آمال
نوار والأفق الشعري
شعرية
الشوق وجمالية التعبير في قصيدة
"أخف
من النسيان"
تشكل الشاعرة المبدعة
آمال نوار استثناء شعريا جميلا في عالم الشعر الحداثي العربي،
و كونها استثناء بمعنى أنها قد صنعت بقوة شاعريتها و رهافة
الإحساس المتوهج داخله ظلها الخاص الذي لا يمكن لشاعر آخر
أن يصنعه غيرها، و هو الأمر الذي يطلق عليه في المجال النقدي
بالتميز الذاتي أو البصمة الأنوية أو ما اسماه النقد الفرنسي
منذ عصر بوفون بالأسلوب، الذي في غيابه يتحول المبدع إلى
فاعل ثقافي ليس إلا.يتجلى ذلك في ديوانها المتميز "تاج على
الحافة" الذي أتى مكتملا سواء من حيث بناؤه التركيبي الجديد
الذي يعتمد على تقنية التفكيك اللغوي لبنية الكلمات و الجمل
المشكلة لها و إعادة تركيبها من جديد وفق تصور بنائي مغاير
يستمد مشروعيته من ثقافة الشاعرة الواسعة و إطلاعها المستمر
على الشعر العالمي في اختلافاته المتميزة و في أبعاده الكتابية
المتنوعة، أو من حيث فعل التشظي الشامل للدلالة المعبر عنها،
ذلك التشظي الذي يمنح للنص معاني مضاعفة و يجعله بالتالي
قابلا لتعددية القراءات قادرا على احتوائها داخله و جعلها
جزءا من بنيته أيضا.و هو الأمر الذي غالبا ما لانجده إلا
في الشعر العالمي ذي القوة الإيحائية الكبرى، كما هو الشأن
مع شعر أرتير رامبو أو شارل بود لير أو ستيفان مالارمي تحديدا
في الشعرية الفرنسية الحداثية أو مع تفجيرات أزرا باوند
أو انسيابات ولت ويتمان أو تعقيدات ت.س.اليوت في تداعياتها
الرمزية المكثفة من جهة، و في الشعر الصوفي العربي و الفارسي
في امتلائه بتلك الكثافة الروحية التي تعجز في الغالب الكلمات
عن التعبير عنها، وتكتفي بإرسال إشارات منفلتة من إطار المكان
و سيطرة الزمان عليها، إشارات تحس و يتم الشعور بها لكن
في المقابل يصعب حتى على العارفين بالشعرو مكائد القصيدة
تأويلها.لكن مع ذلك يظل الاقتراب مغريا و تظل الرؤية متطلعة
لإبصار الصور.تلك الصور التي تثير في النفس عشقا لايضاهى.هذا
العشق المتوهج هو حافزنا للولوج إلى عالم الشاعرة المبدعة
آمال نوار.و ستكون عملية الولوج عبر أول قصيدة في ديوانها
"تاج على الحافة" الذي لقي ترحيبا نقديا لافتا للنظر وكتب
عن أهميته شعراء معروفين من أمثال عبده وازن ; و عقل
العويط مشيدين به و معتبرينه يشكل حدثا شعريا بامتياز.
تنطلق القصيدة من
تحديد الذات الشاعرة لنفسها- و يجب هنا التمييز، كما يفعل
النقد البنيوي
و السيميائي الحديث،
بين هذه الذات الشاعرة و بين الشاعرة الحقيقية آمال نوار،
على اعتبار أن الأولى هي كائن من ورق في حين أن الثانية
هي من لحم ودم، و ما يقال عن الذات الشاعرة يظل مرتبطا بالقصيدة
وليس بما هو خارجها- بكونها تعاني من فراغ مهول حيث كينونة
الغياب حاضرة بقوة إلا أن هذا الغياب هو المولد للأمل إذ
يظل الربيع مختفيا تحت الحجر رغم كل الآلام، حتى وان توالت
الليالي
و السنوات العجاف،
كما يظل الصراع بغية الوصول إلى المرتقب و المنتظر يعلن
عن وجوده بشتى الكلمات والصور.الليل ممتد لما لانهاية و
الفم نقطة برد، لكن النسيان يظل بعيدا .إن الذات الشاعرة
تقسم جسمها في جسوم عديدة، بتعبير الشاعر الحداثي العتيق
عروة بن الورد، وتحسو إناء الماء و الماء بارد.
و هي صورة تناصية
بديعة و غاية في الإتقان.كما أنها و هي تبحث عن الإمساك
بثياب النسيان ترى أن كل ما يمكن أن يحدث هو أخف وطأة من
هذا النسيان الذي حين يأتي قد يدمر كل شيء، بل إن الشاعرة
لا ترغب فيه إذ تعتبره أثقل الهموم من كل الصور المتشظية
التي قدمتها في تناسق إبداعي منفلت، يجعل من الاستحالة ربطها
بعضها ببعض إلا في إطار نفسي يتجاوز الواقع إلى الحلم، خالقا
من خلال عملية التجاوز هاته عالما سوريا ليا خاصا به، لكنه
مفعم و مليء بالجمالية.هذه الجمالية التي تنبني في تلا قح
كيميائي بديع بين صورة الرغبة في رؤية يد عازف الكمان بما
تحمله هذه الصورة من افتتان بالموسيقى التي هي سر الوجود
و الناطق بمكنوناته الوجدانية. لنستحضر أنشودة جبران خليل
جبران الخالدة، أعطني الناي وغن، فالغناء سر الوجود، و بين
صورة ضدية لها حيث الأرض تخلو من الكلام و يصبح بالتالي
هذا الكلام المتدفق لا أرض تسع إمكانية وجوده.
تقول الشاعرة في لغة
شفافة:
(أنمو مُنصتة
كلام لا أرض له
ليلٌ لم ينم بعد
كما لو في ذكرى
حين فمي نقطة بَرْد
وجه
المجهول)
إن الشاعرة هنا تبدع
في خلقها لهذا العالم المتشظي سواء عن طريق تقديم صور متوالية
لا يربط بينها في العمق إلا هذا التشظي البنيوي ذاته على
المستوى التركيبي، وهذا التدفق الدلالي المولد لمعاني غريبة
في إمكانية تمثلها إلا بواسطة الحلم، أو على الأقل من خلال
جعل هذا الحلم ذاته مفتاحا للولوج إلى عوالمها السوريالية
المحكمة البناء.وهو الأمر الذي يذكرنا لعوالم أندري بروتون،
و بقوة تعابيره المنفلتة الصعبة على الإمساك.و هذا لا يعني
بتاتا أن الشاعرة متأثرة بهذا الشاعر ، و إنما إن كان التأثير
حاصلا ولابد فبفكرة الشعر السوريالي في حد ذاتها و ليس بإنتاج
فرد منها حتى و لو كان عرابها المشار إليه.ذلك أ ن الشعر
الذي تقدمه لنا الشاعرة آمال نوار هنا، يشيد ذاته بذاته،
يبني أفقه الخاص به، انطلاقا
من تجارب الشاعرة
نفسها و امتزاج هذه التجارب بتعابيرها الانوية التي امتزجت
بذاتها، وشكلت رؤيتها للعالم المحيط بها. يتجلى هذا الأمر
بالخصوص في المقطع الثاني من هذه القصيدة البديعة، حيث تعلن
الشاعرة عن الشوق الذي يملأ كيانها و يدفع بها نحو الأعالي
حيث لا يوجد هناك إلا المولعين بالكلم السحري الذي يحول
الحجر إلى ذهب.إن حضور الشوق هنا يمنح للنص الشعري قوة تعبيرية
متدفقة يجعل من الذات المعبرة عن دواخلها تتحدث كما لو كانت
تخاطب ذاتها ، واصفة أدق ما تشعر به تجاه الآخر الذي قد
يكون حبيبا أو طيفا يأتي على صورة الحبيب المشتهى الحاضر
بالفعل أو المتوهم في دنيا الكلمات.إن ترديد الشاعرة لجملة
"يسكنني الشوق " جعل الصور بعدها تتوالى، معبرة عن تدفق
عاطفي عميق، خصوصا إذا كان هذا الشوق لا يزهر، لان عملية
الإزهار تحد من سطوته و تعيده إلى سيرته الأولى، فكلما امتنع
عنه الإزهار إلا ازدادت الرغبة في الحصول عليه.
تقول الشاعرة في كلمات
يستوي فيها التعبير الجمالي كأبدع ما يكون، مايلي:
(يسكنني الشوق العميق
المتحدِّر
ربما من نظرة، أو
من بذرة، أو
من حفيف ما،
الشوق الذي غالباً
لا يُزهر
ولا يَزْرقُّ به الخيال
إنما تُستوحى رائحته
من القشرة
وأحياناً تنتابني
رغبة في التنقيب
عن آثاره
علَّني أجدُ عصفوراً
ميّتاً
أو كِسْرة خبز
في بريق العين المُوحشة.)
إن هذا الشوق هو شوق
انفعالي يولد الفعل و رد الفعل معا، و هو تأمل وجداني في
الذات و في الآخر المنطلق منها، و المعاد إليها عن طريق
الحلم، عن طريق لعبة الاسترداد التصوري، عن طريق الخلق المتجدد
له في صور متعددة الأبعاد، وان ظل المصدر واحدا هو صورة
الحبيب ذاته كما رأتها الشاعرة رأي العين أو رأي الخيال
حتى.لكن هذا الشوق حتى و إن انصب على رسم صورة الآخر، فهو
كان مولد طاقة للذات في إطار إبصارها لنفسها و التأمل في
مرآتها الخاصة، حتى وان التجأت في عملية التصوير هاته إلى
لعبة الاستعارة، فالاستعارة هي التي نحيا بها دائما ولا
يمكن الانفلات من سحر الوقوع فيها، خصوصا للذوات المرهفة
الإحساس و المتملكة لقوة التعبير الكلامي وألقه الشعري المتوهج
بتوهج أنفاسها الحرى المحترقة بلهيب الحب الإنساني العميق.هكذا
تتحول الذات في لعبة الاستعارة هاته إلى بحر، لكنه بحر لا
يقوى على الذكرى، لان الذكرى احتراق،كما لا يقوى على حبس
أنفاسه لحطة يغرق في موتاه.الصورة الأخيرة فيها من الروعة
بقدر ما فيها من الألم.صورة استعارية بالغة الجمال لا يمكن
أن تستحضرها إلا شاعرة كبيرة و آمال نوار هي كذلك.إن قلب
الصورة هنا هي عملية استعارية كبرى و ما زاد في توهجها أنها
أتت في غياب التفكير العقلي بها.لقد جاءت تعبيرية، منسابة
من النفس الشاعرة لتصل إلى النفس المتلقية في سهولة ويسر.
و هو ما يدفع إلى القول بأن الشاعرة التي تمتلك قوة التخييل
هذه و قوة التعبير عنها ليست إلا شاعرة كبيرة حتى و إن أصدرت
ديوانا شعريا واحدا.أحيل هنا إلى ديوان "أوراق العشب"للشاعر
الأمريكي ولت ويتمان والى ديوان "أزهار الشر" للشاعر الفرنسي
شارل بودلير كدليل على صدق دعواي.
إن الشاعرة هنا بعد
امتزاجها بالتدفق الشوقي الذي تملكها، ستنطلق منه و به نحو
عوالم أخرى، تظل في العمق أخف من النسيان الذي يترآى لها
مثل شبح يطارد خطواتها.إن النسيان هنا يتجاوز المفهوم الدلالي
المعطى له ليأخذ دلالة ميتافيزيقية لصيقة بالذات الإنسانية
في تحولاتها المرآوية المتعددة الرؤى والأبعاد ، وهوما سيجعل
من الشاعرة تتساكن مع هذا الشوق في تحول ايجابي من لعبة
الانفصال إلى لعبة الاتصال .إلا أن هذا التساكن رغم إيجابيته
سرعان ما سيتحول إلى سؤال مؤرق للذات الساكن في ثناياها.سؤال
حداثي بامتياز لا تتأسس كينونة الذات في غيابه، وهو ما يخلق
أفقا جديدا لهذه الذات الشاعرة المحترقة بإبداعها كما هي
العنقاء تماما.أفقا يتجلى آتيا من بعيد في صورة الآخر المجسد
في ثنايا البحر، كأنه سندباد يأتي بعد سبع رحلات باحثا عن
دفء الحب
و متاهات النوم بين
أحضان الحبيبة.السندباد يتحول في نظر الحبيبة إلى عصفور
ازرق يرفرف بين أعينها كلما نظرت إلى مرآتها أو رغبت في
ذلك.إن الصور الشعرية التي تتدفق في هذا المقطع من القصيدة
هي صور متعددة المصادر،فيها ماهو واقعي مستمد من حياة الشاعرة
نفسها و فيها ما هو رمزي تتحول فيه الكلمات إلى دلالات بعيدة
المرامي يصعب الغوص فيها وفك الطلاسم المحيطة بأسرارها،
وفيها ما هو سوريالي يأتي عفو الخاطر و ينطلق منه الى الذات
المتلقية لا يحمل معنى بقدر ما يدمر المعاني التي يراد إلصاقها
به.كما أن لعبة التكرار للكلمات و للصور المنبثقة منها و
عنها يزيد من انسياب التوتر الإيقاعي في النص و يحقق له
دينامكية داخلية لا توجد إلا في النصوص الكبرى ذات الدلالات
الإنسانية المكثفة.أما في المقطع الأخير حيث تتحول الذات
الشاعرة الى شجرة وارفة الظلال كثيرة الأغصان، بكل ما تحمله
كلمة شجرة من دلالات أسطورية وميتافيزيقية، فإن الأمر يكون
قد حسم.إن الذات الشاعرة تنجح في الغوص في المتاهات المحيطة
بها والانطلاق منها نحو المجالات الأكثر رحابة في الوجود.
تقول الشاعرة مايلي:
(ماذا لو أتبدّد كأقدم
صوتٍ للأمل،
ماذا لو تقتفي الشجرة
أفكاري،
ماذا لو لم تُبالِ
بأن يسقط جذْعها من
تعبي
وخريفها من رعشتي
وبأن يصيبها نسياني
بسهامه
في أعمق ذكرى في غصنها
حيث كانت تحطُّ
أطياف بعيدة وغريبة؟)
هكذا نرى أن الشاعرة
آمال نوار تصور في قصيدتها الجميلة هاته قصة الإنسان الحديث
في تشابكاته المعقدة و تراوحاته بين حدي الأمل و الخيبة
و السؤال و الجواب.
و هي بذلك و بقوة
التعبير الذي اعتمدته في تقديم هذا العالم، المتجلي في صياغة
مختلفة للكلمات و في انتقاء متشظي للجمل تكون بالفعل شاعرة
الجرح الإنساني الوجودي في علاقته بالحب و الشوق و الاغتراب
و المفارقة جميعا، و هوما يجعل من قصيدته هاته
و من الديوان الذي
يضمها انطلاقة جديدة للشعر العربي في صيغته الأنثوية، نحو
مجالات متعددة النواحي و متفتحة الآفاق.و على حد قول رولان
بارت الذي يجعل من الحداثة هي البحث عن أدب مستحيل، فإن
الشاعرة آمال نوار تبحث من خلال هذه القصيدة في بعدها الشذري
ذي الأفق النتشوي و الاستنباط الكافكاوي، بداية هذا البحث
و ليس منتهاه. و هو ما خلق لها جمهورا قارئا لشعرها و متتبعا
لخطواتها الإبداعية، كما جعل من شعراء متميزين بأفقهم الحداثي
يشيدون به و يحرصون على تقديمه كنموذج جدير بالقراءة و المتابعة
النقدية، أخص بالذكر هنا الشاعرين المبدعين قاسم حداد وعبده
وازن.
د. نور الدين محقق /
شاعر وكاتب مغربي