((نشيد
الاعتدال)) لسان جون بيرس
لغة
في اللغة
التونسيان
خالد النجار ورضا الكافي، ينقلان للعربية، من جديد، وبالضرورة
الإبداعية، الشاعر الفرنسي سان جون بيرس Saint- John Perse
في شهر نوفمبر 2004، من خلال ترجمتهما، معاً لبعض النصوص،
ومتفرقين لنصوص أخرى، صدرت تحت عنوان إحدى قصائد بيرس
<<نشيد الاعتدال>> "Chant pour un equinoree"،
وتضم القصائد التالية: جفاف Scheresse، نشيد الاعتدال،
نشيد ليلي nocturne، و<<أنشدته التي كانت هنا>>
"Chant par celle qui fut l:.
صدر هذا
العمل في طبعة منتخبة، عن منشورات <<جبل التوباد>>
في تونس، والترجمة العربية مرخّص بها من دار غاليمار.
ويظهر أن هذه الضرورة الإبداعية، من خلال بلوّرية الترجمة
العربية وقدرتها على تعريب النص الشعري الفرنسي لبيرس
بصعوبته ومنعرجاته اللغوية والدلالية، وبخصوصيته، هي التي
أملت على كل من النجار والكافي، ترجمة بيرس للعربية من
جديد، بعد ان كان أدونيس اوّل من خاض هذه المغامرة الصعبة،
في ستينات القرن الفائت، وقدّم ترجمة أدونيسية لنصوص من
سان جون برس، أبرزها منارات amers، التي يمكن نقلها <<مرارات>>
ايضا.. والتي صدرت فيما بعد في كتاب على حدة، عن منشورات
وزارة الثقافة السورية. لا أحد ينسى، بالطبع، قصيدة بيرس
<<ضيقة هي المراكب>>، التي ترجمها ادونيس
للعربية في حينه.
كان من
الطبيعي تدخل شخصية أدونيس اللغوية، التي لم تكن بعيدة
في كل حال، عن اللغة الهيكلية لسان جون بيرس، في تشكيل
النص العربي الادونيسي لقصيدة بيرس (ضيقة هي المراكب)،
فما لاقى استجابة لغوية في نفس ادونيس من لغة بيرس، موجود
اصلاً فيه. لذا جاءت اللغة مشغولة معاً من الشاعرين (إذا
صحّ هذا التأمل). فترجمة بيرس فعلت فعلها الاكيد في اللغة
الشعرية التالية عليها لادونيس، الذي يمكن ان يقال إنه
لم يترجم بمقدار ما عرّب، وان يقال ايضا انه ألّف نصاً
على نص.
في الترجمة
الاخيرة التي بين أيدينا لقصائد من سان جون بيرس، والتي
قام بها النجار والكافي، ابتعاد عمّا صنعه ادونيس، ومفارقة
له، لجهة امانة المترجمين للنص البيرسي، فليس ما فعلاه
هو التناص Textualit، بل ترجمة دقيقة لغوية شاعرية
صافية لقصائد بيرس.
لقد جاء
هذا الشاعر المسمى الكسي سان ليجي ليجي الى العالم في
13 ايار/ مايو 1887م. في جزيرة سان ليجي لي فاي بالفودلوب.
حمل اسمه اسم الجزيرة التي كان أهله يملكونها.. فهو ذو
ولادة بحرية ومنعزلة.. ونشأ بين أنياب الصخور في الجزيرة،
وهوْل البحر، في <<المهد المداري الذي أتلفته المياه
الاوقيانوسية>> كما يقول خالد النجار في فصل الأجراس
تغنّي في المنفى، عن الشاعر . تلقّى تعليمه الاول ايضاً
على يدي راهب متضلع باللاتينية، وتأثر بكتاب انطوان دوز،
عالم النبات، عن النباتات البزرية لجزر الأنتيل، الذي
اصدره في مرسيليا العام 1896. فشعر سان جون برس وليد البحر
والنباتات والعناصر، والعضايا والكائنات البحرية بشكل
خاص. إن الكشف عن مخالب الصخور في صفحة روحه، وسياط الأمواج
العالية، والبرق والرعد والصواعق، سهل لمن يقرأ نصوصه
الخاصة. هذه النصوص القلقة الرجراجة، التي قال بشأنها
لصديقه الشاعر روجي كايوا: <<الشعر بالنسبة لي هو
قبل كل شيء حركة، في ولادته ونموه وامتداداته>>.
نستطيع
ان نضيف لخالد النجار، في دراسته المكثفة والموثقة لسمات
اشعار سان جون بيرس هذه السطوة التي للشاعر على قارئه.
بيرس شاعر ذو سطوة كسطوة الكهان، او الآلهة. لغته هياكلية
وملحمية. وقصائده كأنها إشارات توراتية او قرآنية عنيفة
لموت وقيامة. موت العناصر وقيامة العناصر الجديدة مكانها
والإنسان... غضب الأرض والطبيعة وتغضّنات جلد الأرض والرعود
والبروق والبحر.. البحر دائماً بصخبه وغموضه، بنباتاته
ومخلوقاته المائية، هذه في الاساس، حاضرة في كلمات بيرس
التي تشبه تنسّخ وتكوّن العناصر، وموت وقيامة الكائن من
فسوخ موته.
لغة أولية
إنه في قصيدة <<جفاف>> ينفخ في بوق لغة أولية
قاسية، كما لو هو ينفخ في صور القيامة، ويعلن النهايات
بقوة وقسوة تناسبها لغة قاسية تناسبه هو وتخصه دون سواه
من شعراء فرنسا في النصف الاول من القرن العشرين، خاصة
منهم شعراء المدرسة السريالية والدادائية والمستقبلية.
إنه ليس من هؤلاء، وإن عاش فيهم. إنه الخاص الغامض.. وعلى
اساس هيرقليطس اليوناني يقول: <<سمّوني الغامض وكنت
أسكن البرق>>.
<<عندما يشد الجفاف جلده الأتاني فوق الأرض، ويملط
الطين الأبيض على حوافي النبع، سيعلن ملح السباخ الوردي
النهايات الدموية للامبراطوريات، وانثى ذباب النعرة الرمادية،
شبح ذو عيون فوسفورية، ستنقض كالمرأة الشبقة على رجال
الشواطئ العراة>>.
يا وحل اللغة القرمزي، كفى تبجحاً>>.
يلاحظ
التناسب الايحائي من خلال حروف الكلمة، بين Scheresse
بيرس، وترجمتها للعربية ب<<جفاف>>، فإن مقاطع
الكلمة بالفرنسية مقاطع ناشفة مثلها مثل مقاطع <<جفاف>>،
يلاحظ ايضا الترجمة الموفقة لكلمتي sa peau d'nesse
ب<<جلده الأتاني>> وهي لقيا لغوية. ونحن نجد
مثل هذا النحت اللغوي في الترجمة العربية للنجار والكافي،
المناسب للنحت اللغوي الذي يميّز سان جون بيرس، كما في
الجملة التالية من قصيدة <<ليلية>> nocturne
"soleil de l'tre, couvre- moi": <<دثريني
أيا شمس الكائن>>... كان في الامكان اقتراح الترجمة
التالية، وهي أدق وربما اجمل، إذ لا مبرر لتقديم الفعل
على المنادى في الجملة، وبإضافة الهمزة لحرف النداء...
<<يا شمس الكائن، غطيني>>.
إن ترجمة
قصيدة "Chant par celle qui fut l" بالعنوان
التالي <<أنشدته التي كانت هناك>> ينطوي على
تبديل لصيغة الخطاب من المجهول الى المعلوم.. وهذا الاجتهاد
في صيغة الترجمة اجتهاد مقبول، نظراً للصعوبة الفائقة
لنقل ظلال هذه الجملة المعقدة الى العربية. وهي جملة نموذج
للتركيب اللغوي لسان جون بيرس. يردد في قصيدة <<أنشدته..>>
هذه الجملة: "Feurue vous suis- je, mon amour,
dans les silences du cدur d'homme".
وتأتي
ترجمتها على الصورة التالية: <<أكون لك المرأة،
يا حبي، في صمتِ قلب الرجل>>.
كان يستحسن في الترجمة، البدء بكلمة <<امرأة>>
بدلاً من فعل <<أكون>>، إذ، في هذه الجملة
ذات التركيب <<البِرْسي>>، هناك تناسب بين
<<امرأة>> في بداية الجملة، والرجل في نهايتها.
كما أن ترجمة كلمة Les silences التي هي جمع Pluriel،
بصيغة المفرد <<صمت>>، تقصّر عن الأداء الوثيق
والخاص بلسان جون بيرس.
إن
في الترجمة التي قام بها المترجمان، شيئاً أو ظلالاً من
البلاغة العربية، وكان في الإمكان كشطها، وتقديم النص
العربي في عري مماثل للنص الفرنسي. فبدلاً من أن تتم ترجمة
الجملة التالية اAmour,
mon amourب من قصيدة <<أنشَدَتْهُ...>>:
<<أيها الحب، آه يا حبي>>، كان بالإمكان القول:
<<يا حب، آه يا حبي>>.
إن ارستقراطية
لغة بيرس واختزالها الإعجازي، بالفرنسية، يحسن أن يماثلهما
نخبوية واختزال مماثلان في العربية.. فترجمة الشعر في
الأصل مهمة شديدة التعقيد والصعوبة، وتكاد تكون مستحيلة...
ويستحسن، إذا أمكن، قراءة النص الشعري في أصله ولغته.
لكن، إذا كان ذلك مستحيلاً لجهة الإحاطة بلغات العالم،
فإن من المناسب التروّي في ترجمة الشعر، نظراً لدور اللغة
وحيلها وأسرارها في صنع النص الشعري بخاصة، فكيف إذا كانت
القصيدة، ليس فقط لغة في اللغة، بل لغة في لغة في لغة
كما هي حال نصوص سان جون بيرس كمثال، وقصائد صلاح ستيتية
كمثال آخر. إن ترجمة المتنبي مستحيلة من دون إنقاص فادح
لقيمته الشعرية المتمثلة بالحكمة والإحكام. إن المغامرة
التي قام بها خالد النجار ورضا الكافي تسجل لهما في الوصول
الى تقديم شاعر بفرنسية خاصة، مجلجلة، معقدة، هياكلية،
تكاد تكون ميثولوجية دينية، إلى عربية هي أقرب ما تكون
للأصل الفرنسي... حيث قرأنا في الترجمة، لغة أدغالية،
كهنوتية، وأوصافا لتغضن قشرة الأرض، والزلزال البحري...
ونداءات لأوليات التاريخ، واستنهاضا للملوك الموتى المستقرّين
في مقابرهم، وهو يبشر بانبعاث جميع الكائنات من تحت الأرض
السفلية، من أسافل البحار، وظلمات الأعماق السوداء للمياه
الزرقاء، حيث <<الليالي سترجع الماء الحي الى ضروع
الأرض>>، وتطنّ اللقاعات وذبابات اللحم الذهبية،
والعثّ، وطلع المواشي، والبراغيث البحرية، تحت فوقس الشواطئ
العابقة بروائح العقاقير... الذرّاح الأخضر، وفراشة الليل
الزرقاء، والأرض الموشومة بالحمرة سوف تستعيد ورودها الحمراء
الكبيرة... تصعيد صغار الأخطبوط مع مجيء الليل من القاع
السحيق نحو وجه المياه المتورّم...>>.
قصائد
سان جون بيرس نداءات لأوليات الطبيعة من بحر وصخور وغيم
ورعد وبرق، من حشرات سفلية وعضايات وذباب، ونداءات لأواليات
التواريخ القديمة... أيا عرعر فينيقيا الأكثر تجعداً من
شعور المغاربة والنوبيات، وأنت يا شجر الطقسوس الكبير
الأبدي... آه مايا، أيتها الوديعة والحكيمة... ستعيد الليالي
النداوة والرقص فوق الأرض المتعظمة ذات النتوءات العاجية
ستطل تترجع رقصات السردان والشاكون... أنتم يا من تتكلمون
الأوسيتية فوق منحدر من المنحدرات القوقازية...>>.
إنها
ابتهالات للبدايات، للقديم، للأسلاف التاريخيين، كما هي
ابتهالات للعناصر الكونية، التي يلحقها التحول والفساد...
وما بين هذه النداءات التي تشبه صرخات الشعوب البدائية
في رقصاتها، تتحرّك في نصوص سان جون بيرس أعصاب بشرية..
ثمة نداء كينونة جديدة، لا في الطبيعة وحدها، بل في الإنسان
أيضاً ومن خلال موت وولادة الأرض. إن الالتحام يحصل هنا
بين العناصر الكونية من الإنسان والحيوان والطبيعة. إن
الكائن هنا اL'treب
هو الشخص الكلي.. انطواء الكائنات في الكائن... الجرم
البشري الذي تنطوي فيه العوالم. والحب هو عنصر الالتحام
وعنصر التواصل الكوني، في جوهر شعر سان جون بيرس. ففي
داخل النص الكوني والبحري وثناياه وتفاصيله، دائما ينبض
قلب بشري. والقلب البشري قلب ميتافيزيقي، ديني. أشعار
سان جون بيرس تنهل من عمق ميتافيزيقي وكهنوتي قديم. للهياكل
والابتهالات المعبدية مكان في نصوصه. وثمة ذكر متواصل
لكلمة Dieu، الله. لكن ثمة إلهان في النصوص. يقول في آخر
قصيدة جفاف العبارة التالية: اSinge de Dieu, Trve
tes rusesب وترجمتها كما وردت في الكتاب <<يا
مقلد الإله دع مكرك>>... إن ترجمة Singe du Dieu
ب<<يا مقلد الإله>> ضعيفة... وفي قصيدة <<نشيد
الاعتدال>> ترد الجملة التالية "Dieu de l'
pars nous rejoint dans la diversit" وترجمتها <<الله
المبعثر يدركنا في الشتات>> والأسلم ان تترجم: <<الله
المبعثر يدركنا في التنوّع>>... فثمة ما يشبه الحلولية
الصوفية في هذه النصوص... مع ملاحظة لا بد منها، وهي ان
ميتافيزيكية سان جون بيرس ليست دينية توراتية كما رأى
إليها ت. س إليوت من خلال ترجمته لقصيدة <<أناباز>>،
التي أزعجت بيرس، بل هي حلولية طبيعية، وتقترب، مع اختلاف
اللغة، من حلولية الشعراء الالمان من امثال نوفاليس وشيلر
وريلكه. فالغابات العملاقة وعناصر الطبيعة الهائلة التي
صنعت قصائد هؤلاء، تشبهها عناصر البحر والجزر المعزولة
التي صنعت نصوص سان جون بيرس البحرية.
إن مشاهد
نصوص بيرس البحرية القاسية والهائجة، تشبه اعصار تسونامي
وزلزال البحر الهندي في الجزر السيرلانكية وجزر المالديف.
ولو كان بيرس حياً، إثر هذا الزلزال، لكان بوسعه القول:
أنا الذي رأيت. أخيراً: إن لغة سان جون بيرس المكشوطة
العارية، هي اشبه ما هي بتماثيل جيا كوميتي... يقول <<الظهيرة
النابحة تبحث عن أمواتها>> "Midi l'aboyeur cherche
ses morts".
محمد على
شمس الدين - (السفير)