"هذا الخوف" لهالا محمد
عندما يصبح القلق توأماً للذاكرة
سبعون نصاً تتعقب فيها هالا محمد أشباحا تزعم أنها مرآة لخوف وهواجس وانقباض تتشكل في المكان والزمان والجسد والأشياء.
الخوف، كما تصوره الشاعرة، ليس كائناً يتجول في الذاكرة من دون استئذان. انه الذاكرة عينها. يتنفس كما المسامات. كما الظلّ يسبق صاحبه في تضاريس المكان. يحيل الأشياء وعاءً موحشاً للارتياب. يتقمص القلق أحياناً، ثم يتسلّل إلى سعادة مزعومة فيهشمها.
ومع ذلك، فالخوف يمنح الأشياء ماهيتها، يجعلها أقرب إلى الطبيعة الإنسانية. فهل يقوى المرء على العيش من دون خوف. الأرجح لا. إلاّ إذا ادّعى أنه محصّن ضده. وفي هذا ما يشير إلى هرب دائم من الخوف المتربص به، وليس إلى هزيمة يلحق به:
أخاف من جديد
الثقة... الآمان مفردات كانت
ولم أجرؤ على مواجهة معانيها
امرأة هشة كالسنونو
تخاف استقرار الربيع والصيف
تخاف استقرار القش في الزمن
زمن الرحيل
النص المقتبس شديد الدلالة على ما ترمي الشاعرة إليه. اذ يتحول الخوف الثابت الوحيد في علاقتها مع المفردات المفاهيم وسواها. يصبح الخوف هو المعادلة التي تقلب كل شيء رأساً على عقب. فالاستقرار هو الرحيل الدائم، أي الخوف الدائم، حيث تنعدم الثقة بالافكار الراسخة، العين، في هذا السياق، خادعة لأنها تنقل صورة القشور في حركة خارجية لا تنطوي أبداً على نبضها الداخلي. وحده الخوف يكشف الغطاء عن حقيقة الأشياء، عن ذلك المجرى العميق الذي تستسلم له الذاكرة.
هشاشة تأكل الأخضر واليابس من شجاعتي
وشجاعتي تفتتت إلى حصى بيضاء
تلتمع في العتمة كالطريق الهش
هالا محمد لا تقاوم الخوف، كما يبدو، تستدرجه إلى ملعبها، تنقاد إليه بسهولة. تفسح له المجال ليفتت شجاعتها.
يصبح هو الطريق إلى معرفة أفضل للذات حيث الهشاشة هي القدر الذي يتحكم بمصير الأشياء جميعاً. وفي هذا، تبدو الهشاشة أمراً ضرورياً لاطلاق أشباح الخوف من جحورها.
الخوف يحيل العمر رحلة لاهثة وراء الاحلام. اذ تصبح هذه الأخيرة مدعاة للقلق، فريسة له، وباعثاً على مزيد من الشك في إمكان تحققها:
ينقضي العمر وانت تلهث
يوماً بعد يوم وراء أحلامك
أحلامك أن تحيا دون لهاث.
في تعرّجات هذه الرحلة الطويلة، ثمة متّسع من الوقت لتنكشف الذات على ذاتها، لتصبح الاثنتان في مواجهة دائمة يجمعهما الخوف والانكسار أمام هول المفاجأة:
في الشارع إلى الأمام سر!
أو إلى الوراء! كما تشاء...
لكن لا تلتفت
في الشارع ذات اليمين
وذات اليسار على هواك
لا تتجه! اخفض رأسك إلى الإسفلت
اخفضه أيضاً اخفضه لا تخف
عيناً بعين مع الإسفلت
هذا أنت
الخوف من الخوف وتفاقم الشك والارتياب سرعان ما يتحول في بعض النصوص، حالة جارفة من الذعر الناشئ، في الأساس، عن احساس بأن الانسان محاصر بحرب دائمة تنغص عليه حياته في كل الاتجاهات:
تنمو الحرب في الشارع
تنمو تحت أظافر الإسفلت
تنمو في الخطى تنقلب على الخطى
تنهب الأرض تعلو وتهبط كالتراب
كإيقاع حفر القبر
تنمو في صراخ الباعة.. يستغيثون
الأرجح، ان الشاعرة عثرت على ضالتها المنشودة في الخوف. جعلته الوجه الآخر للإنسان الذي يخيل انه يهرب من قدره. غير أنه لا يقوى على فعل ذلك لأنه في قلب القدر. وفي هذا نجحت هالا محمد في ان تستنطق الخوف، في ان تجعله رفيقاً دائماً وان كان موحشاً. اما مساهمتها الأهم، فمثلت في قدرتها الشفافة على ان تتحدث بلسان الخوف، أن تجعل صوته يعلو على ما سواه في النصوص جميعاً.
وثيقة يوقعها الخوف بامتياز هي النصوص التي بين أيدينا. ثمة توازن دقيق تتوخاه هالا محمد بين الخوف والتعبير عنه، حتى لا تتحول النصوص هذياناً مرعباً يجري على نحو لا تعود الشاعرة قادرة على الحدّ منه. نصوص ملأى برموز معبرة من هذا الزمن المعقد.
الكتاب: هذا الخوف (شعر)
الكاتب: هالا محمد
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2004)
جهاد الترك