يشير جون
كوهين إلى نمطين من وظائف اللغة هما : "ذهني إدراكي، وتقديمي
عاطفي. وقد استعمل للتمييز بينهما مصطلحين آخرين هما "الإشارة"
و "الإيحاء" على أساس أن "الإشارة تميز رد الفعل الإدراكي،
والإيحاء يميّز ردّ الفعل العاطفي. ولكنه أكّد أنّ المصطلحين
يرتدان "إلى مرجع واحد" وأنهما " يتعارضان فقط على المستوى
النفسي" فوظيفة لغة النثر "إدراكية"، ووظيفة لغة الشعر
"إيحائية؟. وهذا يفسّر، كما يُعقّبُ الباحث عبد القادر
الربيعي، أن الإيحاء في لغة الشعر يلتئم مع الفعل العاطفي،
وأن الفعل العاطفي هو المعنى الذي ينبثق من اللغة الإيحائية".(5)
أيضاً،
يشير الناقد الأمريكي أيفور ونترز في مقالة بعنوان "مشكلات
تواجه الناقد الحديث للأدب" يقدّمها المترجم: ماهر شفيق
فريد، للقارئ العربي باعتبارها أول مقالة في كتاب "وظيفة
النقد" لأيفور ونترز، وقد ظهرت، المقالة، لأول مرة في
مجلة "ذا هدسون رفيو(خريف1956). وبدوره، يشير أيفور ونترز
إلى كتاب الناقد الأمريكي آلن تيت "العقل في الجنون"،
ما يعنينا منه كمنطلق هو إشارة ونترز إلى واحدة من مقالات
كتاب آلن تيت المسماة " التوتر في الشعر". ففي هذه المقالة
يستخدم تيت كلمة "توتر" tinsion لكي تشمل معاني الكلمتين
المشتقتين منها: الماصدق extensionو المفهوم intension
فالماصدق يعنى " الإشارة"، والمفهوم يعنى "الإيحاء"، والتوتر
المثالي في القصيدة هو الحدّ الأقصى من المضمون لكلا الأمرين.(6)
(براءة
العتمة)
تُطرح
الآن في غزة واحدةٌ من أهمّ التجاربِ الجديدة، وأكثرها
إثارةً لأسئلة "قصيدة النثر"، وأسئلة "النصّ" عموماً؛
مقدّمةً للقارئ بعنوان "براءة العتمة" للشاعر يوسف القدرة.
وبمناسبة هذا العنوان، تجب الإشارة إلى ما كان قد رَوّجَ
إليه أحدُ الشعراء الوافدين إلى غزة، وعبّرَ عنه بإزاحةٍ
مُشوّهة لجماليات ذاتِ "قصيدة النثر"؛ وقتَ اعتبرَ أنها
إنْ تُوجِدْ ذاتَها في المصطلح، تكون قد نجحت ونالت "
براءة الاختراع". وقد كان تجذيرٌ وتعميق لرفض هذه المقاربة
لسبب واحد هو ربطُ كتابة القصيدة- داّلة ذاتها، بمدلولِ
اخترعِ آلة ماديّة. إنّ "براءة العتمة" تصعد إلى اهتمامات
النقد بجاذبية الجمال له، ومحاولة النقد، في الفن، لتحقيق
ذاته، وإيجاد صورة له تليق به أولاً، وترضيه كونَه سيخوضُ،
متحدثاً، في الجمال. بمعنى آخر: على الكلام أن يتلطّفَ
في حضرة النصوص، لا أنّ يجرحَ نفسَها العزيزةَ بالشرطِ
والمِنّةِ الدخيلةِ، على الجمالِ الفني، من عالم فنّ الوسائل
المادية العلمية.
إنّها
"براءة العتمة" بمكوناتها لغةً وشعراً وتشكيلاتٍ بصرية،
في بياضٍ، على جدلٍ مع كثافة لونِ الكتابة الخطيّ، وفي
تجانسٍ خفّي وغائر مع براءةٍ تنتسبُ إلى العتمة التي تأخذ
دوراً محورياً، وتُتأخذُ سبباً في طرحِ السؤال المحوريّ
عمّا يرقد، من معاني، وراء تنزيه وتبرئة الشاعر للعتمة.
ويأتي هذا، أيضاً، متفقاً مع حرية وبراءة القصيدة-النص
من ضوء إشارة "براءة الاختراع". إنها بوصفها دالاً لا
تنتهي في مدلولٍ ثابت. الدالّ "إشارة حرّة" هكذا عبّر
رولان بارت. بالأحرى، هو نصّ في لغةٍ أو لغةُ نصّ، على
بياض ممهور بالجدل المختلفِ والاعتباط والتعدد والغموض
والمفارقاتِ والصور الصادمة. وبصياغة أخرى: كتابة "براءة
العتمة" تجاوزٌ لاتساع الفرق بين النصّ باعتباره خطاباً
في اللغة، وبين اللغة باعتبارها خطاباً في النصّ؛ وصولاً
إلى كتابة خاصة تنتسب خاصيّتها إلى مساحة عريضة من لغة
الحلم وكوابيس اليقظة والطقوس والشعوذة الصورية المتجاوزة
لشرط الحضور من أرضية الخارج. وإنْ أقامتْ عليها واجهتِ
الخارجَ بالسخرية وصورٍ صادمةٍ، تعمل كمنبهٍ صادرٍ من
عمق ذاتٍ لا تقترح، لاحقاً، على ذاتها، كبحاً لشذوذ الصور
والانحرافات. وإنّ هذا الحديث عن مساحة عريضة من لغة الحلم
وكوابيس اليقظة والطقوس والشعوذة، من شأنه أن يذكّرنا
" بموقف جاك دريدا الذي يتجلّى في تأكيده على أنّ الحلم
يُمثل لغة لها نحوها الخاص بها، وإذا كان فرويد يرى أننا
بحاجة لهرمينوتيكا تترجم وتأوّل الحلم، باعتباره كتابة
صورية "figurative" إلى لغة التفكير الحلمي، فإنّ دريدا
يعلّق بأنه يمكن اعتبار الحلم خطاباً-لكنه بالأساس- يفتقد
اقتصاد الكلام.(7)
(جدل الدفء/
العتمة)
يحرز الشاعر
في "براءة العتمة" تدشيناً نادراً لجدلية صادمة تُعادي
تقاليد المنطق في مقابلاته الرسمية بين الأضداد، ما يعنى
لا إمكانية المفاضلة بين طرفين يستبدلان الصراحة بالكناية.
إنّ حالةً من عدم ضبط الإشاراتِ داخل النصوص تحول دونَ
تعيين وإدارة حلقة الصراع، بين السالب والموجب، والوصول
بها إلى نهاية. حيث يتبنى الإيحاءُ الدورَ في إجمال توجّه
النصّ للقارئ الذي ما يزال يعترف بضياع تام لمنطق المقابلات
التقليدية في جملةِ النصّ الشعري عادةً. في حين أن الإشارة
تعمل بإمكانيات كسولة ولاحقة، ولا تظهر تعمل داخل الإيحاء
إلا بطلب منه بعد أن نسلّم بأن الإشارة عمياء في المدخل
المفهومي. في وجه ذلك يضيءُ الإيحاءُ بالتماسّ العاطفي
المسافةَ بين النص والقاريء، حيث يتحقق الدخول للنصّ من
مدخلين: نفسي وجمالي. في المدخل النفسي تستعيد الإشارة
نشاطها، وفي الثاني يكشفُ المفهوم ذاتَه في مجال الدال/الشكل؛
الذي يكمن فيه غموضٌ جميلٌ يجذبنا إليه. وهذا يذكّرنا
بالرومانتيكية الكونية(شيلنغ) في رفضها لعمل الإشارة المحددة،
والتي تنتهي بالقارئ عند إدراكِ للبنية. تتبنى النيتشوية،
باعتبارها جذرَ التفكيكية، هذا الموقف، فكلٌّ يَهدمُ المنطق
بالبلاغة واعتباطية الدلالة، وبالكتابة بالتداعي. لذلك
نسلّمُ منذ البداية أن الشاعر يسدّد مزيداً من اللكمات
للمتلقي النادر قبل الكثير، بنحو ذلك:
يوقظني
سهر* وفلك خلف التاريخ* تراب الاسم يستند
الآن*
فاحتجت الأصابع* المؤكد يتجول بوجود الثرثرة*
يلعب الضياء
بانغماس الافتراء..
تلكمني
رزمة الصوت وورق يرتد كالفاصلة* النبأ شتاءٌ
قادمٌ
أفضل من دندنة الصمت* الضفدعة لولا القبعةُ
الأنيقة*
مدّتْ لسانها على طول التابوت* الكلمةُ التي
ألبسها*
تتحاور* ولا يعود الحزن المدهوس* الليل يصحو*
تنضج امرأةٌ
وينتهي*(8)
وبالذهاب
مع حديث الإشارة حول (جدل الدفء/ العتمة) سنجدها تعود
بنا إلى الجدلية التقليدية، إلى الحلقة التي تبني العلاقة
الجدلية (الأنا/الآخر) أو (الداخل/الخارج). في هذه الحلقة
تتموضع الكنايةُ في كلّ إنجازات الإشارة لهدم هذه العلاقات
البنيوية؛ انطلاقاً من الطرف الأول في الجدلية "الدفء"،
حيث يمثّل في ظاهرِهِ "الطرفَ الموجب". إنّ "الدفء" كلمة
كنائية حمّالة وجوه، تمتصّ الحقيقة وتنتج التأويل. وفي
الحقيقة، فإنّ امتصاص الحقيقة يعني الإقرارُ بالحقيقة،
وفي الوقت ذاته، انكارها، وزحزحتها عن تجلّياتِ المعنى
النهائي. فهذا، كما عبّر دريدا، " يفتح فضاءً لا حدود
له للعبة التدليل". وكلمة "الدفء"، من جديد، كناية عن
النار المقترنة على سبيل الجدل مع العتمة. أو ربما، كنايةٌ
عن الجسد الذي يستدعي اقتراح حضورِهِ استبدالَ العتمة
بالبرد؛ ليأخذ الجدل طابع المقابلةَ الرسمي بين (الدفء/البرد)
أو (الذات/الخارج). لتتدخل الكناية، دائماً، لهدم هذا
الطابع الرسمي، وقلبها البنية من الداخل بتحويل العتمة
المنظور إليها على أنها (آخر أو خارج: "طرفٌ سالبٌ")،
في الجدلية، إلى (أنا أو داخل: "طرفِ موجبٍ") يستقر فيه
الشاعر، كما نرى، منذ العنوان الذي يحيل على التكيف في
العزلة الممهورة بـ" براءة العتمة". براءةٍ متجانسة في
عتمة ذات شخصية ألبسها الشاعر قناع يوسف النبيّ. غاية
القناع النبويّ الشعري تتكشّفُ عن بعث داخلي "الولادة
بعث الانطواء" مُحلّى بـ"وحدي: أطعمُ الصفوَ صفوه"(9)؛
وبعثٍ مُضادّ، ومؤثرٍ على الـ"وحدي"، مُكدّراً لها بتصفيق
السواحل لزرقة الشاعر المختبئة، بالأحرى: لبياته السماويّ."
أنا خارجي تصفق السواحل لزرقتي المختبئة"(10) وهنا كما
دائما، تظهر الكناية تعمل في الكلمة المجاورة "السواحل"
في حين تسمّى صورة "تصفّق السواحل" الاستعارةً، والحالتان
توحيان بما يُفسد طعام الصفو، وما يتجمهرُ ضاجّا في حلقة
الداخل/الخارج). حاصِلٌ، بتأثير ذلك، إنسحابُ الذات من
التكيّف إلى التقّلب؛ من التحلّي في البيات السماويّ،
إلى التخلّي استجابةً للحراك الترابي "تراب الاسم يستند
الآن". وبالتالي، حصول سرعةٍ تَصدِمُ الذوقَ العام " فاحتجّت
الأصابع".
الـ"هنا"
التي تسكن الجوى* تعيدني كَلاهٍ* لا هواء يتنفسني* ح..ر..
ا..ك/يغمرني*
أنت الهدوء أسْبكُ روحَك بِحبالي/
إصعدي*عشتروتي/ك
تتجسد كالارتعاش* سنترك الشعر
منكوشاً*
هكذا الأيامُ صباحاً* يا أنتِ: دفئك يعرف أني
محاط بالشمع
وأصابع بخور لا تشبه أصابعك.(11)
وفي الوقت
والنصّ الذين يعلن فيهما الشاعر براءةَ العتمة، نجده يُسدّد
لها مزيداً من الذمّ؛ فهي على سبيل الذمّ الوصفي: "عجوزٌ
مصاب بالسرطان". حيث يعمل في أصولِ بنية الوصف هذه ذمٌّ
تفكيكيٌّ غائرٌ وهادمٌ للبنية، بمعولٍ بَنّاء؛ فالعتمة
"الأنثى" عجوزٌ "مذكّر" مُصابٌ بالسرطانِ، وبالتنقيب في
أركويولوجية الوصف، سيكشِفُ جوهرُ التوتّرِ عن تنزيهٍ
وتبرئةٍ وتقديسٍ للعتمة العذراء، بوصفها أنثى الداخل.
"توترات العذراء، وأركولوجيتي"(12) وفي الوقت ذاته، على
تشويهٍ وتدنيس للعجوز بوصفه(العالم الخارجيّ) الذكوريّ
المريض بالقلق والتوتّر والحيرة، حيث الإشارة إلى المرض
-والمفروض أن تنتهي في إدراك سببه- عمياءُ في المدخل المفهومي
لغاية الآن.
العتمة
عجوز مصاب بالسرطان* صرير بابها كمضغ
الرؤية
دون أسنان* تلتصق في سرب ظلال باردة تنفردُ
وظلي*
شعري ينتصب من سواد ولحوم تباع على أرصفة
الحضارة
والألفية الثالثة تفرد جناحيها.(13)
وبموجبِ
ذلك، يمكننا الحديث عن ثالوثٍ مرن (الدف/العتمة/البرد).
وتبدو العتمة حاملةً الطرفانِ معاً؛ ليعمل الثالوث، كبؤرٍ
متوتّرة، في مَحاورَ متوتّرةٍ، داخلَ شبكةٍ ضخمة من الثنائيات
المتحولة والهادمة لأنساق ذاتها الثابتة. هذه دوالّ لا
تقيم في ذاتها، ولا تُمسَكُ على دلالةٍ صريحةِ الحضور،
كأن يظهر الفاعل- "البردُ" -مثلاً- مظلوماً وظالماً في
آن: "لا سامحكِ البردُ الذي تلقيتُ منه صفعاتٍ أثقلت رأسي
بمفاجآت رتيبة"(14) أو- كأن يتكرر ظهوره بنحو تفكيكي مُشابه
ومختلف في آن: "غموض أصاب البردَ الذي تسلّل إلى كوني
دونَ لونٍ وسكوت"(15)، ليتمثل التشابه في تموضع، وتَنازعِ،
وضعين نحويين (مفعول به وفاعل) في الدالّ- "البرد" الذي
يَحملُ، الآنَ، الاختلافَ منظوراً في إصابته بالغموض(العتمة)
وبراءته، في الوقت ذاته، منها. براءة تتأكّدُ في ضوء جُملةٍ
تالية، وهي تُوحي بالقداسة: "هُبُوبكِ، صباحاً عليّ، بارداً
أبيضاً كقلبكِ، معلقاً فوق مئذنة عالية كَحبّكِ"(16)،
حيث تتجلى إشارات النزاهة والقداسة في: الوقت، والحالِ،
واللون، المشبه به، والمكان. وهذا يرجعنا إلى "تيت" الذي
استخدم كلمة "توتر" tinsion لكي تشمل معاني الكلمتين المشتقتين
منها: الماصدق extensionو المفهوم intension، فالماصدق
يعنى " الإشارة"، والمفهوم يعنى "الإيحاء"، والتوتر المثالي
في القصيدة هو الحدّ الأقصى من المضمون لكلا الأمرين.
وإنّ الحدّ الأقصى لمضمون "براءة العتمة"، باعتبارها دالاً،
يتكشّف عن النزعة الرومانتيكية.
(الحلقة
الثانية)
(تيه الطين/المساء)
يترتّب
على إشهارِ هذه الصيغة الصادمة، والتي تندرج في سياق الحديث
عن سابقتها؛ تعطيلٌ وتغييب لإشارة البنية، انطلاقاً من
استبدال كلمة "تيه" بكلمة "جدل". هذا الوضع الجديد إنما
يلغي كلّ أمال تطوّر البناء انتهاءً في صورته النهائية،
ومعناه. واختيار "الطين" يُعبّر عن الارتداد للأصلِ، وفي
الوقت ذاتهِ، تحوّلات في الأصلِ. هذا، إذن، يدعوننا لاستحضار
حديثنا في كلمة "الدفء"، فقد رأيناها مرّةً: كناية عن
النارِ التي اقترنت، على سبيل الجدل، بالعتمة. ومرّةً
: كناية عن الجسد الذي استدعى إقتراحُ حضورِهِ استبدالَ
العتمة بالبرد، وقد أخذ الجدل، هناك، طابعه الرسمي بين
(الدفء/البرد). إنّ حضور الجسد والنار من "الدفء"، ضمن
شبكة علاقات النصوص الضخمة، وحضور الطينِ الأصل، حيث تحدث
في الحاضر، وعليه باعتبارهِ جسداً، تحولاتٌ تَنتجُ جوانبُ
منها من حضور النارِ؛ يعني أنّ سلسلةً من التفاعلاتِ والأفعالِ
تحدث في بؤرةٍ متوتّرة، في صورة تنزاحُ بعيداً عن تعبير
البنية."أسقط الآن كالطين"(17) وفي الوقت ذاته، إعادة
صياغةٍ للعلاقة " يمروا الأنبياء والفردوس كذلك* فأحبكِ
كالطين"(18). فهكذا يبدو الحبّ يقدّس الداخل، وبالعاطفةِ
يتجاوز حقيقة (المكان/الزمان)، ويهدمها، في الوقت ذاته،
بِقُوى الوهم (تيه الطين/المساء). الهدم يعني سؤال " المساء"،
باعتباره طرفاً حاضراً سالباً، عن "الصباح" باعتباره طرفاً
غائبا موجباً، وتحقيق حضوره في الحلقة (الصباح/المساء).
انطلاقاً من حلقة الوقت هذه، نبحث في توجّه شاعرٍ يسعي
لتجاوز الخطابِ المنمّط حول سؤال " لماذا لا يوجدُ وقتٌ
للوقتِ في بلدي؟"(19).
إنّ الاستغراق
في الأحلامِ والطقوس الشديدة الغرابة والغموضِ، وتدشين
المتاهة، يحيل على إجمالٍ للموقف الرومانتيكي، التي تقف
عليهِ العبقرياتُ الفردية، وفكرة أن الفردَ يحمل الكون
في داخله. وكنتُ قد عرّيتُ الشاعرَ في هذا الموقف عند
تقديمي قراءة(20) في نصّه الكبير (شكل الو.. ق..ت/الإنشاد
للر..و..ح). حيث اتهمته، على سبيل الجمال، بأنه سابحٌ
في فلك رومانتيكي، مشيراً إلى عشرينيته، وعلاقة هذا السنّ
الشبابي بالموجة الرومانتيكة التي بلّلت بالوهم شبابَ
أوروبا في نهاياتِ القرن العشرين، وحتى أواسط القرن التاسع
عشر، والتي جاءت كردّة فعل ضدّ قيود سلطة العقل الصارمة.
وإنّه لأمر تكتيكيّ صِحّيّ أنْ تهربَ تجارب فردية شبابية
في غزة، منها، إلى الحلم والوهم الكاسر لحيطانِ الثالوث
الصارم: الدوغما، الجغرافيا، السياسة. هذا ما كان قد استدركه
الشاعر في مقطوعة "الفردوس" من نصّ "ثمانية الموت المؤقت"
: "لكنّي رومانسي التوجّه مرةً أخرى"، وكانَ قد عرّف الفردوسَ
بأنها "سراب وأمنية"، فيما عرّف نقيضَها "الجحيم"، على
سبيل السخرية مرة أخرى، بأنها: "ملجأ النادمين". أما عن
رومانسيته فإنها جاءت كتجلٍّ للذات في خضمّ سردها لسماتِ
"الفردوس"، على سبيل المفارقة الساخرة، : الحواجز، الكراسي
المصففة كالميتين، حجارة الأبراج، وضجيج الطرق.(21) فهو،
بهذا المعنى، يتجاوز، ظاهر الخارج بصعوده نحو الداخلِ،
نحو الأعمق:
الحقيقة
التي لم أنتج أنا والليل منها هي أغنية الصعود نحو
الأعمق/
أسفل إبط اللغة النحيفة التي تشبه بوصة
تكسرها
الريحُ:
هل للضوء
امرأة تصلي؟
متى يكون
النص كاملا كي أذهب للنوم؟
ريثما
تنتج الأدمغة صورا جديدة أقول: ديني لنفسي.(22)
لكن، هذا
كله لا يسمح، بشكل مطلق، للحلم أوالوهم بأنّ يكتبَ نفسَه،
فمع أنّ النصوصَ تنزاحُ بطابعها الفردي عن الواقع بوصفه
مختبراً و مسرحاً للجماعة، إلا أنّ الولادة تنهض على مزيجٍ
متفاعل من الحلم والواقع؛ من العزلة والاشتباكِ. فإذا
كانت الرومانتيكية تبعث الفرد للسعى داخل ذاته، كارتكاز
على مقولتي: "ديني لنفسي" و"الولادة بعث الانطواء" بما
يوحي له ذلك من امتثال الذات إلى أوهامها واستغراقها في
الحلم خارج الراهن أو فوقه؛ فإنّ الحتمية هنا ستسرعُ في
تسديد التهمة للشاعر بنزوعه السلبي إلى " السنتمنتالية".
إنّ التهمة بوصفها كلمة اختلاف(الإدانة والبراءة معاً)
وإخلاف(رفع الشكّ في اليقين)، تعيدنا، من جديد، إلى براءة
العتمة، بما تعنيه العودة من توضيح للموقف في طريق طرد
الإدانة، وبالتالي، تجلّي البراءة والقداسة في العتمة.
فهي "أنثى الداخل"، وهي "غارُ غزّة " فيه ولادةُ نبوءة
شاعرٍ رمليّ النشأة، والعلاقة، والرسالة:
كم مرة
قلت إليك: إن الرملَ نبيٌّ مسالم أحشاؤه لها رائحة
البرق*
ملايين الأضواء تسكن نبوءته* يتأرجح بياض خفيّ
ينحدر
على مشهد الغيوم* كفكِ على كفي حياة رشيقة
توقظ ذكرى
الذكريات المضيئة كرائحتك* البخور يجرح
روح الذاكرة
المخصية بفعل دماغ الريشة* أصابعي جسر
يوصل إليك
زخات حنين* لو خرجت مرة واحدة
لابتلعتك*
ريثما تصير الأزمنة اختصار الاتصال في ثلاجة
المكان*
حيث أنت تمثال الجمال* تكون غربتي أنس بين
الكتب
حيث أشمّك رائحة الجسد الأنت الروح على
أصابعي
في علياء السديم الشهي*(23)
وهو، نبيٌّ
مسالم وشيطانٌ شرسٌ؛ سلامته وشراسته من استغراقه في الأحلام
وكتابة الصور والمفارقات العدمية المضحكة؛ من عالم الوهم
والشعوذة، من الذاكرة الخاصّة، ومن ظلال الشموع ومن أعواد
البخور وطقوس الاهتمام الأخرى.
في هذا
الوقت، تنقذُ دلالاتُ النصوص الكثيرة، الشاعرَ من الغرقِ
في المنزع السنتمنتالي، ذلك أنَ أخذ العتمة لدلالتي المكان
والزمان الرمليين، تظهرُ كيفَ أنهما سببانِ في خلق النزوع؛
هَرَباً من الخارج ذاتهِ. وفي الوقت ذاته، حَمْل صورِ
الشوارع في عينيّ الشاعر المُتهم: "يَمتصّ هدوء خديك هموم
الشوارع بعينيّ".(24)، فإذا كانت "الولادة بعث الانطواء"
فإنَّ "الرقصَ سرّ الولادة"(25) الرقص يعني لهو وتوتّرات
الجسد." ارتباكات الطين الأزرق"(26) ولأنه يعرفُ أنّ "الولادة
فاتحة للروح والحجر"- لذلك- "كانَ يحملُ الفرق كي لا يغرق"(27).
ولعلّ
هذا ما قصده ت. س. اليوت من فكرة المعادل الموضوعي، والتي
يُبسّط عرضها خلدون الشمعة بقوله: "إنّ الطريقة الوحيدة
للتعبير عن العاطفة في الفنّ تكمن في إيجاد معادلٍ موضوعيّ،
أي بكلمات أخرى مجموعة من الأشياء مواقف، سلسلة من الأحداث
تكون بمثابة صيغة لتلك العاطفة نفسها لدى القارئ. وبعبارة
أخرى يرى الشمعة أن المعادل الموضوعي هو من قبيل رفض بعض
صيغ التعبير المباشر التي شاعت في تجربة الرومانتيكيين
الإنجليز والتي يضرب المثال عليها بقصيدة " اللحن الهندي"
للشاعر "شيلي" حيث يقول: "أموت، أفقد الإحساس، أتهاوى"،
وهذا ما يعرف بالمنزع " السنتمنتالي" المفعم بالميوعة
العاطفية والتهويل"(28)، إنّ مثل هذا المنزع الرومانسي
المجرّد لا يثبت لدى الشاعر القدرة كهروبٍ عاطفي صِرفٍ
مائع، إنما تأتي العاطفةُ مقترنةُ بأسئلة المكانِ وانعكاس
جدلياتِ الوجود، في ماءِ النصّ.
رأيت عينيك
مطرا حزينا* أتعبني هروبك!!*
أحنّ إلى
حنيني إليكِ/حنينكِ إليّ..*
ماذا أنتِ؟!*
أغنّيكِ نصاً تائهاً كالوجودِ:
هل أحبّكِ؟!*
أنصلي للاتجاهات المُصدّعَة كشعلةِ السيجارة.(29)