنني كتبت مدافعاً عن وجودي ولذلك فان كتبي ليست مشوقة، ولا انصح أحداً بقراءتها". ولد إرنستو ساباتو في بلدة روخاس القريبة من العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس في العام 1911 وحصل على الدكتوراه في العلوم الفيزيائية والرياضية من جامعة (لاباتا) وعمل في حقل الإشعاعات الذرية في فرنسا ثم في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا في بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية لكنه وفي عام 1945 هجر العلوم بصورة نهائية ليكرس وقته للأدب فقد "كان منذ طفولته روحاً تفكر وفناناً ينطوي على دخيلة كئيبة" كما تصفه زوجته ماتيلدي التي تضيف "ولكنه في الوقت ذاته متمرد وصاخب، قيدته العلوم بشكل مريع فكان أمراً منطقياً أن يبحث عن المنفذ الوحيد الذي يمكن أن يساعده على التعبير، على تقيؤ عذابه الداخلي: (الرواية)".

الحزب الشيوعي

انتسب ساباتو في مرحلة الشباب إلى الحزب الشيوعي لكنه سرعان ما هجر الحزب بعد أن اكتشف أن هذا الانتماء يقيد الفن، فالفن ـ في رأيه ـ لا يصنع بأسباب... و"محاولة فهم عمل فني هي إلى حد ما كالرغبة في اختزال الكراهية والحرب والحب والأحلام إلى مجرد أسباب خالصة... الفن يشبه الأحلام إلى حد بعيد.تلك الرسائل التي تأتي من أعماق لاوعينا: سخيفة، متناقضة، لاعقلانية"، فهل من المعقول أن نطلب من بيتهوفن أن يفسر لنا إحدى سيمفونياته أو من كافكا أن يقول لنا بوضوح ما الذي أراد أن يعبر عنه بروايته "المحاكمة"، تلك الرواية تعبر بالطريقة الوحيدة الممكنة عن الواقع الجهنمي الذي كان كافكا يشعر به". هكذا يفهم ساباتو الفن و يجادل بأن هناك في جميع الأحوال تقدماً في الفكر الخالص وفي العلوم وليس في الفن."إن الفن لا يتقدم والسبب أن الأحلام ذاتها لا تتقدم: هل كوابيس عصرنا افضل من كوابيس عصر يوسف التوراتي...؟ إن رياضيات انشتاين تتفوق على رياضيات أرخميدس ولكن "عوليس " جويس ليست أسمى من "عوليس" هوميروس".

وتأسيساً على هذا الفهم فان ساباتو ينتقد بشدة أدلجة الفن وتسيسه ويستهجن مقولات وتوجهات مدرسة الواقعية الاشتراكية في الأدب "لم يكن لأعمال بلزاك أو غوتيه أو شكسبير أو دون كيخوته ولا لسينفونيات بيتهوفن أو براهمز ولا لآلام باخ أو لوحات رامبرانت ولا لغيرها فائدة تذكر في إنقاذ طفل من الموت جوعاً في أي مكان في العالم". فمن السخف حقاً ـ يشدد ساباتو ـ اعتبار فنان عظيم خائناً أو متواطئاً في قضية الظلم الاجتماعي لأنه لا يحرض بفنه على الثورة العالمية وهو في أغلب ما يقول يقرن القول بأمثلة للمزيد من الإقناع فيذكر، في هذا المقام، الأدباء الثوريين بان ثورياً معروفاً مثل كارل ماركس كان معجباً بشكسبير وكان يعرف الشعر الغنائي الإنكليزي والألماني معرفة عميقة، ويحترم ويقدر غوتيه مستشار البلاط المتطرف في رجعيته، ويعتبر بلزاك مثالاً للروائي.لم يكن (كارل ماركس) إذاً من أنصار تدمير أعمال أولئك باسم الثورة الاجتماعية لأنهم محافظون. وبهذا المعنى فان ساباتو يرفض الهبوط بالفن إلى مستوى الدعاية بل ينبغي أن يسمو بالشعب إلى أسمى المستويات الروحية، فلا غرابة إذاً في أن يشبه الفنانين والمبدعين بالقديسين "إذ تنتصب أعمالهم فوق هذه البشرية التعيسة وفضلاتها كنصب طاهرة ترصد المدى الذي تصل إليه الروح البشرية".

وينظر ساباتو بعين التقدير إلى تلك الثقافات الفطرية البدائية "فسمة ثقافة الكتب هي المبالغة وقد احتقرنا ثقافات قديمة لم تقم على الأبجدية وإنما على أسس أخرى اكثر أهمية: أسطورية حكيمة، توازن رائع مع الكون، ألفة مع الموت، إحساس مقدس باللحظات العظيمة لهذه الحياة البائسة... وكما قال سنغور " عندما يموت شيخ قبيلة فذلك يكون بمثابة احتراق مكتبة" كما أن محادثة مع عالِم حول منضدة افضل من قضاء عدة سنوات في تعليم يعتمد على الكتاب كما يقول لونجفيلو الذي يستشهد به ساباتو.

ولساباتو آراء حول اللغة لاشك أنها تثير حفيظة اللغويين المعتدلين قبل المتشددين فهو يرى ان اللغات هي عملية في حالة تحول أبدي لأسباب نفسية وتاريخية وجغرافية وسياسية واجتماعية."اللغات الوحيدة المستقرة هي اللغات الميتة، وكل ما عداها هي لغات ديناميكية تحفل دائما بالشوائب... وسيكون ضرباً من الطيش القول بأن عمق إبداع أدبي ما يمكن أن يعتمد على تنوع مفرداتي أو صوتي بسيط، ففي حالة كهذه ستكون معلمة لغة أسبانية تلم بسائر تفاصيل علم النحو وقواعده ومحظوراته أجدر من ميجيل ارناندس لكتابة عمل أدبي عظيم. إن بنية كل لغة تنبض خفية بالطاقة التي ستقود إلى بنية أخرى مختلفة. لست ادري لماذا يثير غيظهم (فقهاء اللغة) أمر بالغ الوضوح كهذا"، وهو بذلك يرد بوضوح على جهابذة اللغة ممن يشيدون قلاعاً حول اللغة ويقفون ضد التحول والتغيير ودخول الشوائب إليها بحجة الحفاظ عليها نقية صافية.

 

ابراهيم حاج عبدي / دمشق - المستقبل - السبت 18 تشرين الأول 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri