حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"حـيـن سـرب فـراشـات..."
لـغـسـان عـلـم الـديـن

لـيـل الـشـاعـر يـتـقـدم بعـيـون جـارحـة

"حين سرب فراشات اصطدم بزجاج النافذة". احتاج غسان علم الدين الى ست كلمات ليكتمل عنوان مجموعته الشعرية الأخيرة. إنه غالباً فرح الشاعر الذي يحول دونه عائق ما. الفراشة بما تعنيه من رمزية الفرح واللهو والتحليق الحر، تصطدم بزجاج. تود أداء ما تنطوي عليه تلك الرمزية الثرية التي تحقق معنى وجودها، إلا أن النافذة وسدّها الزجاجي تحرمها من ذلك. الفراشة مجاز لما يتوق اليه المرء، والزجاج مجاز لقدرية تتربص به وتمنعه أحياناً في لؤم وسخرية وقسوة من مجاراة أحلامه وحصاد أفراحها وأنوارها.

من "خيط بياض" مجموعته السابقة الى مجموعته هذه الجديدة، تلبث رؤية علم الدين مكبلة ببشاعة المشهد اليومي تارة، وبثقل المعادلات الوجودية القاسية تارة اخرى. ثمة أفق يبدو الشاعر سجينه الدائم. إنه الأفق الملبد بغيوم الحزن والقلق والخوف، لكنه ليس الأفق المفتعل، المتوهَّم، النابع من سوداوية مقصودة أو مسبقة يتعمد الشاعر الهرولة خلفها. بل يكاد المشهد القاتم، الحزين، الجارح، الموجِع، يتهافت تلقائياً على حقل رؤيته، يقتحم فسحة سكينته المشتهاة: "ملكات وملوك الجمال/ عارضو وعارضات الأزياء/ مدلكو ومدلكات الأجساد/ يتلوّنون مع الموسيقى". يبدو هذا المقتطف غير ممتلىء بالصورة الشعرية الآسرة شكلا ولُباً، إلا أن ما يليه يحمل المعنى والمشهد الى تمام تلك الصورة ومغزاها: "النساء/ وحيدات قرب أسرة الاطفال/ تقضمهنّ مبارد الخوف". المقطع الاول مقدمة للثاني. ثمة مقلب من الحياة يضج بلهو ومتعة وترفيه، في حين ان مقلباً آخر يئن قلقاً وخوفاً. يكتسب المقطع الثاني بُعْدَه المأسوي العميق من المقطع الاول الممهد له. النقيض يبرز فداحة نقيضه. إنها حتماً الحياة المحكومة بنفور الأضداد، بقسوة المفارقات، بهول التفاوتات بين إنسان وآخر. وأخالُني أسمع تساؤل الشاعر في هذا النص لِمَ تكون لبعض البشر نعمةُ النهل المستفيض، حتى الثمالة، من سعادات الوجود وجمالاته، في حين أن آخرين يعبرون أعمارهم من الممرات الشائكة والمظلمة؟

وكم يبدو الواقع مؤلِماً في أسلوب القول لدى علم الدين: "تقضمهن مبارد الخوف". الصورة هنا شديدة القسوة وتشي بالمعاناة الرهيبة. كان ممكناً استخدام فعل الأكل بدلا من القضم، الا أن الفعل الثاني يؤدي أكثر مأسوية الحالة، حالة الخوف. ثم، كأن الخوف "القاضم" لا يبلغ ذروة معناه إلا مقترناً بعبارة "مبارد". هنا قسوة الواقع وفظاظته من منظار علم الدين الذي أفلح في تجسيدها جيداً.

"عندي رغبة في الكتابة/ لكن غسان/ تركني/ للاعتناء برِجْل أبيه". ثمة غمزة من قناة مشاغل الحياة التي تسرق الشاعر من عالمه، تلهيه عن قصيدته، وتسلخه أحياناً عن مناخ طالما تاق إليه. القول هنا هادىء النبرة، بسيط، لكنه ينطوي على ألم مُضمَر. يرغب الشاعر في الكتابة لكنه يُحرم من نعمتها أحياناً، كأنها تمسي محظورة عليه. يود موافاتها للاحتفاء بها لدى إقبالها، لكنه محكوم بالاهتمام بأمور أخرى، وذاك ما يعذّبه. استخدم اسمه الخاص كأنما ليعكس على نحو أفضل وجع انفصال الذات عن ذاتها، وخاصة حين يكون الشاعر هو المعني، وحين يكون حائل بينه وبين ما يعتبره غالياً له، حميماً، نازعاً الى المقدس، وهو الشعر. وتبدو ذات أَلَق الصورة الآتية: "(...) وأن شاعراً ضيّع حلمه/ صار فزّاع طيور". إن شاعراً بلا أحلام أمر مستحيل. الشاعر والحلم صنوان، توأمان سياميّان يموت كلاهما لو انفصل أو فُصل عن الآخر. الحلم وقود القصيدة الملحّ، والشاعر حالم بامتياز. ويكاد يقول غسان علم الدين أعلاه إن على الشاعر التشبث بحلمه لئلا يضيع منه، بل لئلا يمسي مهرّجاً على شاكلة فزّاع الطيور الذي ليس سوى خشبة شُبّه أنها إنسان بفضل اللباس الآدميّ الملقى عليها.

أصوات الوجع والقرف عالية في قصائد "حين سرب فراشات (...)". أقل ما يترجم هذا المناخ اختيار مفردات وصور نافرة لناحية تعبيرها عن "وحشية" الواقع: "ترتيق الاصدقاء (...)"، "الشجر المفروم (...)"، "كأن قطناً نبت في فمي"، "يتقدم الليل بعيون جارحة". ويعالج معضلتي الوحدة والوقت بما يسببانه من قلق مرهق فيقول: "تصدّق/ أن النهار/ المدروز بالفراشات/ لن تجرؤ/ نوبات القلق/ وسحابات الوحدة/ أن تفسد غبطته./ سلالم الأبنية لم تعد روزنامة/ تعلق عليها لحظاتك". لكن اذا كان غسان علم الدين جارى جوانب عبثية وسوداوية في الحياة، فإنه لم يغفل التطلُّع الى ملاذ جميل علّه يقيه شرور القتامة والبشاعة: "رغم ذلك/ أريد أن أفكر، وأكتب وأغامر/ حالما/ أعثر/ على/ رأسي". وكم يبدو إصراره جميلا على المواجهة والتمرُّد حين يفصح: "هذا اللهب أرشُّه... بالكتب والأوراق والأقلام". عساه يحرص مرة أخرى على "خيط بياض" (مجموعته السابقة) يكسر ببريقه سطوة العتمة.

 

حنان عاد - النهار - الجمعة 26 آذار 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri