حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

((باقة برية))

لهاري مارتينسون.. والشعر البري

تحمل مجموعة <<باقة برية>> للشاعر السويدي هاري مارتينسون، التي صدرت مؤخرا عن دار المدى ونقلها الى العربية عابد إسماعيل، نكهة شعرية فريدة قلّ أن عثرت على مثيلاتها في الأعمال الشعرية الأخرى، وبخاصة تلك المعربة منها. ذلك أن شعر مارتينسون الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1974 يتهادى مع رغبة الإنسان المعاصر في استئناف ما انقطع من علاقته بمادة الحياة الخام والابتعاد قليلا عن زحام المدن وضجيجها المعدني. إنه شعر بري بامتياز، كما يشير العنوان نفسه، سواء من حيث تحلقه حول كائنات الطبيعة وظواهرها وتحولاتها أو من حيث خروجه عن مألوف الشعر الغربي الحديث الذي انقلب على الحقبة الرومنسية وأعاد للإنسان دوره المحوري في حركة العالم.

كان مارتينسون بالطبع يدرك أنه يغرد خارج سرب الحداثة التي آثر معظم شعرائها الانخراط في ورشة الحياة المدينية وصخب الاصطدام بالتكنولوجيا أو الافتتان بمنجزاتها. لذلك فقد أشار غير مرة الى كون ذلك النوع من الشعر الذي يكتبه لا يلقى قبولا في أوساط النخب المثقفة بقدر ما يلقاه في أوساط العلماء والمختصين بعلوم الطبيعة والبحار. وربما كان ذلك الأمر صحيحا في البداية حيث تم ترشيح الشاعر لجائزة نوبل خمسا وعشرين دورة متتالية قبل أن ينالها في منتصف السبعينيات حين قررت الأكاديمية السويدية أن تصغي بانتباه الى صوت مارتينسون وهو يتحدث بلسان المطر والتراب والعشب، كما فعل والت ويتمان من قبل. ولعل الحياة القاسية التي عاشها الشاعر بدءاً من موت أبيه وهو طفل في السادسة وهجر أمه له ليعيش في إحدى دور الرعاية واضطراره للعمل طويلا كنوتي عادي في بطون السفن، هي التي تركت أبلغ الأثر في نفسه وجعلته يرهف السمع الى الصوت الداخلي لنفسه كما للموجودات الواسعة التي تكحلت عيناه برؤيتها طوال وجوده في عرض البحر. وبعد أن هجر البحر بعد إصابته بمرض السل تابع إصغاءه بالطريقة نفسها الى اليابسة وما تحمله فوق ظهرها أو في جوفها من كنوز وغابات وجذور وطحالب.

عالم النبات لا تعتمد شعرية هاري مارتينسون على التوصيف والمشاهدة والانطباع العابر بل على الاستنطاق والمساءلة والتماهي مع العناصر التي يتناولها. ولذلك يشير أحد النقاد الى أنه <<يشبه كثيرا عالم النبات من حيث براعته الأصيلة والعميقة وتيقظه المرهف غير التقليدي وتماهيه الحنون واللطيف والهادئ مع شكل وهيئة كل شيء حي>>. والمدقق في قصائده المترجمة، والمختارة بعناية من مجموعاته الست، لا بد من أن يشعر بأن وراء تلك القصائد حياة بكاملها من المثابرة والتجوال والتقصي، وبأن وراءها أيضا قدرا مماثلا من التبصر والصمت. كأن الشاعر في غياب الأب والأم وما يمثلانه من رمزية الحنان الإنساني المعطوف، آثر أن يدير ظهره لكل الأصوات القادمة من جهة بني البشر وراح يبحث في الغابات والأعشاب وقطرات المياه عن الحنان البديل الذي ينبض حتى في قلب الصخور والجبال الجرداء. هذا الشعور بحنان الكائنات غير البشرية هو الذي أضفى على شعره حنانا مماثلا وصبغه بصبغة أمومية خالصة الدفء، وهو ما دفعه أيضا الى توضيح موقفه بالقول: إن ما نقابله في الطبيعة هو الغموض. وعندما نتصدى له فإن قدرا مما يمكن تسميته بالخجل مطلوب جداً. ان من يعقد العزم على وصف الطبيعة يجب أن يقترب من موضوعه بحساسية وخجل الوعل. لن ينفع أبداً إرهاق الوصف بحقائق بطيئة وثقيلة.

قصائد <<باقة برية>> قصيرة في الغالب لأنها لا تعتمد الوصف الكلي والبانورامي والإنشادي للطبيعة، كما عند الكثير من الشعراء، بقدر ما تنتزع كل واحدة منها قطعة من المشهد وتنفذ الى سريرتها بخفة ودقة متناهيتين. يمكن لهذه القطعة أن تكون طائرا من الطيور الكثيرة المنتشرة في أصقاع السويد أو في بطون الآفاق التي ارتادها الشاعر، كما يمكن لها أن تكون ورقة أو ظلاً أو عشبة أو قطعة حطب أو جناح حشرة من الحشرات. كل شيء قابل لأن <<يتشعرن>> في عين الشاعر ورؤاه المجهرية الثاقبة الى حد أن تصبح البقة الهزيلة موضوعا لكتابة إحدى القصائد. ثمة بعد سينمائي في تلك التجربة التي سبقت تواريخ قصائدها عهد الفضائيات المتخصصة والأشرطة العلمية الوثائقية. فالشاعر حين يتناول نبتة او حشرة او ظاهرة ما يحاول ان يرى إليها عبر اكثر من زاوية ومنظور. كما انه لا يراها بذاتها فحسب بل من ضمن حركة الكون وايقاعه المركب، ما يجعلها تبدو جزءا لا يتجزأ من تلك السمفونية المتناغمة للوجود الكلي. وهو في الوقت ذاته يعرف كيف يدمج بين منظوري المكان والزمان من جهة وبين الآني والابدي من جهة اخرى، كما في قصيدته <<بقعة عشب>> التي تتكرر ملامحها في غير موضع: <<بقعة العشب تمتص الشمس/ وببطء وهدوء تطرد الصفيع عن جسدها الارضي/ تتابع نموها على وقع تنهدات ربيع من الدفء المتراكم/ ألسنة وحواف الثلج المكنوس/ تنحسر على الملأ في العاصفة الثلجية>>.

منظومة بصرية
القصيدة عند مارتينسون اشبه بلوحة محكمة الاجزاء والالوان، وموزعة بحذق بين الكتلة والفراغ. للصمت في قصيدته ما للكلام من قيمة وللمرئي ما للمسموع وللمشار إليه ما للمسكوت عنه. إنها منظومة بصرية غنية بالايحاءات ومفتوحة على ظلال لا تحصى. ورغم قسوة الطفولة التي عاشها فإن الشاعر لا يقع اسير تلك القسوة ولا يرى القارئ آثاراً لها في قصائده بل على العكس من ذلك يرى اطياف وجودات سكرى بجمالها الداخلي واعقاب عوالم مفتونة بما تختزنه من دفء وضوء. وهو ما قصده تماماً الشاعر الاميركي روبرت بلاي في قوله عن مارتينسون: <<تتحلى قصائده بلطف لغوي بهي ومثير. انها قصائد تنزلق وفق سجية مفرداتها مثل سفينة تمخر عباب بحر هادئ. وتشعر بأن الاشياء حية ومرنة وعطرة مثل عشب ينام تحت الماء>>.

ان شعر مارتينسون بمعظمه هو شعر صيفي مشبع بالنور واللون وانقشاع الاشياء. كأنه بذلك يهرب من شتاء طفولته القارس ومن الإعصار الدائم الذي لازم حياته في عرض البحار والمحيطات. لكن اللافت في الأمر ان الشاعر، وفق روايته، لم يكن يكتب عن الصيف الا في الشتاء وخزنه لايام عزلته. اضافة الى انه كان يحتاج، وفق روايته ايضا، الى مسافة تفصله عن موضوعه وتمكّنه من رؤيته بوضوح عبر الاسترجاع والتذكّر واعادة التكوين. وهكذا نقرأ له قصائد عدة ذات مناخ صيفي يقول في احداها <<في الصيف لا توجد بقرة فوق الجليد/ وتوت السحابة الرعدية يمكن التقاطه في الغابات/ تنزف حبات التوت البري على اللسان/ دون اي طعم للدم>>.

عالم من الرعشات المتتابعة هو عالم مارتينسون. كأنه خط تماس دائم بين روح الإنسان ومثيلتها في الخارج. دائما هنالك تسقّط لوجه الأشياء ولقفاها في الوقت ذاته، لاجزائها الظاهرة كما لحضورها المستتر، من دون ان تكون هناك قطيعة بين الوجهين بل ابواب مفتوحة دائما على الداخل والخارج حيث <<لكل حزن عميق فرح مفقود>> في نظر الشاعر الذي يستطيع ان يتخيل ما وراء الجبل من دون ان يراه بالعين. ثمة جدل مستمر بين الحياة والموت في شعر مارتينسون، كما بين اللذة والألم، الصخب والصمت، المرئي واللا مرئي. ثمة جدل ايضا بين ما نتذكره وما ننساه في حياة لا تكف عن رفد النسيان بأطنان من الذكريات الآخذة في الابتعاد: <<عندما توشك الذكريات على الرحيل/ تزورك بكثرة اولا/ كأنما ترغب ان تستهلكها حتى النهاية/ من الأفضل ان تستهلكها مثل وجبة مفضلة/ لدرجة انك لن تشتهيها ثانية>>.

 

شوقي بزيع - السفير



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri