حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

باودولينــــــــو

كتـــــــاب الأكاذيـــــــــب لأمبرتو ايكو

قريبا من نهاية رواية (باودولينو) يسأل مؤرخ يعود إلي القرن الثاني عشر رفيقا له طالبا منه النصح، وهو عالم وفيلسوف بيزنطي يدعي بافنوتيوس، كانت قد فقأت عيناه عقابا له علي عدم نجاح اختراعاته. كان المؤرخ منهمكا بتأليف كتاب عن أعمال السلب والنهب التي جرت في القسطنطينية أثناء الحملة الصليبية الرابعة التي تشتت جيوشها في أصقاع الأرض، وشعر بالتعجب من اقتراح المخترع أن يقوم بحذف بعض التفاصيل من القصة: "نعم، إنني اعرف بان هذه ليست الحقيقة كاملة، لكن في التاريخ يمكن للحقائق الصغيرة أن تتلاشي لكي تظهر الحقيقة العظمي بجلاء اكبر". ورغم انه كان يري الحكمة تتجلي في تلك الكلمات، إلا أن المؤرخ وجد أن من الصعب عليه خسارة قصة جميلة ؛ لكن الرجل الأعمي أكد له انه في يوم ما، عاجلا أم آجلا، سيأتي كاذب أقوي منهم جميعا ليعيد سرد تفاصيل الحكاية بشكل أو بآخر.

كان العام الذي تجري فيه الأحداث هو 1204، والمؤرخ هو نيكيتاس كونياتيس، ويتناول الكتاب تأريخ سقوط القسطنطينية وتعرضها للسلب، أما الأمور التي يراد حذفها فهي عن مآثر شخص يدعي باودولينو. بالطبع فان نظرة عاجلة خلال صفحات الرواية سوف تكشف بان نيكيتاس كان قد أصغي لنصيحة صديقه ــ ليس هناك ذكر لباودولينو ؛ وكذلك لا توجد أية إشارات لرفاقه المشاكسين، السبب الحقيقي لموت الإمبراطور فريدريك الأول بارباروسا، الذين قاموا بحملة لكسب الأرباح من وراء ترويج الآثار الدينية المزيفة في مسعي ملتو للحصول أخيرا علي الكأس المقدسة، أو حكاية الحب التي تمني بالإخفاق علي حدود المدينة الفاضلة. (ثق بي، لقد تأكدت من نسختي التي احتفظت بها دوما في متناول يدي. لتكن حرا أنت أيضا وتتحقق من نسختك). ومثلما توقع الرجل الأعمي، فقد جاء كاذب كبير في واقع الأمر، محترف للزيف والخداع بحيث انه كتب حتي تنبؤات عن وصوله علي صفحات القصة ذاتها.

في روايته الرابعة هذه، يصوغ امبرتو ايكو بمراوغة مذهلة نسيج (باودولينو)، كان هذا شخصا محتالا ينحدر من اليساندريا. ومثل ايكو، فباودلولينو كان ضالعا بمعرفة لغات عديدة، ولديه اهتمام بالتاريخ والسياسة، ويتذوق الأطعمة الشهية، ويلطف مثاليته الصارمة بحس فكاهي مشاكس. رغم أن أصل باودولينو كان يتلبس بشيء من الغموض ضمن تلميحات ايكو الماكرة، إلا إننا نعرف أن والده ويدعي غاغلياودو اولاري، ذلك المحتال الأسطوري من اليساندريا كان قد أنهي حصار المدينة من خلال حيلة استخدم فيها بقرته (الاسم الأخير لجد ايكو كــــــــــــــان إدمــــــاجا للكلمات أو "منحة السماء") والكتاب ذاته يدعي بان الكأس المقدسة ربما تكون عبارة عن صخرة سقطت من الجنة ؛ لكن الشيء الذي ربما يكون ذا أهمية بالغة هو أن كلا من باودولينو وايكو كانا يستشعران متعة اســـــــــــــتثنائية في سرد حكاية جميلة.

هذا العشق لسرد القصص ينتعش في الرواية كلها، التي يمكن عدها أكثر أعمال ايكو خفة وكوميدية. في ظل حكمة بافنوتيوس التي تقول أن التاريخ ما هو إلا فعل السرد ، يعمل باودولينو علي عدة مستويات في آن واحد، فهو يربط بين قصة مغامرات عن حياة المتشردين والأفاقين وتحليق خيالي باختراع تاريخي. الرواية في جوهرها هي قصة باودولينو، وهو شخص انتهازي صفيق شعره كث كأنه لبدة الأسد، بلسان فصيح وقلب عاشق للذهب. لكن بما أن الرواية لامبرتو ايكو، فلا شيء يأتي بتلك البساطة، فـ (باودولينو) مغلفة بطبقات عدة من أشكال السرد، لا احد منها يمكن التعويل عليه لوحده في الوصول إلي مقاصد المؤلف علي وجه التحديد.

بداية نقول أن القصة مؤطرة إلي حد كبير بذلك الحوار الطويل الذي يجري بين باودولينو ونيكيتاس كونياتيس. حيث يلتقيان وسط نيران القسطنطينية المحترقة، ويعقد الاثنان صداقة لأنهما من جنود الصليب اللاتينيين الذين أوقعوا المدينة في تلك الفوضي العارمة، وسلبوا كنوزها وذخائرها المقدسة التي لا تقدر بثمن. وبينما كان مختبئا من المهاجمين ويرتب عملية الفرار، يعترف باودولينو لنفسه بأنه كان مجرد كاذب متمرس ويستمر في إخبار نيكيتاس قصة حياته، ويا لها من قصة مثيرة، تحتاج إلي أيام لتتكشف علي حقيقتها. ومن ثم يصل باودولينو بحكايته إلي مأزقهما الحالي، ويساعده الرجل البيزنطي في حل لغز قديم، يأتي بخاتمة غير متوقعة لحكاية صديقه المثيرة للعجب.

علي العكس من روايات ايكو الأخري، لا يقصد من (باودولينو) أن تكون مخطوطة يكشف عن مضامينها شيئا فشيئا، ولا أن تكون حكاية مباشرة بصيغة المتكلم. في الوقت الذي تشكل فيه الأحاديث التي تدور بين باودولينو ونيكيتاس النص الرئيسي للكتاب، إلا أن هذا الحوار بالتحديد يسرد من قبل مؤلف كلي العلم لا يخشي التعليق علي طبائع الشخصيات وأفعالها. وتكون النتيجة في نهاية الأمر قصة داخل قصة، كل مستوي منها يوفر المزيد من التشويش. (سيكون شيئا لطيفا أن نسمي هذا بالسرد غير المستقر أو غير المعول عليه!)

هذا لا يعني القول بان من الصعب متابعة خيوط رواية (باودولينو)، إنها صعبة التصديق فحسب، وهذه نصف الحقيقة فحسب. بعد أن ولد وترعرع وسط مستنقع بارد وأطلق عليه اسمه تيمنا بـ"القديس الوحيد الذي لم يحقق معجزة علي الإطلاق" يري ذلك الشاب الإيطالي (أو يتصور انه يري، لان باودولينو يعترف بأن التمييز كان عسيرا) مجموعة من الرؤي الغامضة وسط الضباب: قطيعا من وحيد القرن، قديسين، أباطرة وما إلي ذلك. ومنذ وقت مبكر يكتشف باودولينو بان رؤاه لها القدرة علي التأثير في الناس، من الفلاحين البسطاء الذين يصدقون الخرافات إلي الرجال العظماء الذين يبحثون عن شيء ما يؤكد شطحاتهم. ذات يوم يواجه فريدريك الأول بارباروسا، الإمبراطور الروماني المقدس دون أن يعرفه علي حقيقته. وصار منذ ذلك الوقت يتزلف إلي احد أسياد الحرب مستخدما الأكاذيب. يترك اباه غريب الأطوار، ويغدو باودولينو الشاب ابنا بالتبني للإمبراطور. ومن وقت لآخر كانت خططه الجريئة تنجح في خدمة الإمبراطور. وسرعان ما يجد باودولينو نفسه عضوا موثوقا فيه في المحكمة الإمبراطورية، وبما انه كان قد تعلم في باريس ودرس علي يد علماء وأساقفة، وتنقل بين مناطق الإمبراطورية الأكثر سخونة، يشارك باودولينو في المناقشات السياسية والاكليروسية، والمناسبات الإمبراطورية والحملات العسكرية.

ضمن هذا الحصن المنيع من الأسماء والأماكن والأحداث التي تعود للقرون الوسطي وغالبا ما تكون مربكة للقارئ، يستخدم ايكو شخصية باودولينو وكأنه مكوك، يعيد من خلاله نسج حوادث التاريخ البعيد والأساطير، فيكون باودولينو دوما حاضرا في خلفية الوقائع المهمة ؛ رغم انه ليس مثل شخصية وودي الن، إلا انه يمتلك من المقومات ما يقربه من المؤلف، وهو يفعل كل ذلك بتآلف وعبقرية خاصة بحيث أن حتي نيكيتاس ينخدع فيصدق حكاياته. حسب باودولينو، فهو نفسه كان العقل المدبر الذي يهيمن علي التلاعب السياسي والذرائع القانونية التي يتطلبها تبرير حكم بارباروسا، فيختلق أسطورة الكأس المقدسة ، ويعطي غاغليادو فكرة استخدام بقرته لإنقاذ اليساندريا من الحصار. ويثبت باودولينو أيضا كونه المؤلف الحقيقي لتلك المراسلات المشهورة التي تمت بين ابيلارد وهيلواس! (رسائل غرام لم تبعث أبدا كان الهدف منها بالأصل التعبير سرا عن هيام باودولينو، وكانت تتضمن أيضا ردود حبيبته الخيالية).

يزخر الكتاب بمثل هذه المفاجآت والمؤامرات، ويكافئ ايكو قارئ السرد باستعاراته الساخرة العبثية. ومثلما يتوقع المرء، كانت (باودولينو) تزخر بالكلمات المفتعلة والتهكم الأدبي؛ كلمات كأنها مستمدة من (رحلات جلفر)، وعالم بورخس المذهل منقولا إلي مدرجات الكولوسيوم العالية، ولا يقف الأمر عند كلمات رابالييه في القديس فيكتور بشكل يكاد يكون مفتعلا، بل إن ايكو يلمح إلي روايته الأولي (اسم الوردة)، التي نعرف أنها مخطوطة تعود لراهب خيالي من القرن الرابع عشر يدعي ادسو من مقاطعة ميلك. وبعد كل ذلك ينهي باودولينو محاولته في الكتابة بالشكوي والتذمر،"وفيما قال الرجل ذلك أحسست بألم ينغزني في إبهامي..."

في الوقت الذي يضفي فيه هذا الأسلوب الممتع في التناص علي الرواية عمقا إضافيا ، إلا أن الزخم إلي الأمام يتحقق عبر انبهار باودولينو المتزايد بمملكة بريستر جون. هناك أسطورة متداولة تعود إلي القرون الوسطي، تقول أنها مملكة سحرية مفقودة في مكان ما من الشرق، ارض احتلها ملك مسيحي، منتظرا التوحد مع إخوته الروحيين في الغرب. لقد حظيت القصة بشيء من المصداقية من خلال رسالة مزعومة من بريستر جون ، معنونة إلي العديد من الملوك الغربيين تصف مملكة تزخر بالكنوز البراقة والآثار المقدسة والكائنات الرائعة. وبما انه كان يشعر بشوق معرفي لمثل تلك الأسطورة الخلابة علاوة علي احتمال استثمارها سياسيا، لا يري باودولينو أي ضرر في تخليد القصة، وسرعان ما يجمع حلقة من المعتقدين المماثلين له الذين يسهمون في تزيين الحكاية أكثر وإضفاء لمساتهم الفردية عليها.

وبعد أن تحرر من الخدمة في بلاط الإمبراطور من خلال الموت الغامض للملك فريدريك، يقرر باودولينو الطاعن في السن أخيرا أن يستثمر قدراته الخاصة في الخلق والإبداع، فيترأس جماعة من الشعراء والفلاسفة طلبا للعثور علي مملكة بريستر جون. كان عددهم اثنا عشر رحالا فيسيرون في طريقهم كأنهم في موكب أسطوري (قصيدة ت.س. اليوت رحلة المجوس) ويعتاشون في رحلتهم علي بيع الآثار المقدسة المزيفة. وخلال رحلتهم في الأراضي الغريبة، كانوا يمضون الوقت بالمناقشات العلمية والجدل اللاهوتي. ومثل جماعة الحجيج لدي دوروثي ريتشاردسون،"كانوا يبحثون عن الساحر". كان لدي كل واحد من أولئك الرحالة سبب خاص به لاكتشاف المملكة، يوتوبيا كانوا قد تخيلوها في نفوسهم يرغبون في أن تتجسد للوجود.

رغم ذلك فهنا تكشف (باودولينو) عن نقطة ضعف غير متوقعة . فبينما تبدو هذه الرحلة أرضا خصبة للشخوص المعقدة التركيب والنقاشات الأدبية الغنية، يقضي ايكو وقتا قليلا جدا في تطوير شخصياتهالفردية، تاركا للقارئ سبلا محدودة لمعرفة انفعالاتها العاطفية والفكرية. حتي وان بدت مجادلاتها تلك عقيمة في الغالب ، في الوقت الذي تعرض فيه مجاميع من الأفكار الباهرة، إلا أن القليل منها يتابع ويستجلي بشيء من الحماس الحقيقي. إن المرء يتوق إلي ذلك العمق والكثافة التي أضفاها ايكو علي شخصياته وحواراته المعمقة في أعماله الأخري مثل (أسم الوردة) و(البندول). إننا نفتقد هنا ذلك الوهج الفكري للمؤلف، الأفكار التي تتدفق بالجملة إلي حلبة الصراع وتتكاثف في وحدة نصية غنية التراكيب، الشخصيات التي تتيح المجال لدراسات معمقة في طبيعة التجربة الإنسانية. ومثلما في (جزيرة الأمس القريب) وخلال القسم الأكبر من (باودولينو) يميل ايكو لوصف الشيء ألعجائبي بواقعية مذهلة، ويرفع الدنيوي فيجعله يسمو من خلال الإبداع المقارب للشعر. وبينما يكون لذلك تأثيره الايجابي حتما، إلا أن وصف شلال الصخور المتساقطة علي سبيل المثال كان صاعقا فحسب، حيث يشعر القارئ وكأنه مقيد عند سطح النص، ينزلق من فكرة إلي أخري مثل صخرة متدحرجة علي الماء. لكننا نجد استثناء من ذلك يتمثل في المشاهد المتعلقة بها، وهي حسناء مثل جنيات البحر تأسر قلب باودولينو وتعيد إليه صوابه. كانت لدي هايباتيا وهي المحبة للمعرفة الكثير من الأفكار المثيرة، ومعتقداتها وعواطفها هي التي تثري أفضل أجزاء الكتاب. (ربما يكون من المفيد القول بان المؤلف نفسه ادعي انه قد وقع في حب هايباتيا) هنا يقترب ايكو من السمو، يزاوج اللغة بنشوة شعرية إلي جانب متعة الفكر الآسرة. أنها تقول له:

"الله هو التفرد بحد ذاته، وهو متكامل إلي درجة انه لا يشبه في كيانه أي شيء موجود أو أيا من الأشياء غير الموجودة، لا يمكنك أن تصفه باستخدام ذكائك الإنساني، كما لو انه شخص يمكن أن يغضب إذا تصرفت بسوء أو يقلق عليك انطلاقا من الخير، شخص له فم وآذان ووجه وأجنحة أو انه الروح أو الأب أو الابن، أو حتي نفسه. من خلال كونه متفردا لا يمكنك القول بأنه موجود أو ليس موجود، انه يشمل كل شيء لكنه ليس شيئا واحدا من ذلك كله، يمكنك أن تسميه فقط من خلال عدم التشابه مع شيء علي الإطلاق، لان من غير المجدي أن تسميه بالخير، الجمال، الحكمة، المودة، القدرة، العدالة، كأنك تسمي دبا، نمرا، أفعي، تنينا أو العنقاء، لأنك مهما قلت عنه فلن تستطيع وصفه. الله ليس جسدا، ليس شخصا، ليس شكلا من الأشكال ؛ انه لا يري بعينين، لا يسمع بأذنين، لا يعرف الاختلال والقلق ؛ انه ليس روحا، ذكاء ، خيالا، فكرة، رأي، كلمة، عددا، نظاما، حجما ؛ انه ليس التساوي ولا عدمه، ليس الزمن ولا الأبدية ؛ انه إرادة فحسب ... حاول أن تفهم هذا، يا باودولينو: الله نور بلا لهب، شعلة من الضوء تخترق ظلام الأبدية العمياء، دائرة من السناء تتوسع وتتمحور علي مركزها، بساطة التفرد والعزلة، انه.. انه .." وتوقفت وهي تبحث جاهدة عن مثال يمكن أن يقنع كلا منهما معا، هي المعلمة وهو التلميذ. "انه فضاء لا نكون فيه أنا وأنت الشيء نفسه، مثلما نحن عليه اليوم في هذا الزمن الراكد". كلمات قوية يرغب المرء بالمزيد منها. وبعد ذلك فما تزال (باودولينو) مليئة بالقدرة علي الابتكار وإثارة الاستغراب، ويبدو من غير المجدي القول أنها مختلفة في هدفها عن أعمال الكاتب السابقة، فبعد ثلاث روايات ذوات تركيبات معقدة تميزت بالحوارات غير المنتهية والالتواءات النظرية، من يستطيع توجيه اللوم لايكو أن يأتي بشيء من المرح؟

تعد قراءة (باودولينو) بالتأكيد شيئا ممتعا. رغم وجود شيء من الإطالة ، فتنقلات الإمبراطور كانت تبعث الملل في النفس، وكان ايكو يقحم نوعا من الطابع الهزلي في محاولة لتخفيف حدة الصراع التاريخي وخاصة تلك النزاعات التي كانت تدور بين دويلات المدن بعد موت فريدريك. كان يختلق التوقفات حينا أو يجعل السرد منفتحا متراخيا باتجاهات غير متوقعة بشكل متزايد في أحيان أخري.

في الوقت الذي تفتقر فيه (باودولينو) إلي ذلك النثر الراقي والمناقشات المكثفة التي تميز أعمال ايكو السابقة، إلا إنها مثل باقي الكوميديات الجيدة تقدم صورة ساخرة عن العالم الذي نتصور غريزيا انه العالم الحقيقي. ومع هذا فتلك السخرية تتولد من الولع، وليس الاحتقار. إن ايكو يشاكس الإنسانية لأنه بكل بساطة مولع بها. النقد لا ينحدر أبدا إلي مستوي الازدراء ؛ هناك نقاش محتدم من اجل الحياة في الرواية، جدل من اجل الحياة، مرح ومثابرة، وحتي القدرة علي تحقيق الأحلام. مثل كتابات ماركيز، توازن قصة ايكو بين التعبير الذاتي الرومانسي والوعي الذاتي لما بعد الحداثة، منطلقة من نقطة يعمل فيها التياران علي تنشيط كل منهما الآخر. أن (باودولينو) تنقل رسالة مفادها أن الفرد حر في أن يكتشف المعني وان يتصرف بشجاعة أخلاقية، ســــــواء في الحب أم الحرب. في نهاية الأمر فان (باودولينو) ما هي إلا قصة أخري يمكن أن تقرأ بطرق عدة. وحتما ستفترض إحدي القراءات أن أكاذيب بطلها تجعل التاريخ خاليا من المعني؛ لكن القراءة المعمقة أكثر تفترض بأنه من خلال الخيال السردي يمكننا أن نتصور مستقبلا أفضل. وإذا لم يتحقق ذلك، فان كاذبا أعظم سيأتي دائما ليعيد سرد تفاصيل الحكاية بشكل أو بآخر.

 

ترجمة: مصطفي ناصر / بغداد



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri