حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"أرض الآخرين" لبشير البكر

خذوا الشعر بحقوله المعجمية

المكتوب الذي يكتبه الشاعر بشير البكر، يُقرأ بعضُه الأساسي من عنوانه. ولئن يكن "أرض الآخرين" الصادر لدى "دار الجديد"، مفتاحاً دلالياً يشير بالإصبع المباشرة الى فنون المنفى والترحال والتيه والسفر والغربة، ممزوجةً بآلام تنحت حجر الحياة وتفتئت من حقوق العيش الوجداني في أحواله المختلفة، فإنه يفتح الباب على احتمالات رافلة بالمعنى المخالف، ليس أقلّها الشعر بالذات، وليس أكثرها السرد الشعري واستدعاءاته.

إذا شاء قارىء مدقق ان يعكف، في ديوان بشير البكر، على شغل تحليلي، استناداً الى حقلين معجميين ينتميان الى أرض الوطن (الذات) وأرض الآخرين (الغربة)، فلن يرتدّ عن الصفحات التي تلامس التسعين قبل أن تجتمع تحت عينيه وبصيرته، مكوّنات المقارنة الدلالية بين هذين المعجمين، والتأويلات التي تمنحه فرص أن يقرأ القصائد - بين جملةٍ من الإمكانات - قراءة معجمية من شأنها أن ترفع الستار عن غنائية اللغة التي يتشكل منها الكتاب، وترفع في الوقت نفسه الستار عن الحياة التي يحياها هذا الشعر (والشاعر إذا تمادينا في التأويل)، وتحت أيّ سماء وفوق أي أرض.

هذا ليس صعباً البتة، فالشاعر يقيم على أرض الآخرين، وهؤلاء هم أهل الغرب الأوروبي. وإذا من تحديد فهي أرض الفرنسيين، وما يجاورهم من أراض وبلدان واناس، تواصل فيها القصائد تنقيبها عن منافي الشعر والحياة معاً.

وهذا، في الجهة الأخرى من المقارنة، ليس صعباً على الإطلاق. فالشاعر إذ يقيم على أرض الآخرين هؤلاء، فهو يكون، حكماً واستنتاجاً وإشارات وإحالات وبالبرهان، قد غادر أرضه هو - الحسكة أو شبه الجزيرة السورية - وأرض أهله وبني عشيرته وقومه ومواطنيه. وهذه الأرض بالذات، لا يبخل الديوان، تعميماً وتخصيصاً، من الدلالة بالأصابع عليها، إعلاناً وتضميناً، حتى ليصل هذا القارىء المدقق الى أن ينادي قرّاءه، واضعاً بين أيديهم وتحت أعينهم، جملة هذه المكوّنات التي تشكل حصيلة الحقلين المعجميين المشار إليهما، فضلاً عن جملة الدلالات التحليلية الناجمة عنهما.

ليس من صعوبة في القبض على هذين، فالديوان يحفل بالعناصر المنتمية اليهما، بل ان هذه العناصر تتغلغل في القصائد الى حدّ إرسال عطورها المتعددة الفوح وصولاً الى هنا وهناك والى كل مكان. ليس لقصيدة واحدة في هذا الديوان أن تبخل على القارىء بمثل هذا التأويل. هي جميعها تتنفس هواء مشتركاً. إنه حصيلة هذه الأرض وتلك، والعيش فيهما. أما هذا العيش فليس من شأنه أن يكون عيشاً حسياً، وبالأيام والأسابيع والسنوات، فحسب، إنما هو العيش الذي يجعل الروح وليمته، فيمعن في افتراسها افتراساً غنائياً يتهادى على متطلبات إيقاع القصائد وإيقاع السرد، معاً وفي آن واحد.

هذا يحتاج بالطبع الى عكوف أكاديمي ليس هنا مجاله، لكن اقتراح هذا النوع من القراءة يتيح في الأقل الأقل، درس أحوال الوجدان المقيم بعضه أو أكثره هنا، فوق أرض الآخرين، والمقيم بعضه وربما كلّه هناك، فوق أرض الذات. أما هذه الإقامة فمن الممكن الواجب أيضاً ان نبحر في تأويلها، اقتلاعاً وتشرداً وانتماءً وهلمّ، إمعاناً في الوصول بالتحليل المعجمي الى غاياته الغنائية القصوى.

قد يسأل قارىء متفحص: لماذا أذكر أحوال الوجدان وما يرفل به من غنائية، دون سواها من الأحوال، ما دمتُ قد فتحتُ الباب على مصراعيه في الدراسة المعجمية؟ أجيب: لان مكوّنات الأحوال الوجدانية، معجمياً، تلتصق الالتصاق أشدّه بجميع ما يطيب للأرض، أرض الآخرين وأرض الذات، ان تكون عليه من معانٍ ودلالات.

ليست الغنائية هنا عنصراً معجمياً ضئيلاً أو خافتاً أو ليُستخفّ به. هي البيت الذي ينزل فيه الشعر فوق أرض الآخرين، مثلما هي البيت الذي غادره في أحد الأيام، وليس من سبيل أو أسباب وظروف تحمله على العثور عليه بسوى الشعر نفسه. هكذا تكون السماء حين ليس من سماء. وهكذا يكون الثوب وجسده حين ليس من ثوب وجسد سوى "أسفار" تحت شمس بعيدة، من باريس الى لندن، حيث أجري بسرعة، يقول بشير البكر، نحو الأسى، أرتجف، حاملا حقيبة صغيرة، خالية من الكماليات. أليس هكذا يكون الحزن دنيئا في أرض الآخرين (صفحة 35)؟ والقول الشعري، طبعاً، سؤالاً واحتمال جواب، هو لبشير البكر، وإن يكن أحياناً فائض السرد والبوح والكلمات.

 

عقل العويط - النهار



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri