حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر


فروغ فرخزاد

كسرت عزلة المرأة بجرأة وأسى

لو أراد أحدنا أن يعدد أسماء شاعرات إيرانيات معاصرات فلن يعثر إلا على القليل. غير أن هذا القليل لا بد من أن يضم اسم الشاعرة الأكثر شهرة ألا وهي فروغ فرخزاد التي تحتل مكانة بارزة في الأدب الإيراني المعاصر, فهي استطاعت أن تشق لنفسها مساراً خاصاً في عالم الشعر, مع ما يعني ذلك من خصوصية الأنثى المقهورة والوحيدة والحزينة في مجتمع لا تستطيع المرأة فيه أن تجهر بعواطفها ومشاعرها سواء كان ذلك الآن في عهد الثورة الإسلامية التي قامت في العام 1979 او في المراحل التي سبقتها والتي عاشت فيها الشاعرة التي ولدت في طهران عام 1935 وغابت باكراً في عام 1967, وعلى رغم هذا العمر القصير تركت الشاعرة خمسة دواوين هي: "الأسير" الذي نشرته وهي في السابعة عشرة من عمرها, و"العصيان" ديوانها الثاني الذي تخطت فيه - كما أشار النقاد - الخطوط الحمر وتجاوزت التقاليد, فوجهت لها انتقادات كثيرة لكنها تابعت الكتابة, فأصدرت مجموعتها الثالثة بعنوان "الجدار". ومن هذه العناوين (الأسير, العصيان, الجدار) يكتشف المرء مدى المعاناة التي كانت تعيشها هذه الشاعرة ومدى توقها الى الحرية والانعتاق, فإضافة الى القيود المفروضة على المرأة في صورة عامة لا سيما المرأة المبدعة, فان والدها كان ضابطاً في الجيش يعامل أولاده بمنطق عسكري صارم. وربما شكل هذا الوضع دافعاً لزواجها المبكر في سن السادسة عشرة وطلاقها في ما بعد وحرمانها رؤية ابنها الوحيد حتى قبيل وفاتها.

ديوانها الرابع "ولادة أخرى" صدر عام 1964 وشكل اتجاهاً جديداً ليس في مسيرتها الإبداعية فحسب, بل في الأدب الإيراني المعاصر بعامة إذ اعتبرت على إثره "شاعرة ثورية" لجرأتها في الاعتراف والمكاشفة وتناول ما هو مسكوت عنه. ونشرت آخر مجموعاتها الشعرية (الخامسة) بعد وفاتها "لنؤمن ببداية فصل بارد" وفيها كانت تنبأت الشاعرة بموتها المبكر. ومن مجموعتيها الأخيرتين اختار المترجم العراقي غسان حمدان مجموعة من القصائد وأصدرها في عنوان "وحده الصوت يبقى" (دار المدى, دمشق - 2003) وهو برر ذلك بأن الشاعرة عثرت في هاتين المجموعتين على "صوتها المتفرد وتبلورت هويتها وبصمتها المميزة, على خلاف مجموعاتها السابقة التي ضمت قصائد كلاسيكية تقليدية.

إن النبرة الرومانسية الحزينة التي تطغى على أجواء هذه المختارات الشعرية تعيد الى الذهن الأسئلة التي طرحتها الروائية والناقدة البريطانية فرجينيا وولف في كتابها "غرفة خاصة بالمرء وحده" الصادر عام 1929 والذي ينطلق من حجة رئيسة تتمثل في "أن المرء يجب أن يمتلك مالاً وغرفة خاصة به إذا أراد أن يبدع".

من الملاحظ أن فروغ فرخزاد وظفت القيود المفروضة على المرأة على نحو آخر, فهي التي عاشت حياة مريرة ومُغلقة - كما تفضح القصائد - لم تستسلم لليأس ولم تنته محبطة, بل اهتدت الى صوتها الداخلي والتفتت الى قراءة صفحات الألم والمعاناة إبداعياً لتكون بديلاً عن اتساع التجربة, ففي هذه القصائد نحن أمام نصوص مفعمة بالبوح الأنثوي, ذلك البوح الذي يقترب من الهمس والمتمتع بمذاق خاص, مذاق الخوف والعزلة والإقصاء. إنها تصغي إلى صوتها الداخلي المخنوق وتروي الحنين إلى ذكريات الطفولة والحب الذي ترك وشماً نافراً في ذاكرتها لا يمحى.

قصائد رقيقة هادئة ذات نبرة خافتة تستبطن الذات اكثر مما تقرأ الواقع وصراعاته, لكنها جريئة في الاهتمام بتفاصيل حياة الشاعرة, التي لا تختلف كثيراً عن حياة نساء من جيلها يعشن الواقع نفسه. وهي إذ تدون هذه التراجيديا, فإنها تسترجع بكثير من الألم ذكريات الماضي, لتقدم مراثي للأحلام الآفلة والأماني المؤجلة. فقد ولت تلك الأيام الطيبة والأغصان الملأى بالكرز والأسطح الجميلة بطياراتها الورقية حين كانت تنظر من وراء الزجاج في الغرفة الدافئة الى الخارج: "ثلجي النظيف كالزغب اللطيف/ يتساقط متمهلاً/ على السلم الخشبي العتيق/ على حبل الغسيل الرخو/ على جدائل الصنوبرات العجوز/ وكنت أفكر في الغد, آه/ والغد -/ حلم زلق ابيض...".

و لئن بدت القصائد مغرقة في الحديث عن ذات هشة مذعورة, فهي تنفتح على جمال الطبيعة وألوانها وروائحها وأصواتها, فتصف الشاعرة العالم المحيط بها بكثير من الشجن والعذوبة, ولا تني تستعير مفردات الطبيعة هذه وعناصرها لتصبح هذه حاضرة في قصائدها كالنجوم والشموس والأزهار والأقمار والأطيار. لكنها تستحضر ذلك عبر رؤيتها الذاتية, فهي لا تكتفي بتسجيل ما ترى, بل تغوص في عمق هذه المشاهد لتستدرك دلالاتها وتحولاتها وإيحاءاتها إذ تعيد بناءها وفق صورتها الذاتية وتبعاً لحالتها النفسية أثناء المشاهدة. ولا شك في أن ميولها السينمائية تركت أثراً في قصيدتها التي تقدم نفسها كلوحة ملونة تنبض بالحركة. فهي الى جانب كونها شاعرة اهتمت بالسينما وسافرت في نهاية الخمسينات الى إنكلترا لدراسة هذا الفن وأخرجت بعض الأفلام الوثائقية ومنها "البيت اسود" الذي نال جائزتين في مهرجاني "لايبزيغ" و" اوبرهاوزن". وتجدر الإشارة الى أنها هي نفسها, لشهرتها, كانت موضوعاً لأفلام وثائقية. فقد أنتجت منظمة اليونيسكو فيلماً عنها مدته نصف ساعة, كما أن المخرج الإيطالي الكبير برناردو برتولوتشي أخرج فيلماً عن حياتها مدته خمس عشرة دقيقة.

لا تتوانى الشاعرة عن تسجيل بعض المشاهد الحسية الجسدية التي لا تنطوي على الابتذال بقدر ما تبرز الجروح والأوجاع: "وعندما لم يكن لديّ ما أقوله/ كنت تلصق خديك/ على اضطراب نهدي/ وتصيخ السمع/ الى حبي الذي يموت باكياً..." كما أنها تجاور المتناقضات أحياناً في لعبة لغوية لا تخلو من الدلالة "كنت أموت منك/ لكنك كنت حياتي...".

 قصائد مكتوبة بمداد الحيرة والقلق والخيبة, يقبع خلف سطورها وجه امرأة وحيدة آمنت بقدوم فصل بارد هو فصل الموت والرحيل الأبدي, وآمنت بان الصوت وحده يبقى صوتاً يدعو الماء الى الجريان, ويلتمس الى القمر كي ينير "أنوثة التراب". صوت ينشد الحب والسكينة, صوت "سخي كالضياء يدعو العصافير العاشقة من بين أشجار الدردار الى صباحات النوافذ المشرعة على الأمل".

 

إبراهيم حاج عبدي - 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri