حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

عبديئيل

المعرفة الحياتية والجمالية

التجربة والوعي.. يتوازنان باستمرار في طريق واحد وباتجاه واحد في مسعى جمالي مشترك ويلتقيان في كشف ما هو فني وحياتي ـ وبتضافر مع عناصر الثقافة الاخرى والروح العالية ـ بعد نفض الغبار عن سكونية الاشياء وغيابها المفتعل.

ان المجسات التي تنبض بالحياة.. تستطيع ان تلتمس اكثر الجهات وابعدها وتستطيع كذلك ان تصل الى ادق الاستطالات لتحديد احداثيات القصيدة والشعر في تلمس حسي متيقن، في حين ان المجسات الخشبية يثقلها التراب وتشطرها صدمة الحجر ولن تستطيع ابراق اية اشارة دالة والانطباع الذي تولده قراءة (عبديئيل) ـ مجموعة الشاعر / موفق محمد / يشير بقوة الى هذين الاحداثيين (التجربة والوعي) والمجسات الحية التي تتلمس مساحة التجربة تحت سيطرة موجهات الوعي وصولا الى المعرفة الجمالية لان المعرفة الجمالية هي معرفة شاعريةقبل كل شيء وهي التي ترتب الاصالة الفنية وتجعل منها رؤية وابداعا في وقت واحد على حد قول (جان برتليمي) ومثل هذه المعرفة هي التي اضفت صفة (الملائكية) على الكائن البشري في اشارة اتباع خفي (عبديئيل) وعبديئيل كما جاء في الفردوس المفقود ـ لملتون بانه المعنى الحرفي (لعبدالله) وهو اسم من اسماء البشر في الوقت الذي يعني اسما لملاك لم يكن احد اشد منه اخلاصا في الطاعة وهذا هو المقصود بالاشارة (الاتباع الخفي) لصفة الملاكية / الملائكة.

... اشرق عبديئيل
هذا العملاق الطالع من قلب الارض
رأسا يتماسك فيه العقل وتشتد الغيرة..
هذا جذر العالم..
سر حضارة هذا الكوكب
يسلخ حيا بسكاكين الانسانية
وبالدولار الاسود...*
غير ان هذا / الاتباع /.. (عبد) يرادفه التقديس الملاصق (يئيل) ليكتسب الصفتين في الوقت ذاته.. حتى وان كان التضاد هو الدالة المهيمنة.

ان قوة الاشارة الشعرية / الحياتية.. تبرق التضاد بين ما يدركه وعي الشاعر وبين الاستلاب / السلخ / في دلالته المجازية الحادة.. وصولا الى يقين وعي الشاعر في تاكيد انتصار رهانه على / الانسان/....:

*... والسيء يبغض نور الله..
يبغض هذا الحب الكامن فيك..
وستنهض عملاقا يا عبديئيل..
تنهض..
وستجمع شمل الدار..
يا نخلة الله التي ابدأ ستنبض بالثمار..*
ان المواجهة الحياتية / الفنية.. التي يقيمها الشاعر والشعر في هذا الرهان.. لا تحتمل ان تستظل بالرمز والتلميح ولكي تكون نافذة.. فانها تتمسك بخطابيتها ومباشرتها وعلانيتها.. ولكي تكون كذلك فانها في تعادلية قصدية مع وضوح / السهم /.. لتمسك الهدف / غاية القصيدة.. غاية الشعر / في (عبديئيل)

*.... 2 ....*
ان المعرفة الحياتية / الجمالية في شعر موفق محمد.. قوة فنية تزيح كل ما يعترض انبثاق القصيدة الحية.. القصيدة التي تتمسك باصول الشعر باصول شعرية راسخة في الذاكرة الفنية التراكمية مع انتباهات واثقة لمديات التحديث او التجدد.. وباستقطاب يتجه نحو مركز المعرفة الحياتية / الجمالية الأولى وبما ينوع عناصرها ويزيد من فرادتها.. وبذلك يتمكن الشاعر من كل انواع البناءات الشعرية (والنثرية).. وتشغيل الرمز بقوة ووضوح غير مألوفة.

وتستعير القصيدة في (عبديئيل) كل التقنيات التي رصدتها القصيدة الحديثة.. الصورة الفنية الكوميديا السوداء الخطاب المباشر، والمرمز، التشابك مع الشعر الشعبي لا لضرورة عفوية وانما لاضافة فنية موازية. القصيدة الطويلة المركبة،القصيدة القصيرة، اللقطة، الحوارات المتداخلة،العمود، الشعر الحر، قصيدة النثر، جماليات المكان، الذاتي والموضوعي.. الخ، وبذلك توفرت / عبديئيل على مساحة شعر واسعة تحدها بشفافية اسيجة من المعرفة والجمالية.

*... مكتئبا.. اسيان..
شاخ على مهل جسر الحلة
طالت لحيته.. وابيضت
فتعلق فيها.. الصبيان..*... في عبديئيل يتوحد صوت الشاعر كليا ـ بوجدانية عالية وبانصياع الدلالة الفنية ـ مع صوت / الانسان / في وقفته الحياتية.. ليكون معه على الرصيف ذاته كي يحملا الغبار على المتن سوية..

*... بيكاسو..
فان كوخ..
جواد سليم..
دالي..
سيزان..
كلهم يرسمون لوحة مائية
لكاسب عراقي...*
وبقدر رائحة الوجع البشري.. يؤكد الشاعر في هذه / المجموعة / رياح، الوجع الشعري الذي ينصت له القلب.

*... ان كان رأسي عاطلا..
والقلب مذبوحا بهاتين اليدين
فعلام سيري في الطريق على اثنتين
جرب قوائمك الجديدة واسترح من صخرة الانسان..*
*... في عبديئيل /.. تورق صحوة الشعر العراقي الأزلية.. يورق الغصن الذي تعلوه الثمار ولا جدوى من السؤال.. / أين القصيدة؟ أين الشعر /.

 

ريسان الخزعلي - بغداد - (الصباح)



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri