المقدّس
والمدنّس بين الشعر والخلافة
مؤلف هذا الكتاب هو
الأكاديمي والباحث السوري، الدكتور أحمد معيطة الذي يعمل
أستاذا محاضراً في قسم اللغة العربية بجامعة تشرين في مدينة
اللاذقية السورية، وهو حائز على الدكتوراه في اللغة العربية
وآدابها، وقد صدر له بالتزامن مع هذا الكتاب الذي نعرض له،
كتاب آخر بعنوان «الإسلام الخوارجي»، ومنهما نتبين مدى اهتمامه
بقضايا التراث الذي ينظر إليه الدكتور معيطة من منظور حداثي
معاصر، ومختلف، بمعزل عن التصورات النمطية المسبقة.
والى جانب التدريس
والتأليف، فإنه ينشر في بعض الدوريات والمجلات قضايا تتعلق
باختصاصه الأكاديمي والعلمي. يسعى الباحث في كتابه «المقدس
والمدنس، بين الشعر والخلافة» إلى إماطة اللثام عن شخصية
سياسية وأدبية معروفة هي الخليفة الأموي الوليد بن يزيد،
محاولا تقديم هذه الشخصية في بعدها الإنساني الذاتي،
وضمن إطار عقلاني
بعيد عن التصورات النمطية أو الأقاويل المغرضة التي قيلت
فيها، وفي الوقت الذي يخصص فيه الباحث فصلا عن شخصية الوليد
واتجاهاته الفكرية، وسلوكه وصفاته، فإن هدفه الرئيس هو معاينة
تجربة الوليد بن يزيد الشعرية من جوانبها كافة، في محاولة
منه لإيجاد موقع ملائم لها في التراث الشعري العربي.
وانطلاقا من هذا الهدف
فإن الباحث يركز على شعر الوليد بن يزيد، والصور التي ينطوي
عليها، وبنائه الفني، وموسيقا قصيدته وإيقاعها، والتأثير
الذي تركه القدماء على شعره...إلى غير ذلك من القضايا المتعلقة
بتجربته الشعرية، ومن خلال قراءة الباحث لهذا الشعر وإبراز
جمالياته، وأغراضه، وسماته..فان القارئ يكتشف بأن هذه الدراسة
تسلط الضوء، أيضا، على جوانب كثيرة من شخصية الوليد بن يزيد
سواء سلوكه في الحكم، أو علاقاته مع أقاربه، أو شغفه بحياة
المجون والغناء والخمر، أو اعتداده بنفسه...الخ.
إن أهم ما يلفت النظر
في الكتاب هو الجرأة التي يتحلى بها الباحث في مقاربة موضوعه،
بعد أن لاحظ أن معظم الدراسات حول التراث اكتفت بإقرار النصوص
الموروثة، ورسم هالات القداسة والأسطرة حول أصحابها، ولذلك
فهو يدعو إلى قراءة مغايرة للتراث تتطلب، حسب رأيه، غربالا
دقيقا نسج من خيوط العقل المتفتح، الناقد، الجريء، وهو ما
يجسده معيطة لدى حديثه عن الوليد بن يزيد في هذا الكتاب،
إذ يرفض أن يكون كلامه
عن الوليد حديثا عن ماض انقضى، بل يحاجج بأن «الظاهرة مستمرة
والفكرة مطروحة للنقاش في عصرنا، والقضية ليست قضية فرد
مهما علا شأنه، بل قضية ظاهرة متعددة الأبعاد والمستويات
يصلح الوليد أن يكون ممثلا لها من دون أقنعة، ومن غير خوف».
وهذا ما يعطي لحديثه
أبعادا معاصرة، فالوليد بن يزيد كان خليفة للمسلمين وإمامهم،
وهو شاعر شكاك ومتجدد، وعاشق غزل، وشخصية مركبة ودرامية،
يضاف إلى ذلك انه مات مقتولا، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين
من عمره، وهذه السمات تجعل منه ظاهرة معبرة عن مرحلة أفول
السلطة الأموية، وعما وصل إليه الإسلام بعد قرن ونيف من
ظهوره.
وإذا كان الحديث موجها،
بالأساس، نحو النتاج الشعري لهذه الشخصية، فان ذلك لا يتم
إلا من خلال الشخصية ذاتها، ومن خلال علاقاتها المتشعبة
ببيئتها الخاصة، وبواقعها الأشمل، ويقر الباحث بان رسم شخصية
الوليد بن يزيد بجوانبها كافة هو أمر صعب بالنظر إلى أن
شخصيته كانت مركبة، متعددة المستويات والأبعاد، إذ جمع بين
الشاعر والخليفة والماجن العابث.
وما يزيد الأمر صعوبة
ما نُسِج حوله من الروايات والأقاويل في أثناء حياته وبعدها،
وما نُسِب إليه من أقوال وأفعال تجمع على تكفيره وفساد أخلاقه
وعقيدته، وتجعل منه أنموذجا صارخا للانتهاك الديني والأخلاقي
في عصره، غير أن الباحث لا يتوقف كثيرا عند هذه الأقاويل
والمزاعم، فالصراعات السياسية هي التي أفرزت الكثير منها
بحيث كان جلها بعيدا عن الحقيقة، فيلجأ بدلا من ذلك، وبغرض
الإنصاف، إلى شعره كي يرسم تلك الصورة المرجوة،
وكي تكون الصورة مكتملة
فان الباحث يقدم للدراسة بمدخل يبحث فيه علاقة السلطة الأموية
بالنخبة الثقافية، ويتحدث عن الصراعات التي نشأت في ولاياتها،
والسياسة العامة لهذه الدولة..إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة
بهذه السلطة، ومن ثم يفرد فصول الكتاب الخمسة لقراءة تجربة
الوليد الشعرية على مستويي الفكر والفن، وهو لا يقدم هنا
دراسة تاريخية بالمعنى العلمي، بل يتناول موضوعه المحدد
في ارتباطه بشرطه التاريخي.
يعتبر الباحث أن قيام
معاوية بن أبي سفيان بتأسيس الخلافة الأموية التي دامت حوالي
القرن، وإعلان نفسه خليفة في القدس (ثم اتخذ من دمشق عاصمة
لحكمه) على الرغم من وجود الخليفة الراشدي الرابع علي بن
أبي طالب في الكوفة، مؤشرا على ما آلت إليه أوضاع المجتمع
الإسلامي بعد ثلاثة عقود من وفاة النبي، فقد أثار ذلك سخط
الكثير من المسلمين الذين عبروا عن موقفهم بسلسلة ثورات
متواصلة سعت إلى إسقاط الحكم الأموي ولاسيما عند الشيعة
والخوارج، أو الامتناع عن المبايعة أصلا،
وقد أدرك مؤسس هذه
السلطة، ومن جاء بعده، أهمية الشعر والحاجة إليه، فقد دأب
منذ البداية على استمالة الشعراء، وزيادة الاعطيات لهم كي
يؤيدوه في دعوته، وقد عملت هذه السلطة، عبر الخلفاء اللاحقين،
على جعل الشعر بوقا لهم، ومزينا لسياساتهم وأفكارهم، ولم
يبخلوا بعطاياهم في هذا لاتجاه، إذ كانوا يغدقون الأموال
والجوائز لمن يبرع اكثر من غيره في تحسين صورة الخليفة،
وإضفاء هالات القداسة والورع على أركان دولته.
تسلم الوليد بن يزيد،
الذي دام حكمه سنة واثنين وعشرين يوما، الخلافة في أخريات
الدولة الأموية، وتحديدا في 125 هجرية، بعد أن كانت القوى
المناوئة للحكم الأموي قد أرست دعائمها السياسية والفكرية،
وأورثت معتنقيها صراعا مريرا معمدا بالدم مع السلطة القائمة،
وربما كان انصراف الوليد إلى اللهو والملذات في أثناء ولايته
للعهد، وخلافه مع عمه هشام بن عبد الملك.
قد حالا دون احتكاكه
المباشر مع آراء الفرق المناهضة لحكم بني أمية، ولهذا «لم
نقع على ما يدل على موقف صريح له من القوى والأفكار السائدة
خارج دائرة الحكم»، وهو كان اقرب إلى «مذهب الجبرية» لارتباطه
الوثيق بمكانته السياسية، وإذا كان بحكم طبيعته متسامحا
بعيدا عن التعصب المسرف، فلأن شؤون الحكم والسياسة لم تكن
تعنيه إلا بقدر ما يؤمن له استمرار حياته على النحو الذي
يحب، وعرف عن الوليد، كذلك، انه زاد في الاعطيات، وأكرم
قاصديه وسائليه، وهذا ترك أثرا طيبا في نفوس الرعية، خصوصا
وان سلفه هشام كان مقترا وبخيلا.
وعلى الرغم من كل
ما فعله الوليد وهو خليفة يدير شؤون الدولة، ويوجه طاقاتها
وأهدافها، فإنه لا يلبث أحيانا أن يجد نفسه غريبا عن هذا
المنصب غير المنسجم مع أعماقه، باعتباره إنسانا قبل كل شيء،
لا يبحث عن خلوده من خلال تسنم منصبه، وإنما يكتفي بسلمى
محبوبته، وأجواء الشراب والغناء بديلا. ومما يلفت النظر
أن الوليد قدم ابنه الحكم، وهو ابن أَمَة، على ابنه الآخر
عثمان في ولاية العهد،
وهذا يدل على رغبة
حقيقية في أن تحل الروح الإسلامية محل الروح العربية الإعرابية
التي اتسمت بها دولة بني أمية، فقد شهدت المرحلة الأموية
تفاعلا وتأثيرا مع ثقافات وحضارات مجاورة، وقد تحولت العاصمة
الأموية، دمشق، في نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن
الثاني إلى مصب لشتى الثقافات والعلوم السائدة في ذلك العصر،
وقد كانت قبل الفتح الإسلامي لها، «إقليما رومانيا يتثقف
بثقافة الرومانيين ويتدين بالنصرانية...وقد ورث كثيرا من
مدنيات الأمم الغابرة».
نشأ الوليد في هذا
الجو المنفتح، وحظي بمؤدّب كبير من جهة تأثيره عليه، ومن
جهة اطلاعه الواسع وعلمه الغزير، هو عبدالصمد بن عبدالأعلى
الذي درَّب تلميذه الوليد على القراءة والكتابة، وعلَّمه
بعض القرآن والأحاديث، وقواعد اللغة والنحو، والشعر والخطب،
فوعى الوليد أكثر ما قدمه إليه أستاذه من ألوان الثقافة،
وعيا دقيقا، ثم انطلق منه لتوسيع آفاقه، وتعميق معلوماته.
وعني الوليد بالشعر،
وكلف به، واستقدم الرواة لينشدوا بين يديه، ويسائلهم، عن
قصائد بعينها مما ينم عن اطلاعه على التراث الشعري العربي،
كما كان يعقد المجالس الأدبية التي يحضرها الشعراء، والنقاد،
والظرفاء، والمغنين، والجواري، والمسلين من الأمصار المختلفة،
وبسبب علاقته بهم، وما بدر منه من أشعار أسيء فهمها، نُعِت
بالزندقة، وهي تهمة خطيرة على المستوى الديني والسياسي والاجتماعي،
وقد روَّج لهذه التهمة عمه هشام بعد أن أدرك انه لن يتنازل
عن ولاية العهد لابنه مسلمة،
وفضلا عن ذلك اتهم
أيضا بالكفر والمجون والاستهتار بالقيم الدينية السائدة،
وهنا يقول الباحث «لن نرد على ما قاله المؤرخون المغرضون،
أو الرواة المتحيزون، كي نؤكد أو ننفي هذه التهم، ففي أشعار
الوليد دلائل كثيرة على إيمانه، وفيها أيضا قرائن على ما
يدحض هذا الإيمان وحلول الشك والإنكار مكانه»،
ومثل هذا الأمر وارد
في التاريخ الإسلامي كما كان الحال لدى ابن المقفع، وابن
الراوندي، والكثير من المتصوفة، غير أن ما يشد الانتباه
هو أن الوليد يختلف عن أولئك في كونه يمثل أعلى سلطة دينية
ودنيوية في المجتمع الإسلامي، فهو خليفة الله على الأرض
من وجهة النظر الدينية.
إن تجربة الوليد الشعرية
كانت تتويجا للحياة التي عاشها، بكل ما فيها من المرح والترقب
والأسى، وهي تكمل تجربته في الحياة، وتعمقها، ويستخلص الباحث
عدة سمات لهذه التجربة، ومنها أن الدوافع المكونة لهذه التجربة
ذاتية بحتة، فلم يكن الشعر عند الوليد وسيلة للعيش أو لاكتساب
صيت أدبي، بل كان تعبيرا عن حالات من الانفعال والتوتر أو
محاولة للعب بالكلام واللهو، فاقتصر شعره على رؤاه وتصوراته،
والسمة الثانية لشعره
هي طغيان التجديد والاهتمام بالموسيقا، فبدت مقطوعاته الشعرية
ألحانا موسيقية تنم عن معرفة قائلها بأسس هذا الفن وقواعده،
خصوصا وانه كان مولعا بالغناء والطرب، ويرى الباحث، ثالثا،
أن صدور التجربة عن واقع معيش ذي سمات معينة قد جعل صورها
الفنية مأخوذة من هذا الواقع بانزياح طفيف معتمدة على حاستي
البصر والتذوق بشكل خاص، أما السمة الرابعة فتكمن في تأثر
الوليد بتجارب سابقيه،
ولا سيما تلك التي
تتقاطع مع تجربته وتتشابه معها في الموضوعات، والشكل الفني،
مثل عدي بن زيد العبادي، وعمر بن أبى ربيعة وسواهما، إلا
أن تأثره ـ كما يؤكد المؤلف ـ لم يكن نسخا ولا تقليدا، فقد
أضفى من ذاته، ومن تجربته المعيشة، ما يحقق لشعره خصوصيته،
ولعل أهمية تجربته الشعرية تتجلى في أنها شكلت صلة الوصل
بين عصرين، وأرست دعائم المقطوعة الشعرية القصيرة المغناة،
المصوغة بأسلوب بسيط، ولغة عادية بعيدة عن وقار البلاغة،
وقواعد الشعر السائد، آنذاك.
الكتاب فضلا عن انه
يقدم مادة معرفية غنية عن حياة الشاعر والخليفة الوليد بن
يزيد، فانه يحفل بالكثير من القصص والحكايات والروايات التي
تعود إلى العصر الأموي، وهو يضم أبيات عديدة من شعر الوليد
كشواهد لدعم الرأي المطروح هنا وهناك، وثمة إحالات إلى مراجع
ومصادر مهمة في التراث العربي مثل
«الكامل في التاريخ»
لابن الأثير، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه، «الشعر و الشعراء»
لابن قتيبة، و«الأغاني» لأبي فرج الأصفهاني، و«البيان والتبيين»
للجاحظ، و«الملل والنحل» للشهرستاني، و«مروج الذهب» للمسعودي،
و«تاريخ الأمم والملوك» للطبري، وغيرها من المصادر التراثية
القيمة التي تدلل على الجهد المبذول في إنجاز هذا الكتاب،
وتمنحه بعدا علميا محكما، فضلا عن المتعة التي يقدمها عبر
سرد الكثير من القصص والروايات الطريفة والمحببة.
المؤلف: د. أحمد معيطة
/ عرض: إبراهيم حاج عبدي