
بين
مجنون ليلى وعاقلها
هذا الكتاب،
الثّالث من نوعه لصلاح ستيتيّه بالعربيّة والأوّل بالفرنسيّة،
يقدّم فيه نفسه عبر الحوار مفكّرًا بقدر ما يقدّم نفسه شاعرًا،
وبالعودة إلى الاشتقاق العربيّ للشّعر كضرب من ضروب المعرفة،
ووفق الصّورة الأقرب إلى تحديد الأديب في ثقافتنا، أي الملمّ
من كلِّ علمٍ بغرَض. أقول يقدّم نفسه لأنّ الكتب الثّلاثة تعطي
عنه صورةً لم يكتفِ باتّخاذ الوضعة لها بل شارك في صياغتها ونفخ
الحياة فيها تماثيل من وَرَقٍ وكلامٍ يستغرق الدّوَرانُ حولَها
يومًا أو أكثر حسب سرعة القارئ، ويبقى عنوانها عالقًا بالذّاكرة
كأنّه يختصر الانطباع الّذي أرادَ ستيتيّه أن يتركه شخصيًّا
في النّفوس كإنسانٍ أوّلاً ـ هذا الرّجُل... ابن الكلمة... ـ
ثمّ كشاعرٍ أو سفيرٍ أو مسلمٍ أو عربيٍّ أو لبنانيٍّ أو متوسّطيٍّ
أو ناطقٍ بالفرنسيّة، إلخ.
يقدّم نفسه،
قلتُ، وفي رنّة العنوانين المذكورين معًا ما يُحيلُ على أفقٍ
دلاليٍّ آخر للتّقديم بل للتّقدِمة. "الكلمة"، مستعملةً هكذا
بمطلقيّتها في عنوان الكتاب الأخير، تذكِّرُ باختصارٍ شائعٍ
لعبارة "كلام الله" في الإشارة إلى الكتاب المقدّس. فهو، بعهديه
القديم والجديد، يسمّى "كتب الكلمة". وإلى جانب الصّلاة في أعمال
الرّسل، أو الحَواريّين، تُذْكَرُ "خدْمة الكلمة". ولا أحسب
أنّ صلاح ستيتيّه ومحاورته الّتي وقفت شطراً كبيراً من عملها
الأكاديميّ على دراسة أعمال المتصوِّف الألمانيّ المعلّم إيكهارت
وإعادة ترجمتها وتأويلها كانا غافلين عن ذلك عند اختيار "ابن
الكلمة" عنواناً لهذا الكتاب. أمّا عبارة "هذا الرّجل" فلا تبعدُ
كثيراً عن ecco homo (هذا هو الإنسان)، العبارة المنسوبة إلى
بيلاطس البنطيّ والمشيرة إلى الإنسانيّة المعذّبة بشخص المسيح.
ولا ضرورة للتّذكير بأنّها صلحت عنواناً لصورةٍ ذاتيّةٍ شهيرةٍ
أعدّها نيتشه لنفسه على عتبة الأفول الّذي ختمَ حياتَه وربّما
أمام مرآة الجنون السّوداء...
فلن يعرف أحدٌ
على التّمام كم رأى نيتشه من ظلام ذاك الأفول قبل أن يُطْبِقَ
عليه. وليسَ هنا مجال التّكهُّنِ في ذلك. لكنّ ليل اللامعرفة
هذا هو ما لا يكفّ ستيتيّه عن الإشارة إليه كمصدرٍ لشعره بل
للشّعر عموماً، من كتابه النّظريّ الكبير "القوّاس الأعمى" إلى
"ليل المعنى" (عنوان الكتاب الآخر ـ الصّادر مع "هذا الرّجل"
في السّنة نفسها، 1990 ـ من الكتب الحواريّة المشار إليها)،
إلى الجواب الأخير في كتاب ابن الكلمة: 7-7-لا أحد يدري لماذا
نحن هنا، ولا أحد يدري ما هو الحبّ؛ لا أحد يعلم ما هي الولادة
وما هو الألَم، ولا أحد يعلم لماذا الشيخوخة ولماذا الموت. هذه
الأسئلة الأولى، المعتمة جميعًا والمرتبطة باللّيل البدئيّ،
هي ذاتها مادّة الشِّعر، وهي الّتي تأخذها لغة الشِّعر في الحسبان.
إذا كان من لغز في الشّعر، فذلك بسبب لغز الإنسان، ولغز العالَم،
ولغز الموت".
كتبَ أنطونان
آرتو ما معناه أنّ الشّاعر كالبطل لا يُفسَّرُ بل يُلوَّحُ به
عالياً كالسّيف... النّتيجة ذاتها يصل إليها ستيتيّه حين يستجيب
لدعوة التّفسير، فيردّ إلى الأوّليّات وهي، كما يقول، لغز. أو
بترجمةٍ أكثر نصرانيّةً: "سرّ"، كما في عبارة "سرّ التّجسُّد"
أي ولادة المسيح ابن مريم، حسب تعبير ستيتيّه المستند إلى القرآن
الكريم: "بلا أبوّةٍ أرضيّة". وإذا رأينا صورة التّضحية والفداء
أو الشّهادة في أفق العنوانين "هذا الرّجل" و"ابن الكلمة"، فذلك
أنّ سرّ التّجسّد، هو من الأواليّات الفاعلة في فكره النّظريّ
والشّعريّ. تجسّد الفكرة كما في الفلسفة الهيغليّة الّتي تنطلق
منها محاوِرتُه، ولكن كذلك تجسُّد الرّوح. وقديماً قيل إنّ الموسيقى
وُلِدت من تململ روح آدمَ للخروج من الطّين الّذي حُبِسَت فيه.
وإذا كان ستيتيّه، على أثر بول فرلين، يضع الموسيقى قبل كلّ
شيءٍ في فنّه الشّعريّ، فالأسطورة العربيّةالإسلاميّة لولادة
الموسيقى تلوِّنُ هذا الموقف، أو تردّه إلى ليله الأصليّ.
لكنّ صلاح ستيتيّه
لا يذهب إلى هذا اللّيل شهيداً. فغالباً ما يردِّد، كما ورد
في "ابن الكلمة" (ص 121): "جملة بول فاليري عن الشّهداء: إنّهم
يفضِّلون الموت على التّفكير"، ويضيف معلّلاً: "طالما العقل
ما زال أضعف شيءٍ مشتَرَكٍ في عالَمِ اليَوْم". فصاحب القوّاس
الأعمى وليل المعنى يؤمن بالعقل ولا يقبل أن تنطبق عليه، شاعراً
أو مثقّفاً، جملة فاليري المذكورة ولا تلك الأعمّ الّتي كتبها
مارتن هايدغر في الجزء الثّالث من "أسئلته (ص 165 من التّرجمة
الفرنسيّة): "الإنسان في حالة هربٍ أمام التّفكير". وإلاّ لما
كان هذا الحوار حيث تطرح أسئلة الشّعر والتّجربة الرّوحيّة الأكثر
حميميّةً إلى جانب الأسئلة السّياسيّة والتّاريخيّة الأكثر نظريّةً،
ولنقلها: الأكثر نثريّةً. فينتقل برشاقةٍ من خصوصيّات حوض البحر
الأبيض المتوسّط، إلى الوطن والمنفى، والهويّة والانتماء، إلى
مسألة الشّرق الأوسط والقضيّة الفلسطينيّة والإرهاب، إلى تحليلٍ
عميقٍ وبسيطٍ للأصوليّة والسّلفيّة، والدّفاع عن الإسلام في
مسألة المساواة بين الجنسين، والمقابلة بعد لويس ماسينيون بين
الدّيانات الإبراهيميّة الثّلاث وحتّى علاقة النّصوص المقدّسة
بالشّعر...
وفي كلّ ذلك
لا تغيب الأسئلة الكبرى لكنّ فضاء الكتاب يزيّن بواحاتٍ من النّوادر
والقصص، يعرف من عاشره كم هو بارعٌ في سردها ووضعها في محلّها.
لا بدّ أنّ الّذي كتب 7-7-فردوس، بحثٌ في حدائق الإسلام وحدائقه
المضادّة7-7- يعرف أنّ البستانيّ الجيِّد ليس من ينمِّي الكتل
النّباتيّة والزّهريّة وحسب بل من ينظّم أيضاً، وربّما أوّلاً،
طرق التّنقُّل بينها، بحيث لا تصبح الحدائق خانقةً للمتنزّه
الّذي هو قارئه أو تختنق تحت وفرتها الطّاغية. فالغنى هو أيضاً
سعةٌ.
ولا ننسَ دور
محاوِرَتِهِ، غواندولين ياركسيك، في تغذية الكتاب والحفاظ دائماً
على مستوًى عالٍ للنّقاش. فقد أغنت المكتبة الفكريّة الفرنسيّة،
بترجماتٍ جديدة لبعضٍ من أعمال هيغل، بالاشتراك مع بيارـ جان
لاباريار، ثمّ مع المذكور وبمفردها، قدّمت قراءاتٍ تحليليّةً
وتأويليّةً جديدةً لنواحٍ من فلسفته ومنطِقِهِ. جدّيّة بحثها
وطول احتكاكها بهذه النّصوص الكبيرة لا تترك على الحياد من اعتاد
الترجمات والتّأويلات من كبار شبه أسطوريّين امتدّ تأثيرهم إلى
خارج المجال الثّقافيّ الفرنسيّ وحتّى إلى ألمانية نفسها، مثل
ألكسادر كوجيف وجان إيبوليت. وفي كتابها، أغامر بترجمة العنوان:
"عند مرتَفَدِ الموت، الكلّيّ والفرديّ في فلسفة هيغل"، تجد
مجالاً للاستشهاد برسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي... وبالاشتراك
مع بيارجان لاباريار أيضاً، تواصِلُ مسحًا مماثلاً بالتّرجمة
عن الألمانيّة القديمة، والبحث والتّحليل، لنتاج المتصوّف الكبير
المعروف بالمعلِّم إيكهارت، ثمّ هنري سوزو. أمّا حوارها مع صلاح
ستيتيّه فليس الأوّل من نوعه. سبقته حوارات في الفكر المسيحيّ
مع أوجين درُوِرمان وريمون بانيكار وكلود جِفّريه، ثمّ اتّجهت
نحو المفكّرين المسلمين عبر المؤرِّخ التونسيّ محمّد طالبي فالشّاعر
صلاح ستيتيّه. وفي الحوار الّذي يعنينا توظّف معرفةً شبه استقصائيّةٍ
لا بنتاج ستيتيّه وحسب، بل بمصادره ومراجعه والعناصر المكوِّنة
لثقافته.
وبعيداً عن جوّ
المحفّز للأفكار والمنشِّط للذكريات الّذي يكاد أن يكتفي به
كلّ محاوِرٍ، مع العودة إلى "أسئلةٍ مفضّلة" من هذا الجانب أو
ذاك، تبقى خلفيّتها الفكريّة الغنيّة على يقظةٍ تامّةٍ حتّى
تصل إلى درجة الإحراج حين يسمح الشّاعر لنفسه أمامها بمقارنةٍ
بين الشّعر والفلسفة تغضّ من شأن الأخيرة، كما هو منتظرٌ وأكاد
أن أقول كما هو طبيعيّ منه. يتبع ذلك "تفكيرٌ بصوتٍ عالٍ" من
الجانبين، قد يكون أجمل ما في هذا الكتاب. وفي بداية الحوار
الأخير، نكاد أن نسمع تبرّم الشّاعر إذ يقول: "أرجو ألاّ يُطْلَبَ
منّي تعريف الشِّعر. فلقد حاولت ذلك طيلة حياتي". مع ذلك، نراه
"مثل الشّاطر"، بعد أن تستدرجه بكلّ ما تعرفه عن محاولاته السّابقة،
وعن مفاهيم ومعايير يعود إليها كلّما حاول فهم ما يجذبه نحو
الشِّعر قارئًا وكاتبًا، ينبري لنفض الغبار عن أفكاره ومواقفه
وتقويماته محاوِلاً مرّةً أخرى، أن يقول جديدًا في ما ظنّ أو
جعلنا نظنّ أنّه قال فيه كلمته الأخيرة. هذا إذا لم نكن نعتقد
أنّ الكلمة الأخيرة قد قيلت قبله ولو بمعنى أنّ قولها لن يكون
مُتاحاً لأحد.
ومن القضايا
الكبرى إلى ملاحظاتٍ يوميّة ممّا جمّعه الشّاعرـ السّفير على
مرّ حياة جوّاب الآفاق الّتي "كُتِبَتْ" له، كمثل ملاحظته ازدحام
الكنائس في أوروبا الشّرقيّة إبّان انتصار الشّيوعيّة، يقدّم
صلاح ستيتيّه نفسه كمفكّرٍ وإن على نحوٍ توليفيّ إزاء منحى محاوِرَتِهِ
التّحليليّ. ولا يخفى كم يمكن أن يكون ذلك خطِراً على صورته
كشاعِرٍ في عالَمٍ، منذ البداية، وبحكمٍ مبرمٍ لا يسهل ردّه،
فضَّل مجنون ليلى على عاقلها. فهذا العاقل ينفى دائماً من عالم
الشِّعر. ربّا أُعطيَ ليلى عقيلةً، ولكن ليس قبل أن تدنّسَ ليليّتها
أو تجرّد منها. شأنه في ذلك شأن المفتون، في قصيدةٍ لفيكتور
سيغالن، بماءٍ صافٍ رقراقٍ يصنع من يديه كأساً يرفع بها إلى
شفتيه بنشوة العطش ما استطاع من الماء، فإذا به يبتلع قبضةً
من الوحل.
يُنْسَبُ التّفكير
عامّةً إلى نوعٍ من الانفصال عن الحياة أو الوجود، أقرب إلى
الفراغ. بينما يُنْسَبُ الجنون إلى نوعٍ من الامتلاء بل الفيض.
فَيُنْعَتُ المفكّر، إذا تسرّب شيءٌ من فكره إلى فنٍّ من الفنون،
وعلى رأسها الشّعر، بأنّه ذهنيٌّ بارِدٌ أمّا إذا بقي خارج مملكة
الفنّ فسيُمدح لذهنه "الوقّاد". ويختصر هذا الحكم المسبَق قول
الفرنسيّ بيار روفردي، أحد كبار شعراء القرن الماضي: 7-7-لكثرة
ما فكّرتُ قلّ وُجُودي7-7-. هذا الكوجيتو الأقلّ ديكارتيّةً
لا ينطبق إلاّ على تصوّرٍ تجريديٍّ لعمل الفكر. وحين نتبع صلاح
ستيتيّه في بحثه ما بعدَ "إملاء الحواسّ" عمّا هو "أشدّ واقعيّةً
من الواقع" (ص 237)، يبطل الفرق عندنا بين ما يسمّيه مادّة الشِّعر
وما يمكن أن يسمّى مادّة الفكر. ومثل الشّاعر، يتقدّم المفكِّر
لا بعد اللّيل، بل فيه.
يتقدّم؟ بل
يقترب، كمثل القارئ الأمّيّ في سورة العلق، يُقال له، وللمصلّي
بعدَهُ، في وجه من ينهاه عن الصّلاة: "أرأيتَ الّذي ينهى عبدًا
إذا صلّى... كلاّ لا تطعهُ واسْجُدْ واقتَرِبْ". في الاقتراب،
فوق معاني الدّنوّ والتّقدّم، معنًى آخر شبه منسيّ، ألا وهو
القيام بمسيرة ليلةٍ في اتّجاه اليَنبوع. الشّعر الّذي يفكّر
شعرٌ يصلّي أي يعبر ليله الدّاخليّ الّذي يختزل ليل العالم نحوَ
اليَنبوعِ الدّاخليّ الّذي لا معنى، إذا لم يجده، لأيَّةِ مسيرةٍ
ولأيّ اقتراب. ويمكن أن يُشهَدَ لصلاح ستيتيّه بأنّه، وراء كلّ
الأقنعة التّمثيليّة الّتي اضطُرَّ، كما يشتكي في هذا الكتاب،
إلى وضعها على وجهه في حياةٍ دبلوماسيّة طويلة، استطاع دائماً،
ودائماً تعني هنا عند اللّزوم، أن يحقّق، بعيداً عن كلّ انتصاريّةٍ،
هذه المسيرة الصّعبة بين مجنون ليلى وعاقلها.
في آخر الكتاب،
قصيدة حزينةٌ جدًّا، يزيد في حزنها خفر البعد عن أشكال الانتصاريّة،
يذكر فيها اليمام. ترجمةٌ أشارك مصباح الصّمد في تفضيلها على
الحَمام. وما تفضيلي لها بعائدٍ إلى صورة هذا الطّائر في ذهن
الشّاعر، فاليمامة تعبر مجموعاته الشّعريّة حتّى تكاد لا تخلو
منها واحدةٌ، وأتخيّلها دائمًا بيضاء. أمّا ما سمّي باليمام
أمامي، منذ الطّفولة، فلونه أقرب إلى لون القرميد العتيق. هذا
الطّائر الّذي تكاثر في أحياء بيروت القديمة وظلّ برّيًّا، خارج
اكتراثنا وبمنأًى عن كوارثنا، كان له اسمٌ شعبيٌّ لم أجده إلاّ
في ملحق القواميس العربيّة بقلم المستشرق الهولنديّ دوزي: هل
كان ستيتيّه يعرف أنّ اليمامة الّتي تعبر سماء شعره، من البداية
إلى النِّهاية الرِّثائيّة لهذا الكتاب، كانت تسمّى ستيتيّه؟
جاك
الأسوَد
(*) صلاح ستيتيّه،
حوارات مع غواندولين ياركسيك، ابن الكلمة، شاعر بين الإسلام
والغرب،
ترجمة: مصباح الصَّمَد