حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

<<أيقظتني الساحرة>>

قصيدة قاسم حداد في قراءات شعرية وتشكيلية وموسيقية

جسد في أجساد كثيرة

كانت الاحتفالية التي تضافرت فيها أشعار الشاعر قاسم حداد وتشكيل هيلدا الحياري ومحمد العامري، وموسيقي طارق الناصر، قد انطلقت في مساء الأحد الرابع عشر من الشهر ذاته، في الغاليري نفسه، ولكن تلك لم تكن سوى شرارة البدء، حيث اقتصرت على الجانب الرسمي من خلال رعاية أمين عمان الكبرى م. نضال الحديد لحفل الافتتاح، وافتتاح المعرض التشكيلي المقام، بالإضافة إلى عرض الدفتر الإبداعي الذي أنجزته الفنانة الحياري، وخطّ فيه، على ألوانها، الشاعر قاسم حداد مقاطعَ من قصيدته <<أيقظتني الساحرة>>. أما الشعر والموسيقى، بدورهما المعين في برنامج الاحتفالية، فكان موعدهما في السادسة من مساء السابع عشر الماضي، حيث أقيمت الأمسية، التي جمعت فعلاً ما بين الشعر والموسيقى والتشكيل، ليكتمل النصاب الإبداعي المنتظر.

وجاء هذا التجاور الإبداعي الذي اقترحته الاحتفالية، تأسيساً على قصيدة قاسم حداد <<أيقظتني الساحرة>>؛ بما يعني، إلى حد ما، أن الفنون المتجاورة في الاحتفالية قدمت إلى جانب صوت قاسم العميق قراءات موازية ومغايرة لنصه الشعري. غير أن القراءة الإبداعية، وإن استندت الى نص، تمرر في الغالب ما هو من <<عندياتها>>، وما هو لها، ناهيك عن القراءة الخالصة، وبالذات بأدوات مختلفة، للنص الشعري، التي هي في نهاية المطاف اجتهاد إبداعي خاص. وانطلاقاً من هذه المساحة، بالذات، أسست هيلدا الحياري ومحمد العامري، مشهدهما البصري برؤيتين لم تتعسفا على هويتهما الفنية، ولم تغيباها؛ وكذلك الحال بالنسبة لطارق الناصر الذي راود الارتجال، في قراءة موسيقية، لم تعتمد على النوتة بقدر اعتمادها على النص الشعري الذي نهضت أحرفه فوق مفاتيح البيانو، بديلاً عن مدونة العلامات الموسيقية.

العامري: قراءة المفردات

وقدمت الاحتفالية في جانبها التشكيلي ثلاث قراءات؛ ففي جانب أول كان محمد العامري يضع للعين مهمة البحث عن مفردة المرأة الساحرة الجنية، التي أخفاها في تداخلات اللون وتجاوراته، وفي تشكيلها وفق حركة تنخفض فيها مستويات التباين والتناقض مع حركة التشكيل المحيط، مما جعلها في خفاء بالنسبة للنظرة القريبة، وبحاجة للاكتشاف من زوايا النظر الأبعد.

وبنى العامري قراءته التشكيلية، لتنطلق بوضوح من مفردة المرأة الساحرة ولحظة القصيدة، التي سُجلت في تكرار أسس لها معماراً، وشدها إلى لحظة البداية واستعادتها مراراً لغايات تمرير قول مختلف ومؤتلف في آن. وعلى نسق هذا الحضور لمفردة المرأة الساحرة الجنية، وعلى نسق الوحدات المتكررة المؤسِسة للبناء الشعري، قاد العامري ريشته، من لوحة إلى أخرى، لتوظيف المفردة، وعكس لحظة البداية المستعادة، لغايات تأكيد حضور البناء الشعري، وتوظيفه كناظم يشد اللوحات بعضها إلى بعض.

الحياري: دفتر إبداعي

وقدمت هيلدا الحياري قراءتين، الأولى من خلال اللوحات، والثانية من خلال الدفتر الإبداعي الذي رسمته، وخط فيه قاسم على ألوانها مقاطعَ من نصه الشعري؛ وفي هاتين القراءتين تراوحت الحياري ما بين التمسك بمفرداتها الخاصة، وما بين الانفعال بالنص الشعري، ما جعل في تصفح الدفتر الإبداعي، والمقارنة ما بينه وبين اللوحات ضرورة لاكتشاف قراءتها الخاصة للنص.

تحققت قراءة الحياري، في اللوحات كما في الدفتر الإبداعي، إلا أن هذا الأخير الذي حمل بوضوح انفعالها بالنص الشعري، انطوى على مفاتيح للعثور على النص في اللوحات؛ إذ ان القراءة المقدمة فيها تأتي على شكل استجابة لمقتضياته، وليست إفصاحاً عنه، أو تقديماً لمحمولاته، أو عكساً لمبناه أو معناه، أو مفرداته.

كما حملت لوحات الحياري، في أبرز مساحاتها، عودة إلى لحظة كان فيها تفكير الفنانة الإبداعي واقعاً تحت سيطرة اللون والشكل الأثيرين لديها. ولكن من عرف لوحات الحياري، وخبر التشكيل الذي يحفل بالكائنات الماقبل جنينية، والتي تؤسس بصرياً على السطح، بأحجامها الصغيرة المتفاوتة، إمكانيات لتمرير الألوان الخالصة، في معادلة تضع اللوحة وعناصرها في علاقة مستوحاة، من السجاد ونقوشه، يلحظ أن الحياري في لوحات الاحتفالية، تميل إلى تحرير سطح اللوحة من هيمنة هذه الأشكال؛ أو أنها، في النماذج الأخرى التي لم تأخذ مساحات أكبر، تقدم نماذجاً لأعمالها الأخيرة التي باتت فيها تميل إلى السيطرة على اللون، بإطفائه، وعلى الشكل بتقنين عناصره.

الناصر: ملكة الارتجال

شاءت قراءة طارق الناصر الموسيقية أن تكون في تداخل عضوي مع النص الشعري، فعدا عن المواكبة المباشرة للنص أثناء قراءته، جاء ارتجال الناصر ليبني علاقات متنوعة مع قراءة الشاعر، من جهة، ومع نصه الشعري من جهة ثانية. وقامت هذه العلاقات، في جانب منها، على التعامل مع المساحات البيضاء التي تقتضيها القراءة، ومحاورة إلقاء الشاعر في مواضع معينة، والانسحاب أمامها في مرات؛ مثلما سارت، في مواضع أخرى، على استدعاء صوت الشاعر، أو التهيئة للقفلات الداخلية.

وسار ارتجال الناصر على هذا النسق، في محاولة لتجاوز مجرد إقامة العلاقات مع صوت الشاعر وإلقائه، إلى التأسيس لقراءة أكثر عمقاً للنص ذاته.. النص الذي حل مكان النوتة الموسيقية، فوق مفاتيح البيانو. ولم تلبث أن وجدت هذه القراءة المنشودة مداخلها، في القرار الذي ألح في نقش حضوره، في برهات الصمت وبالتناغم مع نبرة الصوت العميق، الذي حمل أسى عتيقاً، تلجلج فيه كرنة معدن ثمين؛ وبالاعتماد على الجذور الشرقية للآلة، واستنطاقها، في قراءة سارت بالتوازي مع النفس الأسطوري الذي نسجته الجملة الشعرية، وبوعي أن شعر قاسم حداد ينهل من المخيلة الخاصة، وينهج في تعاطيه مع الأسطوري استدعاء الموروث والجذور الثقافية.

مغامرة مع الشعر

وهيأت البدايات المتكررة للوحدات الداخلية في القصيدة، للناصر العثور على إيقاعه، والاهتداء إلى قراءة مرتجلة، جاءت على شكل مقاربة أولى، وضعت أساساً لعمل موسيقي قد يأخذ الناصر في مغامرة مع الشعر والكلمة اللذين يتجنبهما، عادة، في أعماله الموسيقية. فقد يكون في الانتقال من البحث في الهواجس الداخلية إلى قراءة هواجس النص الانفعالية والجمالية، مساحات ممكنة، ومقاربات محتملة، للتعبير الموسيقي، وللانطلاق إلى آفاق جديدة، وتقود إلى العثور على الصوت الخاص، في لحظات المشترك الإنساني والإبداعي، وليس في الخاص الانفعالي والمعرفي، وحسب.

سجلت الأمسية، ما بين إلقاء الشاعر وأداء الموسيقي، واحدة من أفضل لحظات التناغم ما بين لونين إبداعيين؛ وبالنسبة للشعر والموسيقى، فقد تجاوز هذا الحضور المشترك مجرد التجاور إلى لحظة عناق دافئة، قدمت رؤية لصيغة جمالية، تجمع ما بينهما، في مبررات موضوعية وإبداعية، من حيث إنشاء نص جديد يؤسسه اجتماعهما. ولن يكون مفاجئاً أن تلح التجربة على صاحبيها (حداد والناصر) في التفكير بالوصول بها إلى صيغتها النهائية، التي بدت على أية حال قريبة، وفي متناول القريحة.

ميول الشعر

أشارت الاحتفالية، بالإجمال، الى جملة من القضايا؛ ومنها، بعضها، جاء تتويجاً لما أثارته الأمسيات الشعرية التي تقام في العادة كأمسيات مستقلة، أو في سياق الفعاليات الشعرية والثقافية والمهرجانات الفنية. منها: موقع القصيدة من الشعر، و <<الإلقاء>> كخاصية شعرية، ولازمة ضرورية.

لقد بدا واضحاً أن الشعر يتمسك بصيغة القصيدة، ويبدو أكثر ارتياحاً معها، في وضوحها لجهة الشكل والصراحة الشعرية لجملتها؛ مثلما بدا عزوفاً عن الأشكال المخاتلة من الحضور الشعري، من حيث الشكل، ومن حيث الصراحة الشعرية للجملة. ويميل إلى البناء المركب الذي يتجاوز الجملة إلى الوحدات الشعرية، وهذا بمواجهة فوضى الأشكال و<<النتف>> الشعرية المرسلة كقصائد مستقلة. وفي السياق نفسه، لا يعود حجم القصيدة معياراً نسبياً متحركاً، بل محصلة معطيات موضوعية، ينتجها جدل العلاقات ما بين عناصر القصيدة، الداخلية والخارجية. وفي الخيار ما بين <<المطولات>> و<<النتف>> الشعرية، يبدو أن الشعر يميل إلى بناء قصيدته من وحدات قصيرة، تتشكل وفق معمار مضمر، يأخذ أحياناً على سبيل المثال صورته النهائية من تراكم لأبنية سيمترية صغيرة.

وبطبيعة الحال، يأتي هذا الحكم بناءً على قياس قدرة القصيدة في التفاعل مع جمهورها، كما في الأمسيات الاعتيادية، أو في قدرتها على التفاعل الإبداعي مع الفنون المجاورة، واستنطاقها إيجابياً، في تجارب كاحتفالية <<أيقظتني الساحرة>>. وهنا، من الصعب تجاهل ارتجالات طارق الناصر التي واكبت الإلقاء، بسلاسة، وعلى نسق فرض نفسه على كل من الشاعر والموسيقي.

وبالنسبة ل<<الإلقاء>>، ومدى لزوميته، لا يمكن بحال من الأحوال التغافل عن الحقائق المتعلقة بالقصيدة العربية القديمة، ومهرجانها الأشهر في سوق عكاظ؛ وتجاهل ذلك، أو التراخي في اعتباره، باعتباره ظاهرة مرتبطة بمرحلة سلفت، لن يكون إلا حكماً متسرعاً، ما دام الشعر ينشدّ إلى <<منبر>>، وطالما بقي الأمر بعيداً عن تحكيم النوازع والاتجاهات ال<<ضد أدبية>> وفرضها على الشعر؛ وفي سياق ذلك، توجت الاحتفالية أحكاماً بنيت على حيثيات عام طويل من الأمسيات الشعرية، بتأكيدها على أن الشعر في <<الإلقاء>> ليس مجرد كلمة وصورة شعرية وحسب، بل صوت يُرسِل عبر نبرته، مفرداته، ومحمولاته الجمالية والانفعالية، ويعيد بناء صورته الشعرية. ومن ذلك، فالإلقاء يغدو، بحق، النسخة الصوتية للقصيدة، إن لم يكن أكثر، فلن يكون أقل.

<<الكلمة بيتك ومثواك،

فاكتب لي أقرأ عليك،

فراشتي لك ونارُك لي

نقتسم الحلم والحرف وزهرة الفيزياء>>

إذن، في السادسة من مساء السابع عشر الماضي، اكتمل النصاب الإبداعي في <<غاليري الأورفلي>>، باكتمال حضور التشكيل، في حضرة الشعر والموسيقى، فأيقظت الساحرة نائماً غفا، أو مستفيقاً أخذته الغفلة باعتياد الأشياء، والكلمات، والأشكال، والأصوات.

 

ياسر قبيلات - (عمان)



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri