حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشاعرة السورية بهية مارديني:

صورة الجسد شعريا

الهمس عندما يعلو والصوت عندما يخفق وزهور الجسد عندما تتفتح هي ابرز المواضيع الشعرية للشاعرة السورية بهية مارديني في كتابها الثاني (للحب رائحة الخبز) وهو كتاب شعري تشريحي يبحث في الممكن واللاممكن الشعري لمسائل انثوية فائقة أن صح التعبير وهذه المسائل تتبدى في التعريف الشعري (الممل) لمعنى الجسد وصوت الجسد وحرية أن يكون للجسد أكثر من معنى ايروتيكي يحمل مدلولات شعرية وليست جنسية صورية قد تسئ إلى الشعر نفسه وحرية الجسد أن يتموضع في شكليه الالوهي والانساني, وعندما تبحث بهية عن المعنى الآخر للجسد في صورته وصوته فأنها تبحث في الخارج الشعري الممكن أكثر ما تبحث في اللاممكن من الصفات والأسماء والجماليات الملازمة لهذا المعنى كأنها تربي هذا الجسد الشعري على نبذ كل ما هو في مضمونه من مشاعر وعواطف وحتى الإيماءات الحركية لليدين والشفتين والأعضاء التنفسية للجلد والملامسة الحسية وغيرها من المكامن الجسمية: (أقبّل) جذوري (قبعت على سريري) (لتستبيح الخطيئة) انصهر فيك (اندفع كمراهقة لم تكتمل أنوثتها) تفتح نهد (وأنا أمر على خديك) وربما التفاصيل الجسدية البريئة والشعرية البسيطة هي التي تخضع لهذه التجربة الحسية المتأخرة وتجزأ هذه التفاصيل الربانية وأقصد صوت الجسد إلى المناقض للجسد نفسه وكانت بمقدور بهية الاشتغال أكثر في تفصيل لغة الجسد وصوته والعمل عليه لو خرجت قليلا من التلقائية المجانية بالنسبة للوصف والتقرير والإسهاب في قراءة الخارج من ذاتها واعتقد أن القراءة الأولى للكتاب هي الكشف عن عورة هذه الصفات وليست الإمعان فيها وهذا هو مغبة القراءة الشعرية الخاطئة كما يقول ادونيس ولكن لا بأس فشعرية بهية تمتهن الصدق والبراءة والاحساس الطويل بقيمية الاشياء الخاصة في تناولاتها أولا ثم المحافظة على إعلاء لغتها الشبقية القريبة من البساطة التي لا تسئ أبدا إلى المتعة القرائية, تكتب بهية عن الخارج من ذاتها كأنها تدخل إليه وهذه هي لعبة الشعر وخاصية الشعر:
صوتك
صدر حنون
صوتك
كل الخطر..

وأغلب الظن أن ما تعمل عليه الشاعرة بهية مارديني في هذا الكتاب أكثر من الرائحة وأكثر من الخبز ليتعدى الشعر نفسه, وهي تعجن الشعر بأصابع أنثوية مرهفة و نشيطة تصل إلى درجة أن قراءة هكذا الشعر هي مغامرة غوص في عوالم الجسد وجمالياته المدفونة تحت أنقاض الكلمة التي تفشل في مرات كثيرة في خداع القارئ لتلعب الصور الشعرية المدروسة بدقة دورها الشهواني الذي يفتح العين الشهوانية أفاق جديدة للسباحة في شعر يوصلك إلى حدود الاعتراف بأن الأنثى ليست جسدا وحسب أنما هي جملة التناقضات الجمالية التي تأخذ من الشعرية مفاتنها ومعالمها المعرفية, ولكن لا أحد يستطيع بلوغ متعة هذه المعرفة كما تبلغها الشاعرة, باعتبار أن مثل هذه المعرفة هي المساحة الممكنة لإفساح الطريق أمام الأنوثة كي تعلن حريتها وتغدو صورة جسدها:
اشتهي الضياع بين يديك
اجمع صوتك تحت وسادتي
كي لا تسمعه امرأة غيري.

وهذه الصور المعرفية تصنع منظورات داخلية بالنسبة للبنية التركيبية للنص المقدم وهي لا تكشف ذاتها ضمن هذا المنظور المعرفي بقدر ما تكشف نرجسية عارمة نحو الأخر في دلالة مخبوءة وتكاد تكون تمرد سافر بين داخلها الباحث عن خارج له وبين نرجسية واضحة نحو تضخيم ذاتها, ولكن كل ذلك لا يعني أن بهية تمارس تناقضا فظا مع ذاتها الشاعرة واناها المتورمة والمتضخمة وهي عارفة تماما معنى أن تكون للأنثى أكثر من حق في التمرد على ذاتها المتعالية لكن في حدود الانتشاء بما هو منجز عاطفيا والعمل على هذا المنجز بالنظر إلى تحقيق رؤى فلسفية هادئة تعيد للأنثى شعريتها المشروعة

قد نبشت الماضي
ايقظت جسدي
من سبات مميت.

واعتقد سيأتي يوم تنهض فيه الأنثى وتدافع عن اناها المتضخمة بأنا أكثر رفاهية وجمالية وذلك عن طريق مكتسبات شعرية قوية وليست عن مكتسبات جسدية عقدت المفاهيم الشعرية منذ نهوض قصيدة النثر لتنهض الأنثى من كبوة ذاتها وتعلن ولو بصوت أشبه بالكسر عن قيام إمبراطورية (أنا موجودة).

بهية مارديني شاعرة سورية *
كتاب (للحب رائحة الخبز)
عن دار الينابيع دمشق 2004

 

إبراهيم حسو



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri