حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الإنسان من زاوية عدم كونه الكائن الأعلى

يستكمل علي حرب، في كتابه الجديد تقديم اطروحاته الفكرية والسياسية التي سبق وأن عرضها في كتابه السابق: "هكذا أقرأ ما بعد التفكيك". ويطالب بمساءلة مفهوم "الإنسان"، قصد تفكيكه وإعادة بنائه، والذي توضع بشكليه: الإنسان بالوكالة عن الله، أي بوصفه خليفة الله وأشرف المخلوقات والكائن الذي سُخّر له كل شيء، والإنسان بالأصالة عن نفسه، أي الشكل العلماني السافر والمباشر، حيث الإنسان يحمل المسؤولية عن نفسه بنفسه من دون مرجعية غيبية، ويقدس نفسه بوصفه سيد الطبيعة ومالكها، أو بصفته كائناً أعلى أو ذاتا متعالية، يبيح لنفسه كل شيء. ذلك أن أنقاض الخراب والدمار والكوارث تسائل الإنسان عما اقترفت يداه، وتجعله أقل عقلانية ومعرفة مما نحسب أو نظن، أو أقل تديناً وصلاحاً، وبالتالي أقل إنسانية، لينتهي واقع الأمر إلى توصيف حال هذا الإنسان المدمر ووسمه بـ"الإنسان الأدنى" وذلك على التضاد مما كان الفيلسوف "نيتشه" يسميه بـ "الإنسان الأعلى"، مع أن إنسانية نيتشه وسواه قد تمّ نقدها وتجاوزها منذ أمد بعيد.

ويخالف منطق الكتاب كثير من السائد، فكرياً وثقافياً، وخصوصاً أفكار أصحاب النزعتين، الدينية والانسانية، وحجته هي أن تطورات العصر الراهن تدفع إلى القيام بعمليات إعادة نظر جذرية في تلك النظريات التي تنطلق من الانسان، أو تلك التي ما تزال تتعاطى مع الإنسانية بوصفها المثال والهدف. ذاك أن كل الدعوات الإنسانية وحقوق الإنسان والحقيقة والحرية والعقلانية والعدالة، تستند إلى منظومة فكرية لم تنتج سوى حالات بربرية في العالم. حيث لم تعد المسألة الدفاع عن إنسانية الانسان، لأن انسانيته ليست المستهدفة، بل صارت هي المشكلة والمحنة. وعليه فإن المطلوب هو فتح ملف الانسان بصفته "الجلاد وجرثومة الفساد بمركزيته ونرجسيته، بشراسته وهيمنته، بامتلاكه اسلحة التدمير الشامل والمنهجي لثروات الارض". وبالتالي يقترح المؤلف مفهوم "الإنسان الأدنى" بصفته ناتجاً عن استراتيجية نقدية، والاعتراف المتبادل، والبعد المتعدد، والصيغ المركبة، والهوية الهجينة، وعقلية الشراكة، وما إلى ذلك من اصطلحات ثنائية يجترحها المؤلف، كي يؤكد على دونيتنا على المستوى الوجودي، أي ككائنات بشرية، واعترافاً بحقوق الحيوان والنبات والطبيعة، وأساساً للاعتراف بحقوق بعضنا البعض، على الصعد السياسية والمجتمعية والثقافية، أو حتى المعرفية. والحصيلة هي اقتراح مصطلحي يخرجنا من هذا النفق، عبر الانخراط في معركة مضادة للأنسنة التي قادتنا إلى البربرية والارهاب والكوارث والفواجع، مع أن المسؤولية تقبع في مكان آخر، ولا يتحملها أي تعميم كان.

يؤمن المؤلف بالمصطلح اللغوي أكثر من المفهومي، وبقدرته وامتلاكه قوة تحفز على التفكير والعمل، مع أنه يدعو إلى خلخلة مفهوم الإنسان كما توضع في مركزيته لمصلحة الشركاء الآخرين في الكون، أملاً في الاستجابة إلى التغير الحاصل في العالم وضرورة انعكاسه علينا في "نمط وجودنا"، وعلاقاتنا وروابطنا، و"صورنا عن أنفسنا"، في سبيل عالم مغاير "أكثر صلاحاً ونفعاً"، بواسطة العمل النقدي وإدراك عمق "أزمة الإنسان والعقل الكوني"، وخيبة الأمل من الوعود الزهرية التي قدمتها الحداثة للمجتمعات البشرية. ذلك أن الأفكار تمتلك قدرة تداولية قادرة على خلق مساحات وصيغ وقواعد للتعايش السلمي، ومواجهة الشطط في المواقف التي تحملها أطراف مسيحية أو إسلامية أو علمانية تحمل سمة إمبريالية وكليانية، كي تتم إعادة ترتيب أولويات الإنسان ونمط علاقاته مع الحياة والبيئة والأرض، وتدبر جديد لمفهومي التقدم والهوية، خصوصاً عند من يجعل منها متراسا يفصل بينه وبين الآخرين، مع أنها تحمل أكثر من بعد وتغتني بتعددها واختلافها.

ويناقش المؤلف شعار "الإسلام هو الحل"، الذي يريد منه أصحابه أن يكون مفتاحاً سحرياً يصلح لفتح كل الأبواب المغلقة، معتبراً أن طرح "الأسلمة" يشابه المشاريع الكليانية التي سقطت في امتحانات التاريخ، مع أن العلمانية ليست هي الأخرى في أرض العرب في أفضل أحوالها. والمراد من كل ذلك هو تأكيد وجود أزمة عالمية بنيوية تضع مفاهيم الحرية والديموقراطية والمواطنية والعلمانية والحداثة موضع التساؤل، وتدخل بنا في عالم جديد سمته "المخاطرة" والحداثة الفائقة. وما يؤكد الأزمة هو أن الكوارث هي "ثمرة سيئة ومدمرة لصنائع الإنسان ومخلوقاته"، والبربرية لصيقة الحضارة، وهي نتاج أنساق النظر والاعتقاد التي تتبع منطق التقديس والتجنيس، وليس نتاج أفعال زمرة من البشر والنزعات.

لا شك في أن كتاب علي حرب يعالج مشكلات تمس الإنسان وواقع الحياة مثل موضوع الدين، لكنه يغرق في الاستخدام المصطلحي الذهني على شاكلة صفة وموصوف. مع أن قضايا الدين والارهاب والمجتمع والاسلمة والازمة تحتل مساحة هامة في حياتنا الفكرية والثقافية. وهنا يقرّ بأن الإرهاب في منابته الاجتماعية والاقتصادية هو كذلك نتاج عقول مغلقة انتجت مفاهيم وروجت لها مثل "الحاكمية الالهية" و"الفرقة الناجية". ولا تنحصر المسؤولية في "الاتجاه الإسلامي" وحده، بل في الفكر الايديولوجي بمختلف أطيافه وألوانه. لكن المؤلف يلامس جذور الإرهاب والاستبداد وسواهما في المنبت الثقافي المؤسس على النص، ويتغاضى عن الأسباب السياسية الاجتماعية والاقتصادية، لأن عالمه هو عالم الأفكار، المتعالي على السياسة والاجتماع، وبالتالي يرى الحل في ابتداع مشروعية جديدة تقوم على "فك الوصاية الحصرية وكسر منطق الوحدانية في التفسير والتعبير والتمثيل، وبفتح الهوية على التعددية".

ويأخذ المؤلف بعض قرارات المنع والحجر على الكتب التي يقال إنها تمس الدين، مثل رواية "شفرة دافنشي" لدان براون، كي يندد بالمواقف المحافظة التي تدعي الوقوف عند الثوابت، منتصراً للقراءات التحويلية للنصوص على النفس وعلاقتها بالمقدس، ويعتبر أن صعود الأصولية في العالم هو معادل لنكوص وتبديل الوظيفة الأصلية للدين، وتحوله إلى استراتيجية مدمرة، فيما يعتبر الإرهاب الداء الأول في مجتمعاتنا المعاصرة. لذا فإن الاشتغال على تفكيك مفهومه هو ضروي للوقوف على أواليات عمله. فالارهاب ينبع من أزمة الهوية والمعنى، وهو ثمرة العقول المغلقة وعبادة الاصول وتقديس النصوص. لكنه "حصيلة أوامرنا الالهية وحكوماتنا الدينية ومرجعياتنا الغيبية وشعاراتنا الاحادية وثوابتنا الابدية". ويرجع جذره في تلك المحاولات الهادفة الى أسلمة الحياة المعاصرة إنطلاقا من معتقدات اصطفائية تدّعي امتلاك الحقيقة، وفي شعار الحاكمية الالهية، واقصاء الآخر. ثم يشدد المؤلف في قراءته للعلاقة بين الدين والمجتمع، على الخلافات المذهبية بين السنّة والشيعة، كي يخلص إلى أن مصدر الخلاف هو الصراع على السلطة والنزاع حول أحقية الخلافة بعد الرسول، إذ ترتب على هذا الخلاف الذي لا يزال مستمرا، تكفير من هذا الفريق أو ذاك، لكنه في الواقع يدور حول قضايا وافكار ميتة او مستهلكة لا وظيفة لها سوى اعادة المجتمع الى الوراء. وبالتالي فإن المآل الذي وصلنا إليه يحتم علينا إلقاء الضوء على النصوص والمراجع التي يتمترس وراءها كل فريق في شن حربه الرمزية والفعلية ضد الآخر، من خلال تهم التكفير أو الإقصاء والالغاء. ويدعو المؤلف أصحاب المذاهب إلى الكف عن "الاعتقاد أنه مالك الحقيقة ومحتكر المشروعية أو الممثل لخط الاستقامة"، وذلك إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم، وفي مقدمها مفهوم "التسامح" الذي يبدو كأنه هدنة بين توترين أو فتنتين لمصلحة مفهوم "الاعتراف" المنفتح على التعددية، وينهل من قيم العصر التواصلية والتداولية. الأمر الذي يستلزم التخلص من أسر الماضي وأثقاله، والنظر الى المستقبل وما يحمله من تحديات جديدة وممارسة نقد الذات بشجاعة، أي تجديد اللغة الدينية وتحميلها مقاصد ومفاهيم وقيماً جديدة، بما يعني تغليب "إرادة المعرفة" على ما سواها واستخدام العقيدة كرصيد ثقافي أو مخزون رمزي للجماعة.

وبما أن استحقاقات وتحديات عديدة تواجه الفكر الديني، خصوصاً مع التغيرات والتحولات المتسارعة التي يشهدها عالم اليوم، فإن المطلوب هو تغيير العدة الفكرية المتصلة بنظام الفكر، ومفرداته، ومناهجه، بغية الوصول الى عقلانية جديدة لادارة الاشياء والهويات والمصالح، والعيش في هذا العصر. ويدعو المؤلف إلى الاعتماد على العقل التركيبي التداولي، كونه يمتلك قدرة الانفتاح على الواقع المتعدد، وقدرة على الخلق الجديد. وبالمقابل يرفض مقولة "صدام الحضارات"، ويحاول كشف زيفها وحجبها للصراعات الداخلية داخل المجتمعات وفي كل ثقافة، وطبيعة العلاقة العضوية بين الإسلام والغرب. ويطرح مشاركة العرب والمسلمين الفاعلة في بناء الحضارة الكونية، عبر الشراكة والمداولة، والاعتراف المتبادل والمسؤولية المتبادلة عن المصائر.

 

عمر كوش
الكتاب: الإنسان الأدنى
المؤلف: علي حرب



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri