آخر المدن المقدسة لكمال سبتي

بقلم: ميلاغروس نوين
ت: د. وليد صالح

هذا الديوان لكمال سبتي الشاعر العراقيّ المقيم في هولندا قمت بترجمته إلى اللغة الإسبانية منذ زمن طويل. كانت أوقاتاً أخرى مختلفة في عام 1990 عندما تمكّن كمال سبتي وبعد رحلة طويلة ومرهقة من الإستقرار في مدريد للدراسة في كلية الفلسفة والآداب في جامعة أوتونوما في مدريد.

آنذاك كان النظام السياسيّ لصدام حسين قائماً بكلّ جبروته، على الرغم من حرب الخليج الأولى، وقليلون هم الذين توقعوا حينها ما جرى مؤخراً

من غزو وأحتلال للعراق من قبل القوات المسلحة الأميريكية والإنجليزية.

ومن ناحية أخرى فقد نشرت جريدة الحياة التي تصدر باللغة العربية يوم الثالث من أبريل 2003 وفي الصفحة 12 مقالاً بخصوص المواقف المختلفة للمثقفين العراقيين المقيمين في الخارج، حيث يعبّر البعض منهم عن تأييده للتدخل الأميريكي والبعض الآخر عن رفضه. وسقوط النظام العراقيّ السابق البغيض والمرعب خلق مشاعر متناقضة، غير أنّ رأي كمال سبتي الذي ينتهي به المقال المذكور ، يعبّر عن رفض واضح للحرب على العراق ويتمنّى لو أنّ الأمم المتحدة كانت قد أخذت على عاتقها أمر نزاع السلاح العراقيّ ، غير أنّ تسارع الأحداث جعل دور هذه المنظمة العالمية هامشيّاً ، بل ومستحيلاً..

وعلى الرغم من أنّ ديوان كمال سبتي الذي نقوم بتقديمه الآن لا يشير إلى الحرب الأخيرةلأنه كُتِبَ قبلها بسنوات، فإنه مرتبط نفسيّاً بحالة التجزئة والتدمير التعسفي الذي نال العراق.

فلا بد من الأخذ بنظر الإعتبار سنوات الحرب العشر مع إيران وحرب الخليج الأولى والتي نجدها حاضرة في هذا الديوان.

وشعر كمال سبتي من وجهة النظر الشكلية لا يشبه الشعر العربي إلاّ قليلاً. على الرغم من انّ كتابة مثل كتابة كمال سبتي تتطلب إلماماً بحركات التجديد في الشعر العربي سواء في القرون السابقة أو في الوقت الحاضر.

فقد تخلّى سبتي عمداً عن الوزن والقافية والإيقاع الموسيقيّ.

غير اننا لا نستطيع أن ننفي بأنّ ما يكتبه شعر، لأنه مختلف عن النثر بقوة لغته الرمزية ومتانة صوره وتتابع ورودها المرتبط بقوة بالصورة. سواء الفوتغرافية أو السينمائية، أكثر مما يحصل بواسطة الكلمة نفسها. لذا فإن الشخصيات المجزأة التي تتحرك على صفحات " آخر المدن المقدسة " تبدو وكأنها هاجس وتكهن بما يجري الآن في بغداد التي تُهاجَم بلا رحمة ويُرعَبُ سكّانُها بملايينهم الخمسة. فمتى ستعمل المنظمات العالمية وبشكل فعليّ على منع هذا الرعب؟ ومتى سيتمّ التوقيع على معاهدات دولية تمنع قنبلة المدن ولئلاّ يصبح الضحايا المدنيون والبنى التحتية لتلك المدن أهدافاً للأسلحة الأشدّ دماراً؟

والنص الذي تسلمته من كمال بهدف ترجمته إلى اللغة الإسبانية منذ أكثر من عشر سنوات، كان عبارة عن المخطوط الأوّليّ لديوان " آخر المدن المقدّسة ". وفيه فقرات لا تظهر في نسخة الديوان المنشورة بالعربية سنة 1993، وقد فضلت ترجمة النص الأصليّ، لأن المخطوط في نظري أقلّ تدجيناً.

ويشتمل الديوان على قصيدة واحدة ذات انسجام داخليّ كبير، قام الشاعر بتقسيمها إلى أربعة أجزاء.

في هذه القصيدة صدى لحياة الشاعر الماضية والحاضرة، ممزوجة بأقتباسات من مؤلفين عرب كلاسيكيين مثل الحلاّج والثعالبي وغيرهم. وفيه أيضاً استشهادات من القرآن والكنب المقدسة الأخرى والحديث. وقد تمكن الشاعر في هذه القصيدة من إيجاد لغة رمزية خاصة، تبرز بقوة من خلالها صور مجزأة تثيرالقلق والرهبة.

فالموت والتعذيب ينبعثان من القصيدة باستمرار بإيقاع يؤذي المشاعر.

ومن ناحية ثانية ففي النص إشارات يصعب فهمها مثل"الشعراء منجمون عن ذهب العودة"

والتي يذكرها مرتين.. وحسب تفسير كمال سبتي نفسه فإنه يشير إلى الشعراء الذين كانوا ينوون التقرب للنظام في ذلك الوقت. وتمثل القصيدة مسيرة دائرية حيث ان الفقرة الأخيرة التي تنهيها ترتبط بالمطلع. ولا توفّر القصيدة للقارىْ خطّاً تطوريّاً مستقيماً للقراءة لأنَّ عليه أن يبحث عن سبيل بين الصور الناتجة عن الدمار والخراب الذي يحدث بدون تمييز.

انها الفوضى ،المادة الأولية التي ينطلق منها الشاعر، وان كانت فوضى ليست ناتجة عن انعدام النظام فحسب، بل ناتجة عن قوة التعبير أيضاً، وهو الشيء الذي لا نعدمه في القصيدة. وعليه فأنا أستنتج بأن القصيدة تولد من اللاشعور أكثر منها من الروح. انها حشوية أكثر منها روحية.

وتخلو القصيدة من الإشارات الزمنية،علماً بأنه تظهر بعض التلميحات الجغرافية.

هناك ذكر لأحياء في بعض المدن التي مرّ بها الشاعر في رحلته إلى مدريد كأحد أحياء بلغراد أو جزيرة واقعة في منتصف الطريق بين أفريقيا وأوربا، وربما المقصود بها جزيرة قبرص.

ومع ان الشاعر لا يصرح علناً، فإنّ " آخر المدن المقدسة " يمكن أن تكون أية مدينة عراقية في وقتنا الحالي.

ولكن الإحتمال الأكبر انّ المدينة المقصودة هي بغداد، حيث يطفو السحر على الرغم من الخراب الذي يلفّ كل شيء.

أمّا بخصوص اللغة التي يستعملها كمال سبتي، فإنها لغة عربية شديدة الصفاء، بلا رتوش بلاغية زائدة، وهي ليست لغة بسيطة، بل معتدلة وذات قوة تعبيرية كبيرة.

هي لغة يمكن مقارنتها بتلك التي ترافق الطقوس الدينية الكبرى. وبهذا المعنى فإنه ليس من السهل أن تتناغم لغته مع لغات الشعراء العرب الآخرين من المعاصرين.

وأخيراً فقد أثار انتباهي كون الفعل " انحدر " الأكثر إستعمالاً في القصيدة.

*ميلاغروس نوين، مستعربة إسبانية، وأستاذة الأدب العربي الحديث في جامعة كومبلوتنسه في مدريد. والكتابة هذه هي مقدمة كتبتها الدكتورة نوين لترجمتها قصيدة الشاعر كمال سبتي، الطويلة" آخر المدن المقدسة " والتي صدرت مؤخراً عن دار النشر الإسبانية:

في مدريد. Huergay Fierro editores

* وليد صالح أستاذ الدراسات العربية والإسلامية ورئيس قسم الدراسات العربية في جامعة أوتونوما في مدريد.

 

خاص باللإمبراطور - 06.02.2004
www.kamalsabti.com


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri