حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

غادة السمان تكتب شعراًً "الحبيب الافتراضي"

الروح المعاصرة الممزقة بين حقيقة وخيال

امرأة من كل العصور، مكسوة برموزها وأساطيرها، تختصر مسافاتها في كتاب، في قصيدة، في رواية من واقع العالم الحديث، تعلو منها أصوات تستفز الحدث، تصطدم بجداره لترحل ابعد منه، لتكشف المخفي كبصارة براجة تقرأ ما سيقع في اصداف ورقتها، في خشخشة أقلامها. راوية رؤيوية، غادة السمان، ترحل بقارئها الى حيث يتعبه السفر، ترهقه المسافات ويتبعها لأن وراء خط افقها تتوقف الرواية، لتولد الكاتبة في حلة اخرى ووجه جديد، من خرافة وواقع، من قسوة وحنان، من سخرية وحنين. هي قبل كل شيء حرة من اي قيد، اي لم تتقيد بأسلوب روائي الا بأسلوب فنها في الكتابة حيث يغدو الادب على مر السنين، ادبها، علما متمددا على مساحات من التعابير الحرة او التعبير الحر.

من نعمة الفيض المستمر دفقه على سكة حياتها. انها تستريح من أسفارها الروائية، لترحل في إجازة الشعر. لا الشعر كما يتصوره الحالمون، الواقف غريدا على غصن اللوز ، بل شعر نابع من رؤاها، من تطلعها الواسع الى الكون بناسه، بظلمه، بكذبه، بذاك الحنين المزمن الى بيت الطفولة، الحزن المكبوت في جيوب ذاكرتها لا تزايد عليه، لا تستغله لاستجداء عاطفة او انفعالات. يمر البيت وزقاق الياسمين الدمشقي في السطر الاخير، مموها مثل نقطة الحبر الاخيرة الشحيحة على طرف ريشتها.

"الحبيب الافتراضي" ( ) ديوانها الجديد بعد "أعلنت عليك الحب" و"الحب من الوريد الى الوريد" و"أشهد عكس الريح" وغيرها... حيث يضحي الافتراض مذهباً للشكوكية ونزعة الى استكشاف الدنيا ببصيرة شفافة تؤدي الى الحقيقة، الى جوهر الوجود.

"أقف فوق المنصة الرجراجة تحت بقعة الضوء

وعلى عيني نظارات دنيا الحقيقة الافتراضية"

واذا كان المذهب فلسفة فان غادة السمان لم تتحدد في اسلوبها الكتابي في بوتقة الفكر وطقوس المنطق. متصلة بالعالم هي، تتحسسه ولا تمتحنه، تجول على طبيعته ولا تنقب في اسرارها لتنشل المطمور فيها. شمسها مباشرة تنير المعنى ولا تؤول الى غروب، قلمها ينتفض، ساخر، لاذع بنقده، طريف في تصويره الكاريكاتوري للاشياء، انساني في روحه، نابض بقلبه لا يعرف الاستسلام.

عذاباتها غربتها. سكينتها ورقتها. من هذين القطبين تكونت، حارة وباردة، حضارية ومتوحشة، تموه ماضيها لتكسر الخط الفاصل بين الحنين الى الامكنة، والذكريات وبين مهمتها كاتبة من هذا الزمن. وهل يكتب الحاضر من غير ان يغمس في حبر الامس؟: "ترتدي احزاني ثيابا جديدة عصرية/ لكنها احزان قادمة من عالمي العتيق الحزين".

"الحبيب الافتراضي" ليس مفترضا ان يكون قصيدة عشق ولقاء وفراق، فكل ما يكوّن عالم غادة افتراضي كاللحظات والمترو والميكروفون والانترنت والموت والذاكرة والرسائل... متمردة هي، تدافع عن وجودها الصلب الهش بالتشكيك في كل شيء، طريفة حينا، موجعة حينا آخر، تحمل غربتها في قلمها المسنون وتبقى متعالية عن العواطف المضطرمة، متيقظة هي للكلمة التي تحطها كأنها الاولى والاخرة. اسمعوها تقول:

"انا المرأة الافتراضية في اوطان افتراضية/ بتاريخ افتراضي مجيد/ تخوض حروبا افتراضية بجيوش افتراضية/ على الانترنت/ لكنها لا تزال تنشد: "امجاد يا عرب امجاد!".

من ضلع دون كيشوت ، غادة السمان، تحارب عالما افتراضيا، بسيف قلمها الواقعي، وفروسية بيانها. فمن خلال الفرضيات الوهمية الخيالية، يقف القارىء على حقيقة صارخة، صورة عن مأساة هذا العالم المتفكك، ولا تتبرأ من امتحان ذاتها في هذه التجربة الفرضية:

"وصرت انا بومة في غابات الليل تطارد الاسرار الابدية والابجدية".

لا بد لهذه المجموعة الشعرية من ان يكون لها تأثير على المفهوم المعاصر للشعر لما في فن الاديبة غادة السمان من تجربة خارقة عبرت خارج الحدود المعروفة للشعر مستقلة في حياكتها المدى والزمن على نول كوني يتوسع في مداه الرؤيوي الشامل ويعود ليتقلص على نحو الذاكرة المتخفية بين خيوط الالتزام بمجريات هذا العصر. تجعل الشاعرة الاديبة من الكلمة عبارة كاملة، جديدة، غريبة عن لغة ألفناها تعزيمية... في "ميا كولا" افتراضية تقول:

"انا الحمقاء الازلية / مرة اخرى جئت بالدب الى كرمي/ ويدهشني انه يدوس عناقيدي". تحطم ما بين اصابعها من خيبات لتضفر بالاسلوب الشعري امكانات انسانية جديدة وهي على يقين من انها بنت الصدفة والوهم ولا تتخاذل. ماضية تناطح طواحين الافتراضية وتتراضى معها: "وما زلت كل ليلة من الثلاثين من شهر فبراير/ احتفل خارج كوكبنا بحب خارج الزمان".

فنانة كلمة وصورة التزمت في كتاباتها الوضوح وكشف الحقيقة مهما كان ثمنها. باسلوبها الكاريكاتوري الساخر دافعت عن القيم الوجودية بوصفها النزاع القائم في النفس المعاصرة الممزقة بين حقيقة وخيال. وتبقى غريزتها صحيحة، تؤول الى الجمالية والرهافة وسرعة الخاطر وخفة الروح. انها السكة التي عليها سارت في الرواية كما في الشعر لتخلق من المالوف اليومي الخارج على المألوف. انها تلك الكاتبة الوحدانية والمتضامنة في آن واحد مع البشر بالشعر ومن خلاله:

"ايها الشاعر الذي تتقن لغة الطير والنجوم والريح/ انت رجل غزير/ انت قبيلة رجال في جسد واحد/ انت جمع بصيغة المفرد".

صدر في "منشورات غادة السمان" 2005.

 

مي منسى - النهار



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri