جان جنيه شعرية
التمرد والتوثيق السيري
يعد إصدار كتاب (جان
جنيه شعرية التمرد نصوص وحوارات) من إعداد وتقديم: د. مالك
سلمان عن دار كنعان للدراسات والنشر، من منطلق الوفاء وعرفان
الجميل للكاتب الفرنسي جان جنيه الذي عُرفتْ له مواقف مشهودة
في نصرة القضية الفلسطينية والقضايا العربية عامة. إلا أن
الكتاب، من دون أن يشأ ذلك، خرج الى غايات أخرى تخص النمط
الإنساني الخاص بجنيه والعوالم الموصوفة بالتناقض التي صدر
عنها هذا الكتاب، فبالتأكيد ثمة جانب توثيقي بيوغرافي يمس
السيرة الخاصة بالكاتب، وجانب تأويلي يتضمن أنماطاً من الفهم
والتفسير غير متباعدة لجان جنيه إنساناً وكاتباً أكثر منه
إنشغالاً بنصوصه ومدوناته. وتعد الحوارات نصاً حضورياً يتضمن
ما يتضمنه من إشارات خارج نصية واستفزازات حية وتوثيق للحظة
خاصة ومحددة في سياق جنيه المؤلف.
إن الكتاب عامة يختص
بالكاتب لا بنصه حتى مع توفر نصوص لجنيه من مثل (أربع ساعات
في شاتيلا)، و(كتب لم يتحدث عنها أحد)، و(نظرات خاطفة على
أمريكا)، و(مؤتمر ستوكهولم)، و(الأخوة كارامازوف).. التي هي
نصوص متعلقة بمواقف جنيه وجهوده ومشاركاته في مناسبات ومواطن
انتقاد معروفة له، فهذه النصوص بمثابة مرافقة لحركاته وأفعاله
أكثر منها قائمة بذاتها وهي مذكرات ومشاهدات وآراء في لحظات
محددة في تاريخ معارضته أو في الأصح مناوءته للرأي العام الغربي..
هذه المناوءة وإن اتخذت شكل المعارضة والأنتقاد حد التمرد
إنما تكشف عن طابع من رد الفعل الحاد الذي اتخذه الكاتب نصاً
وسلوكاً بوصفه الطرف المهمش من معادلة المجتمع بمؤسساته وقدراته
التي رزح تحت ضغطها جنيه طفلاً يتيماً ثم جانحاً في مؤسسات
العقاب التقليدية التي انتقدها في فرنسا معززاً بمرحلة من
الثورية كان من أعلامها سارتر ونجوم تلك المرحلة الآخرين.
إن مساندة جنيه للعرب
تدخل ضمن منطلق رفض الهامش للمتن، أي هي صورة لانتقاد المركزية
الفكرية الغربية التي تجسدت في إقامة إسرائيل وإسنادها على
حساب العرب. لذلك كم أجد أن عنوان الكتاب كان ناجحاً مع تصديه
لمهمة تصنيف موقف جنيه إزاء العرب ، إذ إن هذا الموقف هو جزء
من تمرده ومظهر من إنقلابه على ذويه المجتمع الغربي الذي اضطهده
وعاقبه من ذون ذنب منه الأمر الذي دعاه الى الإتيان بالذنب
وارتكابه سواء في سلوكه الجنسي المنحرف أو في بحثه الدؤوب
عن كل ما يحتوي غضبه وتمرده بدءاً من مناصرته للفهود السود
في أمريكا وليس انتهاءً بنصرته الشعبين الفلسطيني واللبناني
وإقامته الطويلة في المغرب العربي حتى أنه قضي هنا وقبره الآن
مطل على الأطلسي في المغرب، ومن هنا نفهم لماذا كان أخلاؤه
غالباً هم من العرب أمثال عبد الله الراقص على الحبال ومحمد
القطراني في طنجة وغيرهما، إنه بذلك يتناغم مع نظرائه في الخضوع
والتهميش والمعاناة بفعل الآخر.
يوثق محمد شكري جانباً
من سيرة جنيه في (أيام طنجة)، لكني لا بد من أن أعلٌّق هنا،
بحكم أن المقارنة تفرض نفسها في سياق التوثيق والكتابة السيرية،
بسطحية توثيق شكري وضعف وعيه ومستواه الكتابي مقارنةً بجنيه
أو بخوان غويتسولو الذي وثق سيرة جنيه في أسبانيا، وإن برز
واضحاً أثر بعض الشخصيات المحيطة بجنيه في المغرب في ما وثقه
شكري من اهتمامهم بالاحتيال على جنيه والنصب عليه وإظهار أثر
البيئة ربما لانشغال شكري بالوصف الخارجي ونقل الحوارات القصيرة
العابرة.
في الحوارات المقامة
مع جنيه يبرز اكثر من طابع يعكس إهتمام المحاوِر (بالكسر)
والمزاج الخاص بجنيه، ومنها مثلاً الحوار الذي أجراه سعد الله
ونوس معه بوصفه مهتماً بنوع من صبغة ثقافة عربية تحاول أن
تؤسس لها فهماً خاصاً وتحاول الأستعانة بغيرها من خلال الاتصال
بأديب من مثل جنيه، لذلك من الطبيعي أن نجد الأخير يخاطب ونوس
قائلاً: ((للأسف لاحظت أنكم موشومون بالثقافة الغربية وأنتم
تشكلون أنفسكم وفقاً للنموذج الأوروبي، وهذا يعني أن الغرب
إصطادكم في فخه الماكر. لقد نجح في أن يصبح مرآتكم، وأن يحفر
في أعماقكم شعوراً بالنقص حياله)) وعند ذاك يسأله ونوس عن
السبيل الى حل تلك الإشكالية على المستوى الثقافي، فيرد عليه
جنيه بأنه عليكم أن تكسروا المرآة الغربية على المستويين الثقافي
والنفسي..
وكسر المرآة برأي جنيه
يعني إعلان التمرد على المركزية الغربية التي يبحث جنيه عن
سبل للخروج عليها ولم يجد حتى عند العرب عزماً على ذلك، لذلك
يبدو متذمراً ملولاً وهو يحاول ذلك أو يطرحه لأصدقائه العرب.
إن تعاطف جنيه مع الفلسطينيين
أو مع العرب عامة إنما هو نقمة جنيه على الغرب التي يبحث لها
عن شكل، شكل لغضبه على المجتمع الذي شرده ولم يمنحه أباً وأماً
مثل الأبناء الأعتياديين، إن دعم جنيه للعرب يدخل ضمن شعوره
بأنه غير أعتيادي وغير مقبول مثل العرب تماماً. فليس سلوكه
وعلاقاته الشاذة إلا ردة فعل طويلة الأمد للأنحراف عن مسار
المؤسسة التي عانى في ظلها طفلاً ويانعاً ومن ثم كاتباً وجودياً
ـ كما يصنف ـ ومتظاهراً مع جموع الجماهير التي أسست لها خطاباً
إنفعالياً ومن ثم رومانسياً ثورياً حانقاً منذ ثورة الطلاب
في فرنسا 1968م وما تلاها من خطابات غاضبة وجانحة للتمرد ضمن
آفاق الضيق بما تحقق في رحاب الحداثة والدعوة الى التغيير
بالهدم والشجب والرغبة في الخروج على كل السلطات والموضات
والأنظمة قبل أن يجنح الجميع الى خطاب آخر لاحقاً، حتى تغير
العالم بعد ذلك وتغيرت استراتيجياته وتغير نمطه في التعبير
عن ذلك أيضاً.
ايناس كريم