
الوقوف
علي أطلال الذات: شروخ الروح!
عن دار
ميريت صدرت رواية 'عناقيد الروح' للكاتب حسن هند، وهي تأتي كتجسيد
للحظة التاريخية والاجتماعية التي تعيشها شخوصها، ما بين انكسار
الذات واندحار الواقع. وفي حالة كهذه، فمن الطبيعي أن تخلو الذاكرة
من الحلم، وأن تمتليء بدلا من ذلك بالكوابيس والرؤي السوداء.
وتشير
الرواية الي ان نقطة تحولات الواقع، والتي هي نفسها نقطة بداية
السرد، تتمثل في العام .1968 انه عام البرزخ الذي يفصل بين سقوط
الحلم وهزيمة الثورة، وفي نفس الوقت فإنه يمثل بداية تزاوج باشوات
السلطة مع باشوات المال، لتكون النتيجة الطبيعية ظهور طبقة 'الهاي
كلاس' في مواجهة من سيطلق عليهم فيما بعد صفة 'بيئة'، اولئك
الذين خلفتهم الثورة وراءها ثم مضت.
وفي
العام نفسه انتشر مبدأ 'شيوعية النساء'، فبعد ان كن غير معروفات
إلا لأبناء وسطهن، صرن يتواجدن في كل مكان، بدءا من الكاسيت
والسينما حتي المجلات السيارة.
فاذا
ما انتقلنا الي صناعة الوعي العام فيما بعد 1968، فلن نجد أمامنا
سوي كارثة. لقد صار كتاب رؤساء ومديري تحرير الصحف أكثر من قرائهم!!.
أما صناعة الوجدان فقد اصابها البوار، نتيجة لرحيل أم كلثوم
التي خلفت وراءها فراغا وجدانيا شاسعا. ومع تزييف الوعي وخواء
الوجدان والاحساس بالانسحاق امام الآخر، كان من الطبيعي ان يمتليء
العالم الداخلي بكل التجليات الكربلائية القديمة، لتصبح عادة
تعذيب الذات وامتهانها هي قانون الواقع الجديد.
إن الرواية
أية رواية هي ساحة للجدل بين الحلم والواقع، ومن هنا تستمد
طبقا لفيشر ضرورة وجودها. وحين تنكسر الأحلام وتهيم في طرقات
الذاكرة، فان الواقع يتشظي.
وعندما
تحاول الرواية رصد حركة الأحلام المكسورة داخل واقع مهزوم، فمن
الطبيعي أن تتشظي بدورها، حين تستهدف ما يمكن ان نسميه (استاطيقا
الانكسار). في هذه الحالة، يختلط الخاص بالعام، ويمحي الخط الفاصل
بين الذات والموضوع، فتضيع التفاصيل تحت وطأة التجريد، وتصبح
الرؤي الكربلائية هي المعادل الموضوعي للتاريخ. إن هذا تحديدا
هو ما يشكل العالم الداخلي لرواية 'عناقيد الروح'، التي هي نوع
من الوقوف علي اطلال الذات.
والجنس
في واقع
لايسمح بتداول السلطة بقدر ما يسمح بتغيير التسميات أو الأقنعة،
فإنه من الطبيعي ان يتم تداول النساء بديلا عن تداول السلطة،
كما يصرح بطل الرواية. فالمرأة في 'عناقيد الروح' هي البديل
المتاح لما لايمكن امتلاكه بالنسبة للشخصيات الذكورية. وتضع
الرواية المرأة داخل قوسين نسائيين: ليلي، وأمل مدحت. الأولي
هي الأكثر مصارحة ومكاشفة، كما أنها مخاتلة ومخايلة وحنون كأم،
اضافة الي كونها فتية كالأرض التي تبحث عن وطن. أما الثانية
فرغم انها تقطن بحي السيدة زينب الشعبي، إلا أنها كانت تمارس
البرجوازية الجديدة:
برجوازية
'الهاي كلاس'. فهي تحب الحب والعشق والصبابة والجنس والأخوة
والإباحية وكسر التابو.
علي
أنه من المهم الاشارة الي أن كلتا المرأتين هما تعبير عن تحولات
الواقع، وبالتالي فإنهما ضحيتان أكثر منهما عاهرتين. لقد انكسر
النموذج الرومانسي الذي كانت عليه المرأة داخل الواقع، نظرا
لعجز الرجل عن التواصل معه. فالبطل مثلا قد عجز عن التواصل
مع زهرة، احدي زميلاته التي ترتدي الخمار، والتي تم قمعها داخل
الزي، لتصبح سجينة للقيم الأخلاقية بدلا من ان تكون حارسة عليها.
كما أن صديقة ايمن قد عجز عن التواصل مع فتاة كلية التجارة الهامة
البالغة والرقيقة، فتركها وتزوج زميلته المهندسة الاسمنتية.
وحين ينكسر نموذج ما، عادة ما ينهض علي أشلائه نموذج آخر مغاير،
وهذا ما حدث بالنسبة للمرأة داخل الرواية.
وإذا
كان انكسار النموذج الرومانسي للمرأة قد جاء نتيجة لزهد الرجل
فيه، فإن هذا الزهد كان نتاجا لتحولات أعمق في الواقع الخارجي.
لذلك، نجد أن محمد زناتي صديق البطل يحب ابنة تاجر الذهب،
وحينما اصطحب اباه لخطبتها جلس الرجل شارد الذهن حينما رأي ثراء
أهلها الفاحش، حينئذ قالت امها ساخرة: (استاذ محمد لاتضغط علي
ابيك لكي يتكلم، انه يريد ان ينام)!!.. وفي واقع تتم فيه معايرة
الحب بالثروة، كان علي البطل أن يبحث عن ذاته خارج العاطفة،
مما ادي به الي الانغماس في ملذاته العابرة، التي لم تكن نتاج
توجه ذاتي، بقدر ماهي نتاج توجيه اجتماعي.
ولقد
أدي التحول المفاجيء للنموذج الرومانسي الأنثوي الي النموذج
النقيض، ان تكون ردة الفعل في مستوي الفعل ذاته، أي استثنائية
في تطرفها. لذلك، فإن ليلي حسين تتحدث عن عشقها الأول لمحمد
زناتي الغارق في الجنس، تقول: (علمني الشرب، وحين اشرب يخرج
مني مالايمكنك تخيله، أثار جنسيا حتي الهوس، أريد أن يحتويني
ويعتصرني بذراعيه حتي العقد، اغطس في دنياه، اريده ان يرقصني
ويراقصني حتي ادخل في فلكه الي ما لانهاية. الجنس أكسير الحب،
والحب أكسير مليء بالجنس والهوس والعشق). وهكذا، يتحول الجنس
ليصبح ايديولوجية بديلة، في عصر سقطت فيه كل الايديولوجيات.
إن الركام
الجنسي داخل الرواية لم يكن تكوينا أصيلا في المرأة، لكنه يشير
الي نوع من الانعكاس الشرطي الذي نتج عن تحولات الواقع الخارجي.
ان ليلي لم تشغف بمحمد زناتي الدون جوان، اذ انها رغم ذهابها
اليه مرارا في شقته، إلا انها لم تكن لتطمح في الفوز بذكورته
بل برجولته، وفارق شاسع بين التعبيرين. وحين لاتجد لديه سوي
الأولي فإنها قد اكتفت بالثانية، لكنه اكتفاء العجز لا اكتفاء
الرضا.
الفانتازي
والصوفي
وإلي
جانب الهروب من الواقع باتجاه الجنس، كان هناك طريقان اخران
للهروب: الاستغراق في الفانتازيا، أو الالتجاء الي الحلم الصوفي.
ان البطل يعيش حالة من التشظي الي: الأديب والباحث والصوفي والعلماني،
حيث التصوف يعيد إليه توازنه داخل انكسارات الواقع. إن حلم البحث
عن العدالة الاجتماعية في عالم يرزح تحت وطأة الانقسام بين الوفرة
والندرة، بين 'الهاي كلاس' و'البيئة'، سوف يؤدي بالضرورة الي
أن يعيش الانسان المعاصر وحيدا، مثل أبي ذر أو الحسين. وهنا
فإن عليه إما أن يستغرق في الفانتازيا أو يحيا هاجس التصوف،
كي يتعالي علي واقعه فيما يشبه الانسحاب الارادي منه.
إن استخدام
الملمح الفانتازي في بعض مواضع الرواية لم يكن يشر بأنه استخدام
جمالي، بقدر ماهو تأكيد مضموني. فطائر الرخ الذي ينتشل البطل
من بين فخذي امرأة ليصعد به الي السماء، ثم يتركه يسقط من بين
مخالبه، ليجد نفسه في بهو جامع سيدنا الحسين، لم يكن تعبيرا
عن جماليات الواقعية السحرية، بقدر ما كان إشارة رمزية الي ثنائية
الصراع بين الجسد والروح، التي انتابت الذات بعد تحولات الهزيمة.
ثم إن حكاية الملك والشاب الذي يحصد الهواء لم تكن تستهدف التعبير
الفانتازي عن عبثية الواقع، بقدر ماتقوم بدور 'الإليجوريان'.
أما حكاية القرد والمرأة الشبعة فرغم كونها مغرقة في جمالياتها
السحرية، إلا أنها لم تتجاوز بدورها الاشارة الترميزية. وهكذا،
تصبح الفانتازيا مجرد وسيلة للاقتراب من الواقع، أكثر مما هي
غاية تتطلب الخروج عليه.
وفي
المقابل، يأتي الملمح الصوفي داخل الرواية، ليعيد الاتزان الي
بعض شخوصها التي مزقتها التناقضات. فلقد اكتشف البطل أن الحب
والعشق والصبابة والوجد هي رموز اكتشفها الصوفيون للتخلص من
نزوات الجسد والترفع علي متطلباته. وفي هذه الحالة، فإنه من
الممكن أن يصبح الانسان أقل احتياجا الي شهواته وأنانيته. وعندما
يشكو ازدواج الآخرين معه وعدم تمكنه من التوحد مع أحدهم، فإن
شيخه يشير الي السماء قائلا: الحل عند سيدك. وهنا، تصبح الصوفية
هي محاولة للصعود الرأسي بالعالم الي الله.
وحين
تتوحد المرأة بالأرض، ينتقل البطل بعشقه من الأرض الي المرأة،
حيث يعيش حالة من الحلول معها: (أيتها السامقة المقطوعة من هذه
الأرض، من أين أتيت بكل هذا الإيمان واليقين؟ تقدسين الحسين
الشهير، وتضرعين بجانب قبر الحسن بن علي، تتشفعين بالأقطاب الأربعة..
سيدي أحمد الرفاعي، وعبدالقادر الجيلاني، والسيد أحمد البدوي،
وابراهيم الدسوقي.. تحبين البدوي السطوحي والسيدة زينب لأنهم
مع الفقراء والمساكين، تحدثينني عن انتصار البدوي علي فاطمة
بنت بري لأنه انتصار علي النفس، ثم تحدثينني عن التوحد، ويكفينا
أنا من المساكين.. إن متعة سكنك هي شفاء للروح والجسد من كل
أدرانه، لأنه تعميد وراحة وأمان).
ويصل
الملمح الصوفي الي ذروة تجلياته من خلال الجرة والشيخ محمد سوار..
ولأن الجدة من نسل سيدي نفادي، الذي ينحدر بدوره من نسل النبي،
فإنها كانت متصوفة بقلبها. لذلك، فإنها كلما رددت: (مدد ياسيدي
نفادي) كانت حمامة خضراء ترفرف في صحن المنزل. وحين يأتي لها
المرضي والمعوزون كانت تضع يدها علي رءوسهم، ثم تقرأ الفاتحة،
وتقول: (مدد ياسيدي)، فيقوم المريض سليما معافي. ولأن (العرق
يمتد) كما يقول المثل الشعبي فإن البطل بدوره قد طاله الحس الصوفي.
لقد التقي بالخضر، وسأله عن إخوان الصفا، وعن قصائد جلال الدين
الرومي في شمس تبريزي.
واذا
كانت النزعة الصوفية تستهدف الاستعلاء علي الواقع، فإن إحباطات
الواقع مثلما تصيب الروح بالعديد من الشروخ، فإنها قد تخترق
تلك النزعة. فالحاج فرج الذي يقترب في سلوكه من المتصوفة حين
يطرده المدير العام من العمل، فإنه يشتغل سفرجيا في ملهي ليلي،
إنه يجمع بين التبتل في الصلاة في مسجد الامام الشافعي، وحفظ
مفردات البهو داخل علب الليل.. وحين يجد أن البطل (تعبان) و(قرفان)،
ينسي علي الفور نصفه الصوفي، ليستيقظ النصف الآخر المتواطيء
مع الواقع، فيقترح عليه أن يتناول قرص (أبوصليبة) الذي يجعل
من الرجل سوبرمان وينمي خياله، أو قرص (أبوزمبة) الذي يهيج جنسيا.
ثم يشير عليه بأن اقراص (النمل) تجمع بين مزايا النوعين السابقين.
وبذلك، فقد تغلبت رموز الواقع علي رموز المتصوفة. وحينما يؤكد
له البطل انه (قرفان) ولاسبيل الي خروجه من ازمته، يستيقظ النصف
الصوفي للحاج، فيشير عليه ان يغسل همومه في جامع السيدة نفيسة
(حمالة الهموم).
وبذلك،
فان عبثية الواقع وما أحدثته من شروخ في الروح، قد نزلت بالنزعة
الصوفية من عليائها، مما يشي بان ما تعانيه شخصيات الرواية أكبر
بكثير من أية نزعة هروبية أو محاولة استعلائية فمثلما واجه الكابتن
غزالي وزملاؤه (أولاد الأرض) الهزيمة في ضرائب السويس، فإن عليها
ان تواجه انكساراتها.
وشأن
الاستخدام الفانتازي، يصبح الملمح الصوفي اشارة مضمونية اكثر
منها استخداما جماليا، فهو ليس مستهدفا لذاته لكنه يؤكد علي
اهمية الدخول الي الواقع واقتحام ازماته بدلا من الالتفاف من
حولها.
ويتبقي
في النهاية ان نشير الي ان بقعة الضوء الوحيدة في ظلمة الواقع
الكثيفة داخل الرواية، هي شخصية د. عمر التنير، ذلك الطبيب الذي
اعطي نفسه ووقته لمرضاه. إن يمثل قيامة الروح في زمن الموات،
ويجسد حلم العدالة الاجتماعية الذي تلاشي بعد عام .1968 وعندما
يموت فإنه يتحول الي فكرة داخل ذاكرة البطل، ومضيئا في ذاكرة
من عرفوه.
ولكي
تصل الرؤيا السوداء الي ذروتها، يكتشف البطل أنه مصاب بالسرطان،
وهو في الحقيقة مصاب بواقعه، التي تتجاوز هزائمه وانكساراته
قسوة السرطان. وتنتهي الرواية دون ان تجد دواء لأمراض شخوصها،
ربما لانهم يدركون ان البرء لايتأتي الا من خلال التئام شروخ
الروح مرة اخري. ولن يتم ذلك الا عبر الدخول الي الواقع، لا
عن طريق الانسحاب منه.
عبدالعزيز
موافي