حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

العولمة ولغتها المستبقة للشعر!

مع الكتاب الجديد
»الحق في الشعر« للشاعر محمد بنيس

من يستطيع التلوُّن حربائيا بالنكران، أن الشعر قد يبلغ من الإستبداد بصاحبه حد استحالة تطور العالم خارج هذا الشعر؛ كذلك وسوست في نياط نفسي وأنا أقرأ الكتاب الصادر أخيرا للشاعر محمد بنيس بميسم »الحق في الشعر« (توبقال ـ الدار البيضاء / 2006)؛ ومازلت مسترفعا بزَوْبِع الكلم الذي يضع اللغة الموتورة بالنقد، نُصْب العين النضَّاحة بجماليات الإيحاء أو الشطح وليس المتضخِّمة بكلس المعنى، حتى اعتقدت بنيس في استشراسه اللغوي دفاعا عن الشعر سيسُنّ بُنْدا قانونيا لا أحسبه إلا سيكون حركيا بنير العقوبات بما أن المسيئين للشعر كُثُر!

الكتاب في أعمه؛ إما مداخلات ألقيت في مقامات شعرية داخل أو خارج المغرب، أو مقالات منشورة في صحيفتي »الحياة« اللندنية أو »القدس العربي«وبعض المجلات الأجنبية؛ وكأن بالشاعر وهو يحل ضيفا في مناطق مختلفة من العالم، يمتشق عبثا الدور الرُّسُولي في الإبراق ولو من حذائه بحُبَاحِب ما أسماه »الوعد« وماهو إلا استعارة تحديثية للدور النبوئي الذي كان ينتضي صليبه شعراء الزمن الكلاسي، أو حين »كان شاعر القرن التاسع عشر الأوروبي نبي اللغة، بانيا لشعرية الرؤيا، التي بها استعاد صفة النبي ، كما استعاد الشعر بها مرتبة الحقيقة.

رامبو مخترع »خيمياء الفعل« هو من كتب »كنت اخترعت لغة الصوامت A سوداء، E بيضاء، I حمراء، o زرقاء، u خضراء. وازنت بين شكل وحركة كل صامت، وبإيقاعات حدسية، تباهيت باختراع كلمة شعرية محتملة ، ذات يوم أو آخر، لكل الحواس،« (ص 19)؛ وما الفائدة؟ هل يصل هذا التفجير اللغوي بتلوينات حواسه اللازوردية إلى إحراق إحدى المدن والقرى لتكون له نجاعة الزمن النووي، وكيف يحوِّلُ المسارات النفاثة للأسهم العالمية في البورصة، هل بإيقاع العروض وجرس القافية؟، ذلكم هو السؤال البراغماتي الذي بات يشلُّ رُكب كل من يتعاطى لأفيون الشعر بمجرد الصعداء بزفير القصيدة أو ديوان بدل أن تجف المآقي من قراءته كللا تجف أوراقه تحت الشمس بالصفراء!؛ إنما أنجرح بالسؤال فقط وقد ورطنا بنيس في ما يشبه الرمال المتحركة التي تشفط بأنفاس الشكوى إلى سراديب تشاؤمية سحيقة، لاتخلو في باطنها من نوايا التفاؤل من حيث الدفاع عن ضرورة الحضورية القصوى للشعر في حياة الناس: متى كان الشعر الحداثي الذي حمل على عاتق غموضه المُشكِل لمسافة السديم الجمالية بينه وبين الأشياء والعالم، يضرب عقودا اجتماعية تحوِّطه بالأشياع والجمهرات؟، يقول »ريكاردو دي بينيديتي« في مقالة »جابيس، بلانشو والكتابة«: »... إن عزلة الكاتب إذن لا تهم فقط، ما يطلق عليه بلغة الأخصائيين »نتاج جهد متبادل«، فالكاتب حسب بلانشو يبتعد فعلا عن مجهود عمله الخاص بشكل أكثر جذرية.

هنا أيضا يأخذ فكر بلانشو تحد لما يسمى عادة »الحس السليم«: ففي خضم الفعالية التي ستمنحنا صلة لا وزن لها ولا قوام، صلة متبادلة حقا (الأقوال، اللغة) يختبر بلانشو استحالة قيام نية تواصلية حتى (وبالتالي نية اجتماعية وتاريخية) قد تُشكل العمل الشعري من حيث هو ظاهرة للانتماء لما هو اجتماعي وثقافي..) (»إدموند جابيس: أسئلة الكتابة أو حوار الفلسفة والأدب« - ترجمة إدريس كثير وعز الدين الخطابي)؛، يحق لبنيس أن يستشيط قلقا على الرأسمال الرمزي للشعر في زمن غير شعري؛ الآلة فيه لغة تواصل من عيار الجذب الثقيل؛ وقد سلف أدونيس أن سكَّ صهارة هذا القلق شعرا حين قال:

(ماذا ستفعل أيها الشعر/ ما بذارك الجديد / في بلدان تزدهي بجدبها/ في لغات تفرز الأوبئة...)؛ هل نقول إن تلك الأوبئة التي تفرز لغة العولمة هي ربما ما سيشكل الكيمياء الشعري والجمالي لهذا العصر؟. فالإنسان في زمنه الحجري قبل التاريخ، لم يُفلت شيئا دون أن يتخذه من حجر، أدوات منزلية، أسلحة وحتى ألواح الكتابة؛ كذا أرى اليوم أن الشاعر لا يجدر به أن يخشى من الإيغال في أعماق زمن ماكنة العولمة المستشرسة، بل يتلبّسها من الداخل ويبث في ذبذباتها مهما كان هديرا لغة الإنساني؛ ربما الناس أحوج في كل عصر إلى شاعر مجنون يأتيهم بلغة جديدة محتزة من قلب المستحيل الذي يستهلك الأرواح، وهذا المستحيل هو زمن العولمة الذي يضاعف اليوم حسب »محمد بنيس« في كتابه »الحق في الشعر«: »التباسات أجوبة تفوق سيادة المعلوم. ينهمر المعلوم طوفانا من مكتبات. أسواق. أحداث، منتوجات، تحبس الأنفاس. لا نفس. وأنت مأخوذ بالعالم. معلوما. يزداد سطوة. وراضخا، تستسلم للاستهلاك، مطيعاً، تندمج في المعلوم، الذي لا ينحد...« (17)؛ قد يبدو الشعر عديم السماء تحت هذا الزخ المنهمر الذي يحرمه بالمعلوم حتى من مجهوليته أو عدمه الجميل؛ إذ حتى الشعر لم يعد يضبط إيقاعه الوجودي على دقات عكازه الحكيم التي مهما كانت ضيّقة المسافة جغرافيا، إلا أنها كانت تقتلع بالدهشة أعيننا حين تفضي إلى الجحيم؛ اليوم بات الشعر بالعولمة مسكوبا كمياه الشرب عبر صنابير أو قنوات الإنترنيت في كل أنحاء العالم، ولكنه لا يفضي إلا لنفسه حتى يتعفّن في الركود!؛ وكأن الشعراء بكل ما يتشظون به من بلاغات في حقل الحلم والرؤيا، يتحدثون من أعماق الماضي، بينما أقرب الإقامات الموجودة قاب قوس الشعر، تكون دائما في المستقبل؛ ألم يقل نيتشه: »بقدر ما يبقى لدى رجال اليوم قوة شعرية رائدة لا ترهق نفسها في صياغة أشكال الحياة، بقدر ما ينبغي تكريسها، بلا أي تسريب، من أجل هدف واحد، وليس من أجل رسم صور الحاضر ولا في سبيل إحياء وشعرنة الماضي، بل من أجل استشراف طريق المستقبل...«؛ هكذا نستبق لغة العولمة التي مكننت الحواس، بلغة قد تكون مستخلصة كاللؤلؤ من مساسها، وكأنا نكتب قصيدة »غويرنيكا« جديدة ضدا على المنطق غير الإنساني لزمن الحديد!.

 

محمد بشكار / كاتب من المغرب



.Copyright ©2003-2007 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri