فرويد
تأليف
:روث سناودين
مؤلفة هذا الكتاب
هي الشاعرة والمفكرة الانجليزية روث سناودين. وهي تقدم هنا
لمحة عامة عن حياة مؤسس التحليل النفسي وأعماله. ومنذ البداية
تقول بما معناه: ولد سيغموند فرويد يوم السادس من مايو عام
1856 في مدينة صغيرة تدعى فريبرغ بمنطقة مورافيا: أي في
جمهورية تشيكيا حاليا.
ولكن عائلته سرعان
ما هاجرت إلى مدينة فيينا عاصمة النمسا، ولم يكن عمره يتجاوز
آنذاك أربع سنوات. وقد تحدث عن نفسه لاحقا وقال: كنت الأول
في الصف طيلة سبع سنوات متواصلة، وكنت أتمتع بوضع استثنائي
نتيجة ذلك. فقد أعفوني من الامتحانات نظرا لتفوقي.
ويبدو أن والده تزوج
مرتين وربما ثلاث مرات. ولكن لا نعرف شيئا عن زواجه الثاني.
كل ما نعرفه هو أن زواجه الأول حصل وعمره سبعة عشر عاما.
وقد أنجبت له امرأته الأولى ولدين هما إيمانويل وفيليب.
ثم طلق زوجته، وبعد فترة من الزمن تزوج للمرة الثالثة من
أم فرويد وكان عمره أربعين عاما.
أما زوجته فكان عمرها
عشرين عاما: أي من عمر ولديه!وفي العام الذي تزوج فيه من
أم فرويد تزوج ابنه الأكبر ايمانويل ثم لحقه فيليب. وكانوا
جميعا يعيشون في بيوت متجاورة.
ولهذا السبب فإن فرويد
كان يلعب في طفولته مع أبناء إخوته الكبار لأنهم كانوا من
عمره. كان يلعب معهم وكأنهم إخوته أو أبناء عمه في حين أنه
كان عمهم!وهذه الحالة العائلية المعقدة هي التي تفسر لنا
سبب اهتمام فرويد بالتحليل النفسي للمشكلات العائلية.
ففي رأيه أن كل واحد
منا هو نتاج طفولته وما حصل فيها من أحداث. نقول ذلك وبخاصة
أن والده يعقوب (جاكوب) غطّى على أسرار حياته الأولى بحجاب
صفيق. وربما لهذا السبب حاول فرويد أن يفك اللغز والأسرار
لاحقا بعد أن بقيت في الظل مستورة لفترة طويلة.
في الواقع أن الوضع
المعقد لعائلته هو الذي دفعه لاحقا إلى دراسة أسرار العائلات
لكي يفهم سبب العقد والأمراض النفسية الناتجة عنها.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
ونظرا لتفوقه في دراسته الإعدادية والثانوية فإن أبواب الجامعة
فتحت أمامه. وهناك درس الطب لعدة سنوات، ولكن هذه الدراسة
خيبت آماله، وقد أصبح طبيبا رغم أن واقع الطب في وقته ما
كان يهتم إلا بالظواهر الجسدية والتشريحية، أما العوامل
النفسية فكان يهملها بشكل كامل، ولذلك شعر فرويد بالخيبة.
فالجامعة الأوروبية
كانت واقعة تحت تأثير الفلسفة الوضعية بشكل كامل، وهذه الفلسفة
كانت تقول باستحالة معالجة الاضطرابات النفسية بشكل علمي.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
وفي عام 1885 حظي فرويد بمنحة دراسية إلى باريس، وهناك تعرف
على أكبر طبيب نفساني في ذلك الزمان: شاركو.
وكان قد اخترع منهجية
جديدة لمعالجة الأمراض النفسية هي منهجية التنويم المغناطيسي.
وقد استخلص فرويد من إقامته الباريسية النتيجة التالية:
إن أسباب الهستيريا والأمراض النفسية ككل ليست ناتجة عن
أمراض جسدية وإنما عن أمراض نفسية داخلية.
وفي عام 1886 فتح
فرويد عيادة في بيته بصفته طبيبا للأمراض العصبية، وكان
ذلك بعد فترة قصيرة من عودته من باريس، ولكن زملاءه في الجامعة
سخروا منه ومن نظرية التحليل النفسي كلها. ولم يأخذوها على
محمل الجد في البداية على عكس ما كان يتوقع.
ولكن أبحاثه العديدة
دفعته إلى الاعتقاد بوجود دوافع نفسية غامضة وجبارة تقف
خارج منطقة الوعي الظاهري. ولهذا السبب اخترع مصطلح اللاوعي،
وقال إنه توجد في أعماق كل منا قارة مظلمة ومعتمة ومجهولة
تدعى اللاوعي.
وهي التي تتحكم بتصرفاتنا
وحركاتنا أكثر من الوعي. وهذه النظرية أرعبت معاصريه لأنها
أشعرتهم بأنهم محكومون من قبل الغرائز العميقة التي لا يستطيعون
السيطرة عليها. وعلى هذا النحو أصبح الإنسان مسلوب الإرادة
وغريبا حتى في بيته!
في عام 1896 مات والد
فرويد عن عمر يناهز الثمانين. وقد أثر عليه هذا الموت كثيرا
ليس لأسباب عاطفية فقط وإنما لأسباب علمية. فنظريته عن الأعماق
النفسية تطورت كثيرا بعد هذا الموت.
فبدءاً من تلك اللحظة
اختفت الاضطرابات القلبية التي كان يشعر بها منذ زمن طويل
والتي جعلته يعتقد بأنه سيموت شابا.
وبالتالي فإن موت
والده حرّره من أشياء كانت مخبوءة.
وراح يتساءل عن السبب.
ما علاقة وفاة والده بهذه المتغيرات السيكولوجية والجسدية
التي طرأت عليه؟ بدءًا من تلك اللحظة انخرط فرويد في التحليل
الذاتي لذاته: أي في تطبيق التحليل النفسي عليه هو شخصيا
وليس فقط على الآخرين.
وهكذا انخرط فرويد
في أكبر مغامرة استكشافية يمكن أن تحصل لمخلوق: لقد غطس
كليا في دهاليزه النفسية وأعماقه الداخلية لكي يعرف كيف
تشكلت شخصيته منذ الطفولة وما هي الأحداث التي أثرت عليه
أو صاغته وكونته.
وعندئذ اكتشف عقدة
أوديب: أي غيرة الطفل على أمه من أبيه! فقد تذكر فرويد بعض
أحداث الطفولة و رأى أحلاما عديدة دفعته إلى الاعتقاد بوجود
هذا الشعور المذنب لدى كل طفل. نقول ذلك ونحن نعلم أن أوديب
الملك في الأسطورة الإغريقية اشتهى أمه بل وتزوجها بالغلط!
وهذا الشعور المذنب
نخفيه على أنفسنا نحن البشر عادة لأنه يشعرنا بأكبر قدر
ممكن من العار. ثم انخرط فرويد بعدئذ في تأليف أشهر كتاب
له ألا وهو: نفسير الأحلام. وقد صدر عام 1900. وهو يعتبر
من أهم الكتب في تاريخ المعرفة ككل وليس فقط التحليل النفسي.
وعلى الرغم من عظمة
هذا الكتاب والاكتشافات النظرية والعملية التي ينطوي عليها
إلا أنه فشل بشكل ذريع في المكتبات.
فقد أمضى فرويد ست
سنوات لكي يستطيع أن يبيع منه ثلاثمئة واحدى وخمسين نسخة:
أي بمعدل خمسين نسخة في السنة!
ولكن الكتاب حقق نجاحا
ساحقا لاحقا. ولا أحد يعرف عدد طبعاته ولا ترجماته إلى اللغات
الأجنبية. وراح فرويد يستخدم الأحلام بعدئذ كمادة ثمينة
لتحليل مرضاه.
ففي كل يوم كان يسألهم:
ما هي الأحلام التي رأيتموها في الليلة الفائتة؟
وهذا ما يفعله كل
محلل نفساني في الواقع. فالأحلام هي مرآة الشخصية، وبالتالي
فعن طريقها نستطيع أن نفهم علل أي شخص وأوجاعه.
ومعلوم أنه إذا كان
الشخص مضطربا من الناحية النفسية فإن أحلامه تجيء على هيئة
كوابيس مرعبة.
وإذا كان مرتاحا ومنسجما
مع نفسه فإنه لا يرى إلا الأحلام العذبة. وبالتالي فالأحلام
هي مرآة الشخصية في الواقع.
بعد أن تشكلت أفكار
فرويد وتبلورت مصطلحاته جيدا راحت حركة التحليل النفسي تولد
بالفعل. وكان ذلك عام 1902. في ذلك الوقت كان فرويد يمضي
العطلة الصيفية في إحدى المناطق.
وقد أرسل أربع بطاقات
إلى تلامذته لكي يجتمعوا عنده بشكل دوري كل يوم أربعاء من
أجل التباحث في الشؤون النفسية والعلمية. وسماها فيما بعد
بسهرات الأربعاء.
وكانوا جميعا من الأطباء
المختصين بتحليل الأمراض العصبية. أو قل كان اثنان منهم
طبيبين مختصين أما الثالث فكان مناضلا اشتراكيا هذا في حين
أن الرابع كان مريضا، ولكنه أصبح فيما بعد محللا نفسانيا
بدوره.
وفي أثناء هذه السهرات
كان كل واحد منهم مدعواً للتحدث بشكل شفهي ودون الاعتماد
على نص مكتوب. وفي عام 1907 ازداد عدد المشاركين في الاجتماعات
فأصبح اثنين وعشرين عضوا بدلا من أربعة.
ولكن المشكلات ابتدأت
تظهر بينهم مما اضطر فرويد إلى حل الجماعة. وقد أرسل لهم
رسالة يقول فيها إنه يعتزم تأسيس جمعية جديدة قائمة على
أسس أخرى. وبالتالي فمن لا يريد المشاركة فيها له الحق في
الرحيل. وبالفعل، فقد أسس الجمعية النمساوية للتحليل النفسي.
وكانت أول جمعية من
نوعها في العالم. ولكن لحقتها فيما بعد جمعيات أخرى كالجمعية
الباريسية، والأميركية، والانجليزية، الخ.
وكان من أشهر أعضاء
الجمعية شخصان هما ألفريد آدلير، وكارل غوستاف يونغ. والأول
كان اشتراكيا ثوريا، هذا في حين أن فرويد لم يكن يهتم بالسياسة
على الإطلاق. وقد حصل خلاف بين الرجلين لاحقا على الرغم
من تقدير فرويد لمساعده أدلير.
والواقع أن حب القوة
حل لديه ـ أي لدى أدلير ـ محل حب الجنس أو الدافع الجنسي
لدى فرويد. وهذا ما زاد من شقة التباعد بينهما.
وعندئذ راح فرويد
يهتم بيونغ أكثر من أي شخص آخر. وراح يعلّق عليه الآمال.
وبالفعل فقد أصبح يونغ أحد كبار علماء النفس في العالم ولكنه
انشق عن أستاذه فرويد.
والواقع أن كارل غوستاف
يونغ (1875-1961) يعتبر أشهر منشق في تاريخ التحليل النفسي،
ولذلك فإن جماعة فرويد تكرهه أشد الكره.
وقد اختلف فرويد مع
يونغ حول تفسير الدين. فالأول اعتبر الطقوس الدينية بمثابة
عصاب جماعي، في حين أن الثاني قال بأن فقدان الإيمان قد
يؤدي إلى السقوط في مرض العصاب. مهما يكن من أمر فإن شهرة
يونغ أصبحت تؤذي فرويد وتجعل منه منافسا له وليس تلميذا.
* الكتاب: فرويد
* تأليف: روث سناودين
* الناشر: هودير موري
لندن 2006
* الصفحات: 224 صفحة
من القطع الكبير