
قصة
حياة الشاعر الفرنسي رينيه شار
البرق
الساطع في الجبين
تأليف:
لوران غريلسامير
مؤلف
هذا الكتاب هو صحافي في جريدة «اللوموند» الفرنسية المعروفة.
كما انه ناقد ادبي ومفكر. وكان قد نشر سابقاً «قصة حياة
نقولا دوستايل» ونال عليها جائزة ادبية كبيرة. وبالتالي
فهو خبير في كتابة سير العظماء او قصص حياتهم.
وفي
هذا الكتاب الجديد يتعرض لسيرة حياة واحد من اهم الشعراء
الفرنسيين في القرن العشرين: رينيه شار «1907-1988» ومعلوم
ان القرن الماضي حفل بكبار الشعراء من امثال ابولينير، اراغون،
هنري ميشو، سان جون بيرس، بول ايلوار، واخرى. ولكن رينيه
شار تميز عليهم جميعاً باسلوب فريد من نوعه، اسلوب يجمع
بين الغموض والوضوح بشكل جذاب جداً ويستعصي على الفهم احياناً.
وفي
هذا الكتاب الضخم يتحدث المؤلف عن مختلف مراحل حياة رينيه
شار منذ الطفولة الاولى في مدينة «ليل سير لاسورغ» الواقعة
جنوب فرنسا بالقرب من مرسيليا وحتى كهولته وشيخوخته مروراً
بالمرحلة السوريالية وسواها حتى موته في نفس المنطقة التي
ولد فيها.
ويتحدث
المؤلف بالطبع عن علاقة رينيه شار بكبار معاصريه من امثال
اندريه بريتون مؤسس الحركة السوريالية، وبول ايلوار، واراغون،
والبير كامو، وفرانسوا ميتران، وعشرات غيرهم. هذا دون ان
ننسى صداقته مع بيكاسو وسلفادور دالي وبراك وبقية الفنانين
العظام الذين استوحوا قصائده على هيئة لوحات فنية.
وفيما
يخص مروره العابر والسريع بالمرحلة السوريالية يقول المؤلف
ما معناه: كان رينيه شار معزولاً في بلدته في الجنوب الفرنسي.
ولذلك فعندما تعرف عليه بول ايلوار واكتشف موهبته الشعرية
اقنعه بالمجيء الى باريس والانضمام الى الحركة الجديدة التي
كانت قد اسست بعد الحرب العالمية الاولى كرد فعل عليها وعلى
فظائعها.
وهي
حركة شبه اباحية من جميع النواحي. ولكنها كانت مبررة في
وقتها بسبب الفظائع والمآسي التي نتجت عن الحرب الكبرى،
وكل ذلك باسم القومية، والوطنية، والشوفينية الفرنسية او
الالمانية. وبالتالي فهؤلاء الشباب المتمردون كانوا قد كفروا
بقيم المجتمع الاساسية التي ادت الى الحرب واعلنوا رفضهم
لقيم العائلة
والزواج
والانجاب وخدمة الوطن والخضوع لرجال الدين المسيحيين. وكان
كرههم لهؤلاء الآخرين شديداً.
وبالتالي
فقد لقيت دعوتهم صدى لدى الشباب المتمرد الباحث عن شيء آخر
غير القيم الامتثالية للمجتمع. ومن بين هؤلاء رينيه شار.
والواقع ان كل شخص يمر في شبابه الاول بالمرحلة السوريالية
الانفجارية وذلك قبل ان يعقل لاحقاً ويهدأ.
وهذا
ما حصل لرينيه شار الذي تعرف عليهم في اوائل الثلاثينيات
وبقي معهم فترة قصيرة، بل وشارك في بعض معاركهم التي كانت
تؤدي الى تكسير الصحون والكؤوس في مقاهي باريس والاشتباك
بالبورجوازيين العفنين كما كانوا يسمونهم. اما البورجوازيون
فكانوا يدعونهم بالمشاغبين والزعران والمجانين..
وبالتالي
فكانت توجد مشكلة بينهم وبين المجتمع.
وفي
يوم من الايام كان اندريه بريتون جالساً في مقهى «سيرانو
دوبيرجراك» في باريس مع اراغون. وكان يضع قناعاً على وجهه
على طريقة السورياليين المولعين بصدم الجمهور ولبس اشياء
غريبة الشكل وشاذة عن المجتمع. وكذلك كان يفعل اراغون. فالسوريالي
شخص غريب الاطوار ولا يلبس ولا يتصرف كبقية المجتمع.
وفي
تلك الفترة كان السورياليون قد انقسموا على انفسهم الى قسمين:
قسم مع بريتون وقسم ضده. وراح المنشقون يجوبون شوارع باريس
طولاً وعرضاً لكي يبصقوا عليهم اذا مارأوهم مارين. بل واكثر
من ذلك راحوا يشتمون الشاعر الكبير لوتريامون صاحب «اناشيد
مالدورور» و«اشعار». وكل ذلك لكي يزعجوا بريتون وجماعته
الذين كانوا يقدسون لوتريامون ويعتبرونه قمة الشعر. بل وكان
لوتريامون بالنسبة لهم مثل يسوع المسيح بالنسبة للمسيحيين!
وفي
احد الايام هجم بريتون وعصابة السورياليين على احد المقاهي
الشهيرة في حي المونبارناس حيث كانت تجري حفلة راقصة للطبقة
البورجوازية برعاية احدى الاميرات. وامر بريتون رينيه شار
بان يتقدم المجموعة لانه الاجرأ والاقوى جسدياً. وهذا ما
كان، وحصلت معركة فاصلة بين الطرفين واستخدمت فيها الكؤوس
والسكاكين، وكانت النتيجة ان انتهى الجميع في مركز البوليس!
لقد
ساعدت المرحلة السوريالية شار على تفتح عبقريته الشعرية.
ومساعدته بالاخص على احداث القطيعة الكاملة مع الشعر التقليدي.
فلولاها لربما ما كان قد تجرأ على كسر القيود والاصفاد والعادات
الامتثالية في الشعر والحياة.
ولكنه
تجاوزها بعدئذ ولم يعد بحاجة اليها، يضاف الى ذلك ان موهبته
الشعرية كانت اكبر بكثير من موهبة بريتون مثلاً ولذلك انفصل
عنهم وذهب لكي يغرد خارج السرب. ثم عاد الى مدينته الصغيرة
وادار ظهره لباريس واضوائها الخلابة ولكن الفارغة في نهاية
المطاف. وعندئذ قرر ان يعيش مخلصاً كلياً لقضية الشعر وكان
يقول: الشاعر لا ينبغي ان يشرك بالشعر شيئاً : لا زواج ولا
عائلة ولا اولاد ولا اي شيء آخر ينبغي ان يعيش للشعر وللشعر
فقط.
هذا
لم يمنعه بالطبع من الزواج اكثر من مرة ومن اقامة علاقات
عاطفية عديدة على مدار عمره الطويل. ولكنه لم ينجب اي طفل.
وبهذا المعنى فقد ظل وفياً للشعر، وللشعر وحده.
ثم
يتحدث المؤلف عن علاقة رينيه شار برامبو ويقول: ظل شار طيلة
حياته مهووساً برامبو. ولكن من لم يكن مهووساً به؟ وهل يوجد
شاعر فرنسي يستطيع ان ينسى ظل رامبو الذي يخيم على الجميع؟
ولكن علاقة رينيه شار به كانت خاصة واكثر حميمية.
وربما
كان اشبه شعراء القرن العشرين به من حيث الزخم الشعري والضربة
القاضية في الشعر اذا جاز التعبير. يضاف الى ذلك ان شار
مثل رامبو، ما كان يغش في قضية الشعر. بمعنى آخر ما كان
يكتب حرفاً اذا لم يشعر بحاجة داخلية ملحة الى ذلك. ومعلوم
ان الكثيرين من الشعراء يكتبون احياناً لأغراض خاصة لا علاقة
لها بالشعر او بالنقاء الشعري.
اما
شار فكان يعتبر الشعر قضية حياة او موت، وبالتالي فلا مجال
للعب فيها. فإما ان يجيء الشعر او لا يجيء. واذا لم يجيء
فلا ينبغي ان نفتعله. فهو الذي يفرض قانونه علينا وليس العكس.
الشعر قضية خطيرة جداً، بل انه اخطر شيء في الكون، واجله
بالنسبة لشخص كرينيه شار. ولهذا السبب فقد كان يحتقر الشعراء
الذين يكتبون الشعر بمناسبة وبدون مناسبة او يوظفون الشعر
لاغراض سياسية كأراغون مثلاً..
فالشعر
هو وحده قضية وليس بحاجة الى قضية اخرى لتبرير نفسه.
كان
شار يقول: الشاعر الحقيقي يموت شاباً على غرار رامبو. ولكن
كان يستبعد ان يكون بركان الشعر قد انطفأ داخل رامبو في
سن العشرين او الواحدة والعشرين.
كان
يعتقد أن رامبو قرر الصمت المطبق لاسباب تتجاوزنا، تتخطى
فهمنا وامكانياتنا.
وعلى
مدار حياته كلها كان صمت رامبو يؤرق رينيه شار ويتساءل:
الا ينبغي عليه هو ايضاً ان يسكت، ان يكف على كتابة الشعر
بعد ان نشر دواوينه الاولى؟ ما معنى الشعر بعد الان؟ ما
ضرورته بعد ان يكون الشاعر قد قذف بالحمم الاولى كما يقذف
البركان من تحت الارض بالنار المشتعلة والمواد المتفجرة؟
الا
ينبغي ان يسكت الشاعر في لحظة ما ويقول كفى؟ الا ينبغي ان
يخجل من نفسه ويحترم قضية الشعر الى حد عدم ممارستها بعد
الآن؟ اسئلة كثيرة كانت تخطر على بال رينيه شار. كان يخشى
ان يفقد براءته الاصلية، او التلاعب بالالفاظ والكلمات دون
اي مبرر او سبب.. كان رينيه شار ينحني، يصلي في محراب الشعر..
وكان
يريد ان يظل مخلصاً لقضية الشعر حتى درجة الاستشهاد، او
الانتحار، او الموت. ولهذا السبب كان يجل رامبو وينحني امامه.
وقد كتب عنه نصوصاً نثرية وشعرية رائعة: حسناً فعلت اذ رحلت
ارثر رامبو!
ويمكن
القول بان ابتعاد شار عن العاصمة واحتفالاتها واضوائها ثم
ذهابه الى اعماق الريف الفرنسي للعيش بالقرب من العصافير
والاشجار والمياه ما هو الا تعبير على رغبته في الاخلاص
لهذا الشيء الاثيري الذي لا يمكن القبض عليه والذي يدعى:
الشعر
كل الحياة المفتعلة والكاذبة، حياة المجاملات والنفاق السائدة
في العواصم الكبرى كانت تسبب له غثياناً، وجنوناً. وكان
يرفضها، كان يخشى على نفسه من التلوث من الابتعاد عن البراءات
الاصلية والحنين الى شيء مجهول يدعى: الشعر. كان يضحي بكل
الامجاد والتكريمات والاحتفالات والجوائز والحياة الباريسية
من اجل لحظة واحدة: لحظة خلوة مع الشعر.
واذا
كان قد رغب في جائزة نوبل مرة فمن اجل «الشيك» فقط! كان
يتمنى لو يعطوه هذا الشيك بدون احتفالات حتى وبدون استقبالات.
وذلك
لكي يوزعه على الفقراء والمحتاجين من اصدقائه واحبته. كان
رينيه شار كريماً حتى درجة الجنون احياناً. وكانت جيبه دائماً
مليئة بالاوراق المالية الكبيرة وهو يوزعها يميناً ويساراً
ويتمنى لو يملك مال الارض كله لكي يوزعه على من يستحقه..
وفي
احدى المرات قرر ان يبيع لوحاته او اشعاره التي رسم لوحاتها
كبار فناني القرن من امثال بيكاسو، وسلفادور دالي، وبراك،
وسواهم..
وتفاوض
مع بائع لوحات شهير من جينيف على الموضوع. وقبض على الصفقة
مبلغاً ضخماً او شيكاً كبيراً. فماذا فعل به؟ وزعه على الاصدقاء
وبنى لهذا بيتاً واشترى لذلك ارضاً، واعطى للآخرين فلوساً
نقدية وشعر بسعادة عارمة. وانطبقت عليه كلمة القديس اوغسيطنوس:
السعادة هي ان تسعد الآخرين!
لا،
لم يكن بخيلاً رينيه شار! هذا اقل ما يمكن ان يقال فيه.
ولو كان بخيلاً، شحيحاً لما كان شعره يساوي قشرة بصلة! وهل
يمكن لشخص كتب كل هذه الاشعار الرائعة ان يكون بخيلاً؟ وهل
يمكن للبخيل والشعر ان يجتمعا؟
ثم
يتحدث المؤلف بعدئذ عن علاقته بالفيلسوف الكبير هيدغر ويقول:
كان شار يصنف البشر ثلاثة اصناف: الناس اللطيفين، الناس
المزعجين، العباقرة. وكان يعتبران هيدغر ينتمي الى الفئة
الثالثة. وكان يجرح بذلك مشاعر الكثيرين الذين يعتبرونه
عميلاً للنازية وهتلر! نقول ذلك وبخاصة ان الدعاية الصهيونية
ضده كانت قوية حتى قبل ان تندلع الفضيحة في التسعينيات ويتعرض
لهجوم عنيف وشنيع.
صحيح
ان هيدغر ارتكب حماقة بالانتساب الى الحزب النازي لمدة عشرة
اشهر فقط. ولكنه انسحب منه وتخلى عن عمادة الكلية او الجامعة
وعرّض نفسه لغضب النازيين بعدها ولم يغفروا له انسحابه.
ومع
ذلك فقد انصب عليه الهجوم العنيف بعد الحرب وراحوا يزاودون
عليه بالمقاومة.
ولهذا
السبب فان رينيه شار رفض الانضمام الى جوقة المهاجمين.
بل
وفعل العكس تماماً. فقد اعلن صداقته لهيدغر ودعاه لزيارته
في قريته بجنوب فرنسا. وتحلق حولهما كبار المثقفين الفرنسيين
آنذاك. وقالوا: لقد التقت قمة الشعر بقمة الفكر وتعانقتا.
وعندما
كانوا يهاجمون هيدغر امامه كان ينفجر غاضباً: هيدغر لم يضر
في حياته احداً. هيدغر لم يرسل اليهود الى معسكرات الاعتقال!
ثم: من منا بلا خطيئة فليرمه بحجر.. ثم: انه مفكر عبقري،
ويكفيه ذلك فخراً. فلماذا تريدون تشويه سمعته بأي شكل؟..
ثم
كان يقول هذه العبارات التي يتحدث فيها عن هيدغر، وعن نفسه
ايضاً، كان يقول بما معناه: «بعض الاشخاص غير مندمجين لا
في المجتمع ولا في الحلم. انهم ينتمون الى قدر معزول، خاص
لا يشبه بقية البشر.
انهم
ينتمون الى افق غير معروف، افق مجهول. وافعالهم الظاهرية
تبدو وكأنها سابقة على التجريم الاول للزمن، على غفلة السماوات.
ولا احد يتبرع بالدفاع عنهم. والمستقبل يتلاشى، يذوب امام
نظراتهم. انهم الاكثر نبلاً وخطورة بين البشر».
عم
كان يتحدث هيدغر ورينيه شار عندما يلتقيان؟ عن هيراقليطس
وهولدرليه: عن الشعر الذي يتجاوز الزمان والمكان، وكذلك
الفلسفة. ثم يتحدث المؤلف عن علاقته بالبيركامو وبيكاسو
وآخرين عديدين. ولكن لا نملك المكان الكافي للتحدث عن كل
ذلك.
في
اواخر حياته كان ينظر الى وجهه في المرأة ثم يقول: يبدو
ان فيليب سوليز يقول عني بأن وجهي اصبح يشبه وجه المجرم!
لا بأس هذا شيء جيد. احب ان يكون وجهي كذلك وانا في هذا
العمر والواقع ان الجانب الشيطاني من شخصيتي اصبح يظهر اكثر
فأكثر كلما تقدمت في السن.
ويبدو
انه كان يخشى عودة الجنون او فقدان العقل تماماً. فقد كان
يعرف انه مهدد بذلك طيلة حياته بسبب خياله المشتعل وشخصيته
الغاضبة التي تخيف اصدقاءه احياناً. كان ينفجر بالغضب بطريقة
مرعبة،
ولكن
لحسن الحظ فإن ذلك ما كان يحصل دائماً. كان يعرف الجوانب
الخطرة من شخصيته لانه حملق في الهاوية اكثر من مرة. كما
حصل لكبار من امثال بودلير وسواه. وكان يقول: لا يوجد شاعر
كبير بدون هذيان. ونحن نتغذى من هذا الهذيان في الوقت الذي
نحاول السيطرة عليه.
وكل
المشكلة تكمن في السؤال التالي: ما الذي سيتغلب في نهاية
المطاف على الآخر: هل هي العبقرية ام الجنون؟! وقد انتصر
الجنون في نهاية المطاف على عباقرة كبار ليس اقلهم هولدرلين،
او نيتشه، او جيرار دونيرفال، او انطوني ارتو، او سواهم
عديدين.
وهذا
الكلام دليل على ان رينيه شار كان يخشى ان يؤدي به طبعه
المتطرف سلباً وايجاباً الى حافة الجنون وكان يحاول السيطرة
على نفسه بقدر المستطاع. ولكن عندما تفلت الامور من قبضته
كان ينفجر بالقصائد العبقرية ويقول هذا البيت الرائع مثلاً:
كيف
العيش بلا مجهول أمامك؟!!
الكتاب:
البرق الساطع في الجبين
قصة
حياة رينيه شار
الناشر:
فايار ـ باريس 2004
الصفحات:
558 صفحة من القطع الكبير
LECLAIR
AU FRONT
LA
VIE DE RENE CHAR
LAURENT
GREILSAMER
FAYARD
- PARIS 2004
P.
558
(البيان)
- 2004