حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

حـــــــــــــــول

<<حين سرب فراشات اصطدم بزجاج النافذة>>:

مجموعة غسان علم الدين الشعرية

نص المتاهة والأضداد الماكرة

لا تخلو طريقة توزيع كلمات العنوان في ديوان غسان علم الدين <<حين سرب فراشات اصطدم بزجاج النافذة>> من دلالة سيميائية، تختزن وتختزل لبّ نصه الشعري، كما تكشف لنا مآل الكلام والذات والملذات والرغبات. فالعنوان طويل يتمدد على ستة اسطر تمددا يعكس حالة النصوص. الكلمات الثلاثة الاولى تتمتع بحرية ظاهرة ولافتة، حرية ما قبل الاصطدام. فلكل كلمة سطر مستقل، او حيّز فضائي مختلف من حيث موقعها في السطر، إلا ان الأمر سرعان ما يتغير حين الوصول الى الفراشات المصطدمات بالزجاج، هنا يتبدل كليّا موقع الكلمات، موقع يحاول ان يرسم او يصوّر حركة السرب المتجهة بحدة نحو الأسفل ومن ثم نحو السقوط، فوضع الكلمات يبدو نقلا حيويا للحظة الاصطدام حيث تجمد الكلمات وكأنها تصطدم فعلا بزجاج النافذة، فالعنوان مشطور الى شطرين، وكأنما ذلك فعل الزجاج المرائي وغير المرئي، لان السطور الثلاثة الأخيرة من العنوان تصوّر لنا افتقاد الكلمات حرية الحركة والتقدم. والطريف في امر العنوان انه مقطع من قصيدة، إلا انه يحاول الانفصال عن مسقط رأسه، ان شئنا، بالتنكر لشكله، واعادة تركيب جديدة لمواقع الكلمات هي بنت الغلاف، واختلاف الشكل ليس بريئا، كما انه لا يعرَّى من الدلالة، لانه يمنح العنوان استقلالية وانفصالا يزودانه بمعنى مختلف، فهو يتقلص في موقعه من القصيدة الموسومة <<هجس>> الى سطرين، من دون ان يتخلى عن اية مفردة. انه تغيّر في مواقع الكلمات، وهو تغير يؤدي بالقارئ الى التساؤل عن اسباب هذه الصياغة الشكلية، لا سيما ان الشكل مضمون شأنه شأن الدلالات. وللفراشات كما للزجاج اكثر من مكان في قصائد الشاعر. ولا ريب في ان طبيعة الزجاج تشبه الى حد كبير طبيعة الفراشات من حيث كمون بذور التحولات بشكل من الاشكال في كل منهما، وفي الاثنين معا شيء من رغبات الانسان المستحيلة، بناء على قول حكيم المعرة وبصيرها أبي العلاء المعري في لزومية من لزومياته، حيث وقف يوما مشدوها امام عناد الزجاج على هشاشته وقابليته للولادة المتجددة وكأنه امتداد شفاف لطائر الفينيق بقوله:

يحطمنا ريب الزمان، كأننا/زجاج، ولكن لا يعاد لنا سبكُ.

أسراب السراب والسحاب

مسألة اخرى تسترعي النظر، في ديوان الشاعر، وهي الاهداء الملتبس الذي يتوارى فيه خلف قصيدة ليست من صلب الديوان، الا انها تترك صداها او يصل الى لحظاته الاخيرة. فالاهداء يتخذ، هنا، الى حد كبير دور الاستسقاء القديم عند العرب، حين يرفعون انظارهم والراحات الى السماء طالبين من الله استدرار عطف السحب لإرواء عطش الأرض والجسد. فالشاعر يقول في الاهداء: <<لاجل ان تمر السحابة/ وتعبر الفراشة/ وتغفو سارة/ على أمل اني في الجوار>>. والغفوة هنا محاولة لتحقيق مطلب سارة (ابنة الشاعر الصغيرة)، لان الشاعر يستسقي كسر المسافات الجائرة بينه وبين سارة، حتى تنقذ بشرة روحه نفسها من الخدوش والتشققات الضاربة عميقا.

طبعا من الممكن ان يكون الاهداء شيئا آخر من خارج النص ومن خارج المعنى العام، إلا انه لا يمكن لنا، في كتابة علم الدين، اعفاء الاهداء من تهمة الشعر او الانتساب إليه، ومن اعتباره مقطعا من متن النص الصلب، لانه هو الذي تحكم، الى حد بعيد، بمسار الكلمات في نصوص الشاعر، اذ يظل ظل الاهداء منذ الفتح وحتى الخاتمة مرفرفا كالفراشات بأجنحتها الهشة والطائشة عملا بالقول العربي المأثور: <<اطيش من فراشة>>. والجدير بالملاحظة ان الفراشة طائر يرمز الى الحماية، بخلاف ما هو عليه الامر في العربية، في معتقد بعض قبائل الامازون، كما انه يستجلب الطمأنينة، إلا ان الحماية، في نص علم الدين، تتحطم على ملمس الزجاج الافعواني. اخذ الاهداء على محمل الشعر هو وليد الصفحة الاخيرة من قصيدة الشاعر المطولة <<اقتفاء اثر>> لان الاهداء يتمشى في مفاصل النصوص وصولا الى مصبه في الصفحة الاخيرة من الديوان، مع تعديل وتحريف دالّين يعبران عن حالة الروح الواهنة لدى الشاعر. وهي ربما الاخفاق، اذ ليس اشق على النفس من ان يتكشف بهاء الامل عن دهاء الوهم الجارح كمخلب قط، وما يرهص بالتحولات هو صيغة النفي التي تتجلبب بها افعال الاهداء في ختام القول <<لم تمر السحابة>> (ص 82). وهنا تحمل السحابة دلالة جذرها المتحرك <<السحب>> الا انه معلق، مجمد، ملغى، بحكم اداة النفي <<لم>>، اي اننا امام انعدام ونفي للحركة المنسوبة لحيوية السحابة وحركيتها، وكذلك الامر بالنسبة ل<<ولا عبرت/ الفراشة>> (82)، حيث العبور الذي كان منتظرا على احرّ من الشوق لم يكن اكثر من توأم ل<<غودو>>، الشخصية الهلامية التي رسمها صموئيل بيكت، كما هي الحال في تهاوي الفراشات لدى اصطدامها بالزجاج. ولا ريب في ان مفردة <<الزجاج>> من الكلمات الاثيرة في الشعر الحديث، لانه كيان مخادع، شفاف وهش الا انه جارح، موجود وغير موجود في آن، والا فما سبب الاصطدام؟ يعرف بغيره لا بوجوده ان صح التعبير، نظافته الشديدة قاتلة الا اذا احتلنا عليها بإطار يحدها او يحد الوهم. الزجاج لا يلعب اي دور ايجابي في نصوص غسان علم الدين، فلنلحظ، على سبيل المثال، هذه الصورة التي ما كان لها ان تكون بهذه الحدة لولا نهاية القصيدة التي ورد فيها هذا المقطع المتعدد الدلالات، <<عيناه/ تمضغان زجاج الواجهات والنساء>> (ص 16). العينان عائدتان الى شخص منزو، وكأنه في سجن، ليس اي سجن انما هو الفم، مكمن اللسان الموار والكلام والتواصل، يتحول الى سجن. والصورة، مأساوية بامتياز، وان كان المضغ من خاصيات الفم الا انه هنا من خاصيات العين، اي ان العين ايضا، تحيا خيبة اللسان الماضغ سدى، اذ ان المضغ وحده لا يسد رمقا لجائع، انه اشبه بعبث لا يفضي الا الى مزيد من العبث. وما يعمق ملامح المأساة هنا هو تركيز عدسة العين على هذا المنزوي الذي <<يحمل هاتفا سجنا في فمه>> (ص 16). فالهاتف، هذه الوسيلة التي تعيد للفم نشاطه الشفاهي البكر والمباشر، تؤول سجنا اخرس، مُرّ المذاق.

مكر الأضداد وانكسارات الأضواء

تستوقفنا لعبة الاضداد، في كتابة غسان علم الدين او لعبة الاصطدام بين سالب الدلالة وموجبها، وهي تستخدم لنقل ما تضطرب به ذات الشاعر من صخب او خيبات. والتضاد يتبدى في قصائد الشاعر، طوراً على مستوى تركيب المفردات وطورا آخر على مستوى توليد الصور التي تفتح مجال القول واسعا للتأويل، <<امرأة تلعب القمار/ ساعة دفن زوجها>> (ص 9)، حيث يفترض بمنطق الامور ان يكون كل شطر في اتجاه دلالي مختلف ومناهض للآخر، الا ان الشاعر يوحد مسار الدلالتين المتعارضتين والمتخاصمتين ليفرج عن عبث المشهد ذي الدلالة الوعرة والناتئة، وهذا يذكّرنا بحالة <<مرسو>> بطل قصة <<الغريب>> الصاخبة والعابثة للكاتب الفرنسي ألبير كامو حين يذهب لمشاهدة فيلم سينمائي إثر معرفته بوفاة والدته! وتتكرر الصور او المشاهد المشابهة التي تعمق من إلحاح الشاعر إلحاحا يبلغ ذرى الهاجس من مثل <<الاضواء/ ترقص في المياه/ تأخذ اشكال احذية/ تحتاج الى انصاف نعال>>. (ص 34)، او <<اتخيل الساحة التي غمرتها المياه/ ترقص كهيكل عظمي/ في افلام الرعب>> (ص 66). حين نصطدم بتحولات دلالات الرقص الماتعة الى هيكل عظمي مرعب، او حذاء بال بلا نعل، او حين تنبثق لذة من خلل رماد الذكريات <<متلذذ/ برائحة حريق الذكريات>> (ص 33). اما الصبح المكتنز بالضوء الوليد فنجده عند الشاعر قبراً نابتا في حميميات الامكنة <<والصبح هناك/ قبر في غرفة نوم/ اكثر منه ألفة>> (ص 62). وهذه التحولات تتجلى ايضا في تحويل الزاحف، بقدرة حلم، الى طائر بهي الصوت <<سمعت عن حرباء امتصت حلما، صارت بلبلا>> (ص 45).

وهنا لا يقوم علم الدين إلا بأخذ عينات او <<صور>> (ص 9) <<تؤنس الطريق>> (ص 10)، وحين نقلب وجوه هذه الصور، لا نرى في اغلب تفاصيلها ما يدعو للأنس، بقدر ما نراها ترسيخا لمشاعر الأسى، وارهاصا او اشارات سوف تغذو القصيدة الاخيرة الاطول بين القصائد <<اقتفاء الاثر>>. ومن العبارات التي تزيح دلالاتها الاولى عنوان قصيدة <<تنظيف الرأس>>، فكلمة <<تنظيف>> بمفردها لا تحمل، في غالب الاحايين، الا المعنى الموجب، انها ازالة الاوساخ والادران الا ان اتصالها الغريب والملتبس بالرأس ينظفها من دلالتها الاولى، ويضفي عليها دلالة اخرى جارحة، لان تنظيف الرأس هنا، اشبه بعملية غسل دماغ ومحو لكل ما كتب على صفحات حياة الشاعر الماضية. اي ان التنظيف، في النص، تجريد الانسان من ذاته، وذكرياته، وواقعه، واي شيء يتبقى من الحي حين يقوم بنفسه، اي بعمل ارادي بفعل التنظيف او الهدم؟! إن الارادة هنا تتدخل لتجميد فعل الارادة والتداعيات <<انظف الرأس من الافكار والذكريات>> (ص 11). من هنا شعورنا ونحن نقرأ الديوان ان النصوص تتخذ شكل متاهة يعبرها الشاعر وحيدا، اعزل. ولعل كثرة العناوين التي تدل على الامكنة الثابت منها والمتحرك كالطرق والقطارات، تساهم في تمهيد السبيل امام ولادة الاحساس بالمتاهة الشرهة او التيه الكريه: <<طريق>>، <<دروب>>، <<شرود... طرق>>، <<ممر>>. ولعل متاهة الشخص تبدو اكثر ما تبدو في متاهة النص الذي يحمل عنوان <<شرود... طرق>> حيث يقول: <<... كم من الوقت والطرق والشرود/ لكتابة/ تبدأ ولا تنتهي، /أو/ تنتهي قبل ان تبدأ/ لا تبدأ ولا تنتهي؟>> (ص 37). أليس ما يقوله الشاعر، هنا، بدلالته التي لها حركة الافعوان الملتفة على بعضها، هو نفسه فعل الكتابة وفعل الحياة على السواء؟

الكتاب: حين سرب فراشات اصطدم بزجاج النافذة

المؤلف: غسان علم الدين

 

بلال عبد الهادي - النهار - 2004



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri