
جمع المؤنث العاشق
تاب جديد آخر تحت عنوان ((جمع المؤنث العاشق))
صدر مؤخراً للشاعرة اللبنانية فاديا الخشن. وهي المجموعة الرابعة
للشاعرة التي تصدر عن دار الينابيع بالتعاون مع الشركة العربية
الأوربية للصحافة والآداب والنشر. تستمر
الشاعرة في كتابها الشعري الجديد بالتناغم مع الحداثة عبر استعمالات
لغوية باهرة تخدم الجملة الشعرية وتمنحها قوة تصويرية عالية
حول العالم ومكوناته، وذلك من خلال نهر متدفق من الأفكار التي
ترتدي ثياب المهرجان الكوني للحياة الغارقة في الضباب والحزن
والعتمة على حد سواء. الشاعرة فاديا الخشن تجسد في أسلوبها الشعري
فيضانات من الصور التي تجسد مخيلة شعرية واسعة ومهمة على صعيدي
الخلق والتوليف. الكتاب الجديد يؤكد الانطباع على أن قصيدة النثر
ما تزال تخترق الحصون وتنثر نجومها في أكثر الأمكنة حساسية وتفوقاً
وقدرة على نسج البلاغة الإبداعية التي تجعل منا مخلوقات تحت
تأثير الحب.
من
أجواء الكتاب:
أجراس الذهب ونهود السيليكون
تحت لوحة النار الهادئة
ما عدت أذكر
أكان نهرا بعينين
أم عين بنهرين
الجمالُ موسيقى تتسلق
الماء بساقيها
والفل أمام المرايا
يختصرُ لغة الأشجار
إلى متى سنبقى دولتين على خريطة؟
عشقنا رسم على الورق
وأهدابنا ستائر تلتهمها
العاصفة
من نسغنا فقط مؤونة الحب
أنا التي كلما مررت بخاطري
طاش خصري
وخرج نبضي عن الطاعة
منذ البدء كان الإنسان
حيوانا بسبابة
كانت الأنامل أكثر دفئا
من النار
وكانت حرارة النهد
مؤونة للشتاء
و قبل الطب كانت القبلة
صيدلية
والسؤالُ أصغر من بؤبؤ العين.
و الدم بلا مخالب قبل التاريخ.
كان الخبيز لا يخشى العاصفة
وكانت خطوط اليد
مفوّهة قبل الورق
و سهيل كان دفتر العاشقين
وردٌ يفرغ رحيقه
في فم القصائد
ملكة كانت الشمس
وجنرالا كان القلمُ.
فيما الحب محكمة
على أعلى التلال.
قبل الحزن كان
القمر رغيفاً فرحاً
سابحا في فضاء الاكتفاء
وكان البحر ضحكتنا
الواسعة
وحقل القمح مهرجان
الشهوات
فهل يشرب الظامئ ماء الخرائط؟
المنفى تمثال أعرج
والغربة قمر محاق
النردُ البربري
السعادةُ
ساقطة ٌ
على الطريق.
والوجوه خرائط تنحني
على محيط الغبار.
وأنت شحوب يتمنى
فوق التراب.
طيور تتسعُ
برأسك كضوء قمر،
لا يتعب من مشقة الاحتراق
أنت الحبر وبشفاهه المغامرة
سندباد.
وكل كأس بعدك
شبه جزيرة فارغة.
ليت السماء ما أنزلت ريشها المهاجر
على بلاغة قزح تفتح بفعل
الريح على عنق امرأة من العناقيد.
ولا تلبست عقولٌ بخمورها
قبعة الخزامى.
ليت دخان الطوائف يخرج
من نوافذ الكلمات.
فلا يخفق أفق الغد بجنح
أسود فاحم.
ليت على سلم الأغاني،
يوزعُ البحرُ مقتنياته.
فلا تصير السُبحةُ أغنية سياسية.
فترتشف الرقابةُ القلمَ
ويهمهمُ الظلام في هوة الورق.
ليت الخوف ما أستلذ بثنايا روح.
ولا الفراغ ارتمى برائحة جسد.
ليت الجوع لا يحفر سراً فوق الأطالس.
ولا الفصول تصير عريضة الوسادة.
ليت الرمز لا يصير وطواطاً أعمى.
لنفتتح برحابة طير نوتة الفضاء.
جمع المؤنث العاشق
الحب حب أثناء الحرب وبعده
الحب حب أثناء السلم وبعده
بالحب والشعر أحول ماء الجسد إلى كهرباء
هو أول دولي النامية
وله البياض السهي الراكض بضوء الكلمات على الورق المشوي
هو السائس إلى سرير النسيم
الموزع على القلاع
والطمأنينة المستبدة
هو اللاجئ إلى قلاعي
بولاعة وقصيدة وله
أبدل كل يوم ريش مناراتي
لحظة أ ن يطرد الرمل من العظام
متوزعا على الأرواح القصية وفرودها (النجوم التي تطلع في أفاق
السماء لانفرادها)
جناس طباق أنخاب
ونحل وورد محنى
وشفاه تهرول خارج النبيذ اللاهث
أقمار
على قطعة أرضي
إرث الضوء
إبرة الملاح
والبركان الناسك
ألملم ملامحه من مجموع مقاطعي
ومن العواصم المتوالدة
في كل معنى
أهو الحب
ويتجه إلى مثلث برمودا
حيث يسقط حجر العين لؤلؤاً سائلا
على عباد الشمس التائه
أهي تجليا ت المركب اللغوي
أم عمود نسائم الكتابة الحرة
أهو الضارب على اليد واللسان
العالم الجاهل
لا يفقه كيف يبدأ ولا كيف يحيا أو يموت
وشم على ذقن لحظة غجرية تقطع حدائق الحمراء
أو وعد في مناخ لوحة قتيلة
فيها العصافير تتأمل
فكرة الصيد
فيما هو الجالس في العين
على الكرسي المكهرب
ممتدة أصابعه للشمس
تمسّد تفاصيل الضحايا
له تنسمت الرياح
وتأرجت الفراديس
هو الكوكب المحتمي
بقهقهات الأشجار
لعل الزلزال ثأر غيابه
لعله الفيضان ما سك قشته لعله الرامي من علو الحدس تاج الملك
ليذهب النهار
وليأت بالقمر معطرا
ولنمض خارج التراب اليومي
إلى بسالة تهدم ضفاف الخوف
مطلقين الجمال
يقتات مخلوقات اللغة وآفاقها المطلة على
فسحة الآلهة
شفّاف الزمن ماسي
كأس بين شفتين
يوم مسكني الحب من سياق القصيدة
وأطلٍقني مع الطيور
وضجيج الأشجار
كم كان عطرا لاهثا
يؤنث الوردة
ويمزج غنج الشمس برواهف الخيال
كم كان زمنا طائرا
يعلو في ضباب الأساطير ليعود متهدجا
ماشيا في جنائز براكينه
أمن أجله استحار السحاب
اللؤلؤ على العنق غريق
الجمال دعوة عامة
والعطر ملخص شامل
وأنتِ كأي وردةٍ
يتساقط عرقك قرب الحب
كالبرعم المدبب كزنبق الماء
تغلقين شفاه الليل
وتغرقين تحت مائها
بودرة ومخمل ليل المدينة
يلف بجمره فساتين بؤس.
والساقط من العين الساحرة
عمراً بالعطر يرتطم.
أنا التي رأيتُ
في مدارات الحبر الشاسعة.
الحروف منائر..
ورأيت وراءها البحر
بالصيد يهنأ.
ورأيت الراعي بلا سهل
يلتهمه حفيف الشجر.
أيكون المستقبل
في فراغ العالم ثمرة نايلون منضب
وتكون أنت المضمر
في اقتراحاتك النائمة على برد
وعطش
أنا التي رأيت
في بطن الأيام الحمل السفاح.
حيث الغربة شهور حرام
والدمعةُ سقوط غرناطة.
والكواسب.
تتساقط على مدار الوقت
أنا التي رأيت الطاولة مستديرة
لم توحد طوفان ولا طوائف.
و لا أطياف ولا طائف
أنا التي رأيت الحب
ملكة الانصهار.
في وتائر البرهان
حيث الحياة محكمة نقض
والسعادة ضيف عديم الانحياز.
…
…
قمرٌ يقلّبُ ذهبه
وخوذته الحمراء تلمع في البعيد.
هل لقرع طبول النصر؟!
نعمة أن تستمر ماء على الجبين
نعمة أن تعانق طفولات الشعر العالم المأوزن
الكرزُ شهيّ فوق تلة النار
والحبُ عينٌ للأمام..
واللؤلؤ على العنق غريق.
كذا مروحية العقل
لا تراوح.
لقد بلغ الحوار النهد.
وما من موج إلا في عروقنا
يلهثُ.
أنا التي رأيتُ
الجمال عصير الآلهة.
خالد جهاد / كاتب وناقد صحفي