حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

<<ثامنهم حزنهم>>
مجموعة أديب حسن محمد الشعرية

قداس الهلاك

تستحوذ على الشاعر السوري أديب حسن محمد (من مواليد القامشلي 1971) في مجموعته الشعرية الأخيرة <<وثامنهم حزنهم>> (الصادرة عن اتحاد الكتّاب العرب/ دمشق 2004) سيرة الموت، وتمهّد لها طقوس في الخسارة، الكآبات، الفقدان، لكن الموت الذي يستحوذ، ما هو؟ وكيف؟
هذا هو الركن الأول والأساس، لقصائد <<وثامنهم...>>. أما الركن الثاني، ويدخل في باب التقنية الشعرية، على الرغم من كونه أساسا في التأليف الشعري، او بشكل أدق، في التوليد الشعري، فهو ركن الأصدقاء. فالشاعر يدخل في تواشج وجداني ونصّي معا، مع كوكبة شعراء وأصدقاء، يؤسس على نصوصهم قصائده، إما بلبس قناع الحال، او بلبس قناع الشخص/ او القصيدة التي يؤسس عليها قصيدة... وهؤلاء الأصدقاء داخلون في تأليف نص أديب حسن محمد، من خلال احالات اليهم بالاسم، او بالنص المتضمن، جزئيا، منهم، في قصائده. فعلى هذين الركنين تقوم عمارة ديوان الشاعر، وعنهما تصدر حساسيته الشعرية، لتعود فتسلك في قول شعري متواشج، حزين، غنائي، مضطرب او ملتبس على العموم... وذلك متأت على الأرجح، من كون الجوهر الشعري للشاعر، هو من جوهر شعرائه المنتخبين، لجهة ان الطيور تتآلف فتتعارف، او لجهة انها تقع على ما يشاكلها... ومن هم شعراء أديب حسن محمد، الذين اليهم يبعث بقصائده، او منهم يطلع إنشاده الحزين؟
انهم عدّاً: نزيه أبو عفش وسليم بركات، علي جعفر العلاّق وناصر عراق، عيسى الشيخ حسن، جهاد عثمان، منير خلف، عماد الحسن، طالب همّاش، أيمن معروف، غالية خوجة، ولكي يكتمل العدد اثني عشر شاعرا نُضيف اسمنا لهذه الكوكبة.
حسنا... ماذا يعني ذلك؟.
ثمة إذن سؤالان في المجموعة، الأول في الموت والثاني في الأصدقاء. هذا على ان التقنية الكتابية التي تسلك الموضوعتين معا، هي تقنية الاحالة. فمن البداية، من العنوان والقصيدة الأولى بالعنوان ذاته <<...وثامنهم حزنهم>> تبرز أولى الاحالات، وهي احالة قرآنية على سورة <<أهل الكهف>>... حيث يجعل الشاعر هذه الاحالة تقنية كاملة لبناء القصيدة:
<<أوّلهم
اقتعد الظلّ الخالي
ثامنهم
أغمض بيداء الروح
ونام على جسد بال
ثالثهم...
رابعهم...
.....
خامسهم... ...>> وصولا الى ثامنهم:
<<حزن فوق الغيم
يراقب لعبتهم
ويمدّ يباب جناحيه
ليسدّ الكهف على الأهوال>>.
فالإحالة القرآنية كانت جوهر القصيدة ومصدر بنائها في آن... وعليها سلك الشاعر بيان نصّه الشعري.
وإذ يلحّ الموت او يضغط على أصابع الشاعر، فإنك تحسبه على التوالي يتلو نصوص الهلاك والمراثي او قداس الهلاك. ثمة تموّجات محمومة تمور في داخل قلق ومحرور... تخيّلات كأنها نتف من هذيان يقول <<ورأيت كأني أكبرني>> وفي ختام القصيدة:
<<قفا نبكِ
مثنى
وثلاثاً
ورباعاً
حتى يهدينا الدمع الى حوزته
ولأني في العتمة بادية
كوني لي ناراً يا نارُ
كي أنجو من عتمة روحي
وأعود لتسكنني الدارُ>>.
ما يعني الخلل في الاقامة، والحسّ، وانقلاب الصورة... ثم، وقبل الوصول الى <<تيمة الموت>>، المرور بالخسران والحسرة:
<<... وما لمحت نيزكاً يهزّ مرقدي
وعندما قبضت حسرتي
توهجت كجمرةِ
وها أنا
أضعت من يدي، يدي>>
والمرور بالزوال... الزوال من خلل الفقد... فالعين يسدّها الرماد، والأمنية غبار أو نثار، والحديقة (حديقة العمر كما يسميها في قصيدة <<الزوال>>) اصفرار، والأرضون تغطّ في الزوال، والعظام يسلّها الألم، وكل شيء يمور في حزنه، كأمواج تمور في بحر أسود:
<<... وأرى كأن الريح
قُدّتْ من صُداعي
وأرى الكواكب كالرفاق
تدور في فلك الوداعِ
وأرى
أرى صُمّاَ وعُمياً
يمتطون خيولهم
يمضون في لجج الضياعِ...>>
فهي غنائيات زوال... أكثر مما هي رومانسيات تحوّل وحزن ريفي. بل لعلها طلليات ومراث لأمكنة حائلة وأزمنة زائلة وأصدقاء مائتين ووجود قلق...
<<أعبر برزخه فرداً
وأموت
ستأخذ قطط الليل
نصيباً من أطلالي
أدخل أطلالي
وأشمّ غياب ملائكتي
أدخل للبيت
وكأني أخرج دوني
أخرج من حيث أتيت>> (من قصيدة بيتي يهجرني).
طقوس الموت
كل ذلك يقود لا محالة الى طقوس وجودية للموت. أي موت هو الذي يتلبّس مناخات أديب حسن محمد؟
نسأل أنفسنا، ونجيب: الموت الوجودي... الاحساس الأولي، بالعدم... العدم الضروري للكائن: يقول:
<<أقود الروح الى غرقٍ
وأشقّ الى الموت سبيلاً...
لا بدّ من الصمت
لا بدّ من الموتِ الأبيض...>>
فالموت الأبيض هو الموت الوجودي... الذي يكاد يكون عبثياً، لأنه الموت الالزامي... والحتمية هنا تجعل الكائن في النقطة المريبة الكائنة بين العبث والسخرية... كأن يفتح القبر فيجد عظام الأم تضحك او كأن يقول:
<<سأدقّ باب الأرض
تفتحه المراثي والعظام...>>
وهذا الاحتشاد لإشارات الزوال والفقدان، لا يزحمه سوى احتشاد أخير لا يغادر الأنفاس لمفردات الموت نفسه. ففي مجموعة من القصائد ترد تحت عنوان عام بإحالة قرآنية <<وجعلنا لمهلكهم موعداً>> تتوالى العناوين التالية:
ما يطلبه الموتى
طاب موتي
الداخل في ميتته... البيدق في الموت العشرين...
.... وهكذا، وعلى هذا النسق، تترى القصائد وكأنها فصول في <<ميتة تذكارية>> بعبارة بول شاوول للمؤلف نفسه... فتذكارات الموت والموتى تظهر وكأنها تذكارات سيرة ذاتية، وكأن الموتى أشخاص هم الشاعر نفسه، وكأن الموت منبثق من داخله ومن سويداء ذاته. يظهر ذلك أكثر ما يظهر (أعني لجهة انبثاق الموت من الداخل) في قصيدته المسماة <<أدقّ باب الأرض>>، فالقصيدة شبه سيرة ذاتية يذكر فيها الشاعر آل بيته بالأسماء: جيهان، والجد الممدد فوق أريكة الربو، والأب المبتلى الصموت، الذي مات في المنفى وهو يحلم ببيت... وهو لو كان يعلم ذلك، لكان اختار بيتاً في أقاصي الياس، <<فمن ترى
يختار بعد الموت
موتاً لا يموت؟>>
ويذكر أيضاً، في هذا النص الشعري السيري نفسه، عمّه الذي مات بسرطان الرأس، وزوجته التي <<تقتات من حَطب الفتن>> وأخاه الميت على أبواب المحن، وجدته المرميه على عكازها، في ركن الألم... وبعد التشبير، وعبارة <<... تباً وتباً ثم تباً...>> تنتهي السيرة المرئية، بنداء الشاعر لنفسه:
<<قُم...
يا حَسَنْ>>.
وكأنه يدعو نفسه للخروج من هذا الموت المحيط. ولكن كيف؟ وأياّن يكون ذلك؟.
سفينة الأصدقاء
هل تنجيه سفينة الأصدقاء؟
في نصوص قصائد الأصدقاء، الآتية تحت عنوان بإحالة قرآنية أيضاً هي <<... أما السفينة>> وتكملتها <<... وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر>>... نجد ما يشبه مدّ شباك النجاة الى شعراء اختارهم أديب حسن محمد، ليتواصل معهم، او ليصرخ من خلال أصواتهم صراخ التواصل. وهنا يستعمل الشاعر تقنية حائرة بين التضمين والتناصّ واستعارة الأقنعة. ويعقد أواصر مع شخوصه، او يرسم لهم صوراً شعرية مستمدة من ملامح أشعارهم على العموم، او من قصائد بعينها في جملة هذه الأشعار.
يربط صلة بالشاعر نزيه أبو عفش بقوله:
<<... ونزيه
في خاتمة الحبر عراء
أشعل أعواد الروح
فما عاد يدفيه الوطن...>>
ويسترسل في سياق غنائي ملتبس، من خلال مطلع قصيدة <<ليلى بلا نار>> لمحمد علي شمس الدين حيث يضمن الشاعر قصيدته هذا المطلع. ويسترسل من بعده:
<<مَنْ دقَّ بابك في ظلام الليلِ
مَنْ رجل سواك
يعود نحوك يا غريبُ>>
يا شاعراً سهرت جهات الأرض ملء جنوبِهِ
رجلان نحن
على صراطٍ أهيفٍ
لا نجيبُ... ...
.... ...
ويختار من سليم بركات، صرخته على خسارة وطنه وموتاه، فيؤسس عليها نصاً بعنوان <<سليم بركات>>... أما في قصيده المعنونة <<نشيد الخرافة>>، المهداة الى الشاعر منير خلف، فينطلق من مطلعٍ جميل لخلف يقول فيه :
<<إنّ الحياة جميلة
لكنّ زينب لن تعود..>>
ليكتب نصاً رثائياً مستطرداً على مرثيّة منير خلف، بصور تابوتية، ونبرة طللية...
<<غدنا
المزنّر بالتوابيت/ البيوتْ
...
لا شيء يعلو
فوق هاتيك الطلولِ
سوى الطلولْ
كل الخطا/ كل القصائدِ
في الدروب تبعثرت
وغداً
سيحلم غيرنا بخرافةٍ
تُدعى الوصولْ>>.
هناك ذكر لشعراء آخرين في القصائد، من أمثال بدر شاكر السيّاب ورياض الصالح الحسين وأدونيس وبلند الحيدري، وسواهم، تارة بذكر أسمائهم صريحةً، وطوراً بتضمين النصّ مقاطع من أشعارهم... ويظهر ذلك بجلاءٍ في قصيدته المسمّاة <<في ظلالهم>> فهي قصيدة الشعراء بامتياز... كل ذلك يجعل من هذا الشاعر، ما يشبه الناي الذي تمر في ثقوبه الأصوات والرياح، فيطلق ألحانه الحزينة... التي تشبه مراثي الذات ومراثي العالم.
... حتى لكأنه يصف نفسه إذ يقول في قصيدة <<ناي على شفة العراء>>:
<<ناي
ينادمه العراء
ناي
يؤزَّخ محنة الأحجار
في غَسَقِ الفناء>>.

 

محمد علي شمس الدين - السفير - 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri