"أعالي الحنين"

لصقر عليشي

شظايا مملكة الطفولة

بعد "قصائد مشرفة على السهل" و"الأسرار" و"قليل من الوجد"، صدرت للشاعر صقر عليشي مجموعة شعرية جديدة بعنوان "أعالي الحنين" عن دار الينابيع بدمشق. وفيها يعود عليشي الى سيرة الطفولة، ليصوغها في قالب شعري مبسط ومؤثر تطغى عليه سطوة النثر في بعض القصائد. فيتحدث بلسان الطفل الذي كانه، وبقلب وأحاسيس الشاعر الذي تجاوز الأربعين من العمر، ليس أمامه سوى الحنين المشوب بالأسف:
يأسف الشاعر.../ ماذا يفعل الشاعر في وقت كهذا/ غير أن يسقط/ من أعلى الحنين.
عبر قصائد قصيرة (غالباً) ومتتالية، يدخل الشاعر عليشي من خلال استخدامه للغة شعرية بسيطة وعفوية، تناسب وعي طفل وبراءته، الى عمق عالم الطفولة ومملكتها، متخذاً من نفسه، حينما كان ذلك الكائن وفي تلك المملكة، "عيّنة" ليسرد من خلالها المراحل التي مرّ فيها منذ البدايات، في "التربية الجمالية" و"الدروس الأولى" و"الغراميات الأولى" و"التعريفات الأولى"، وفي هذه الأخيرة يقول:
في دفتر الملاحظات سجل الفتى:
بلى.../ يمكن أن نعرّف النهد بأنه:
ملخّص الأنثى/ أو المختصر المفيد في العُلَى.
في قصيدة أخرى يقرأ الشاعر، بيأس وتوجّع، لحظة خروجه سهواً، ومن دون أن يشعر، عن فضاءات الطفولة وعالمها الشفاف، وكأنه خروج عن الحياة بطولها:
فضاء حميم لعبنا فيه
ولكن.../ متى أطلق الحَكَمُ الجَدُّ صفارةً
معلناً انتهاء اللعب؟
وفي قصيدة "ولادة" يظهر الشاعر عليشي عالم الطفولة كعالم مستباح من قبل الكبار، أو ككرة يملك الكبار زمام اتجاهاتها، ما يجعلها فاقدة حتى لكرويتها، أطفال لا يعلمون أنهم يقلّدون الكبار ـ من حيث لا يدرون ـ في ألفاظهم.
بعين طفل شاهد على حدث وبفضوله، ولغة شاعر يرى متعته في الجمال، يرصد عليشي تفصيلات عن حياة ضيعته "عين الكروم"، حتى يخيّل لقارئ قصيدة "عين الكروم" أنه يشاهد شريطاً سينمائياً منوّعاً ومكثفاً يحوي لقطات من زوايا مختلفة وأوقات مختلفة:
صوت جارتنا وابنها/ وهي تلعن آباءه الأولين
سمعنا ارتطام شتائمها بصفيح السماء.
في قصيدة "الأهل/ صورة حديثة" ينقل صقر عليشي صورة أهله الذين تركهم منذ زمن، وهم تركوا كل شيء من حولهم وفيهم ثابتاً من دون تحوّل:
بعدهم حيث غادرتهم/ دون فرق كثير
بعدهم في بساطتهم ساهمون
والنصيحة في رأيهم/ لا تزال تساوي جمل
خروجه من عالم الطفولة، ودخوله دائرة الحنين الى تلك الطفولة، يجعله ينظر الى نفسه من شرفة الأربعين:
ها أنا الآن في الأربعين/ والشِّعر في صحة جيدة
وما زال عندي الكثير من البوح/ ما زال شغلي الحنين.

 

سالار أوسي - المستقبل - الثلاثاء 18 تشرين الثاني 2003


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri