حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"سيرة بالفحم" لغسان زقطان

نبض داخلي بإيقاع الغياب

سيرة ذاتية تسعى، على الأرجح، الى تدوين كثرة من التفاصيل المغيّبة. لذا فهي سيرة بالفحم، حيث السواد مرتع لنبضها الداخل الصاخب على إيقاع الانشغال بالتضاريس البعيدة في جغرافية الروح.

هذا اللون الفحمي المستسلم لعتمته، يشكل فضاء مثالياً لثلاثين نصاً شعرياً، ينتقل بينها غسان زقطان بحريّة الغائب عن نفسه، التائه عن تفاصيلها المملة، الهارب من رائحة القشور الى نور الروح. وفي هذا، توازن دقيق بين طرفي المعادلة التي تحكم النصوص على نحو شفاف، هما: الحاجة الملحّة لدى الشاعر الى الانسحاب الكلي مما يعتبره ظلالاً فقط في العالم الموضوعي، الى حيث تنتفي الظلال لتظهر الأشياء والمشاعر والرؤى على حقيقتها الأولى وكأنها ولدت لتوّها.

الشاعر، وفقاً لهذه المعادلة الداخلية الدقيقة، يتربص بذاته على الضفاف الأكثر بعداً ووعورة لعالم الغياب الأسود. نقلة دراماتيكية صائبة ومبرّرة، لأنها تمكن الغائب من التأمل العميق، عن بعد، في ما ينبغي اكتشافه بعد تحريره من الصدأ الرتيب: تلك الطبقة السميكة التي راكمتها السنون والعادة والانخداع المجاني بأثقال الوقت والدوران المزمن حول أمكنة يخيّل إلينا أنها في لحظات هذياننا:

الأمر كله يشبه النوم في غرف الميتين
التجوّل أعزل في الرائحة
حيث أحلامهم، دون باقي الرواية
منسيّة في الظلال وحيث انتهى الأمر
تتخلى الأشياء، تلقائياً، عن يقينيّتها الموهومة، إذ يرقبها الشاعر بعين أغمضت جفنيها على غيابها، فإذا بها ترى أفضل، أوضح. تنكفئ الى سوادها، الى موتها المتعمّد، الى عدميتها، فإذا بها تتوغل في حقيقتها. تعشق ذاتها، تتخطى حواجزها لتصل، لتخترع إبصارها لتستيقظ من جديد:

من أنت لتتذكر
من أنت لتمر في احتفالاتهم المطفأة
وتتعثّر في أحلامهم دون رأفة؟
من أنت لتفعل ما تراه
وتروي فننصت:

ضيوفي عشرة عميان
يتوكأون على الليل
بيضاً من العمى يحيطون بنومتي
إن ارتداداً تلقائياً نحو المنعطفات الداخلية للذات كهذا الذي تلحظه في نصوص غسان زقطان، من شأنه أن يصنف هذا الشاعر الفلسطيني في خانة نظرائه ممن غادروا الاحتفالية الشكلانية بمأساة الأرض والصراع العربي ـ الإسرائيلي، الى احتفالية جوّانية. والسبب الأغلب، في هذا، أنه جرى استنفاد للطبيعة الخارجية لهذه الأزمة ـ المأزق، على نحو يفترض، بالضرورة الشعرية، التبصّر في جوانبها الأخرى، في الطبقات الصلبة التي تحول دون اقتراب الذات من ذاتها. ولم تكن هذه المحاولة أمراً يسيراً في كل الأحوال. فقد استغرقت فترة طويلة لإذابة حاجز الجليد، ومن ثم اختراقه بصعوبة للانتقال الى الموقع الأكثر دلالة على الحقيقة المحجوبة.

الأرجح أن غسان زقطان اقترب حثيثاً من هذه المبادرة
الصعبة، حاملاً معه ذاكرته الى حيث ينبغي استخدامها بالشكل الأمثل:

أين تمضي حينما تنطفئ الدور
الطرق! حين أمشي مثل تلويح من الماضي
وحيداً في هسيس الأربعين
أين أمضي حينما أخرج من أيقونة الذكرى
وقد نوديت في أرض من الجان
سعيداً هائماً كالصوت
أو أعمى يدبّ على المكان
ان الصراع المنكشف على تناقض وجودي عنيف مع الوحشية الإسرائيلية الوثنية في الأراضي المحتلة، ينكشف، بدوره، على ما يجعل منه وسيلة للقبض على الأرض البكر القابعة في الحدائق الخلفية القاضية للذات المهترئة أو المتعثرة.

في هذه الحال، تستفيق المقاومة على أدوات أخرى في رحلة الصمود الطويلة، تتمثل في ما يشبه تسوية مع الدلالات المهملة في أنفاق الذات الداخلية التي جرى استبعادها لمصلحة الشعارات الرنانة الجوفاء، والانسياق الهش وراء الإيديولوجيات الكلامية:

لن يبصر طرّاق الليل يداً
ستؤشر نحو جنوب منخفض في الظلّ
طريق من أكفان بيض وحصائر زرقاء
أيقظ أبناءك سوف يميل الحلم بهم
وسينقر دفّ في العاشرة تماماً
ويصعد من أقصاه المعتم رفّ ذئاب.

أن تقدّم الشاعر للإقامة في مناطق الغياب المهجورة في الذات، أمر نعثر عليه في مفردات من نسيج هذا الموقف عينه. فالظلال، والموت، والعتمة، والوحدة، والوحشة، والسواد، تحولات حقيقية لحالات قيد الاختبار والممارسة الفعلية، ينفذ منها غسان زقطان نحو فضاءات داخلية شاسعة هي من مخلّفات الواقع البرّاني بقيت مكتومة:

ثمة من ابتسم في العتمة
لم تكن أنت رغم أن المرأة
التي بالفحم تنهدت وحركت كتفها في البياض

* * *

بينما كنت طفلاً وقد سمياني
على اسم ميت فأيقظته دون قصد

* * *

ومن يتعثّر في الأودية وحيداً
حيث العتمة أم الظلّ وراوية الألغاز

* * *

أتذكر نافذة فأطلّ على سرر الموتى
أتذكر أغنية عالقة منذ الفطرة في المعنى
من مكمن الغياب حيث يرقب الشاعر تحولاته الداخلية والخارجية، يصعب أن تستقر صورته الشعرية على حال واحدة. تراوح، في دلالاتها، بين اليقين والشك، لأنها، على الأرجح، من طينة متبدلة، زئبقية الحركة، تبحث عن هوية متغيّرة بعينين غير مستقرتين لاهثتين وراء ظلهما في الطرق المعتمة المتعرجة:
حين يهبط أو يُرى هابطاً
حين يوحي لنا أنه يهبط الآن
نقصانه كامل وهو يصغي أمام النباتات
ريبته وهو يهبط المؤجّل من صمته
من أنه ليس "نحن"
وليس "هنا" يبدأ الموت

* * *

اشترى زهرة، زهرة ليس إلاّ
لا وصايا لها ولا إناء
لذلك، لا شيء يقينيّاً في مجرى هذه الرؤيا المغيّبة. كل شيء عرضة للتفكك، للتحلّل في مصهر الذات. وحدها الروح المنصهرة في أتونها، هي الحقيقة التي يطمأن إليها الشاعر في سفره الداخلي:

ليتني لا أراك ولا أسمعك
ليتني جئت وحدي الى هذه الأرض
أحبو على فضّة كالغياب
ليتني لم أبع جنتي بالتراب
ولا كنت في عتمتي أتبعك
ينتهي الكتاب، ولا تنتهي رحلة الشاعر، إن لم تكن قد بدأت لتوها. نصوص يتعمد الشاعر إبقاءها مفتوحة على المجهول، تنفي ذاتها حيناً، أو تتحرك تلقائياً حول ذاتها. ولكنها لا تبدو تعبة، أو هرمة، أو مترهلة، لأنها لا تعاني الجفاف. تتوثب نحو فضاءات جديدة، وتدور حول فلكها بعيداً عن الجاذبية.
لم استبن وجهها
كنت أسمعها وهي تبكي أو تغنّي
بصوت خفيض بلهجة أهل البلاد
ثمة الآن كأس من الماء
عقد من الياسمين على المائدة
وكانت يدي في الهواء.

 

جهاد الترك - (المستقبل)



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri