الحمار الذهبي
لوشيوس أبوليوس شاعر
وفيلسوف إغريقي، ولد عام 123في كنف عائلة ثرية في شمال إفريقيا
في محمية رومانية. جاب مختلف البلدان في شبابه ودرس في اليونان
وروما واستقر في موطنه. وفي عام 156 توقف في طرابلس خلال سفره
باتجاه الإسكندرية، واستقر فيها لمدة عام.
وهناك كتب مخطوطته الشهيرة
«الاعتذار» التي لا تزال تدرس في الجامعات الكبرى حتى يومنا
هذا. في طرابلس قابل بونتانيوس وهو أحد التلامذة السابقين
في أثينا. بعد مضي مدة على صداقتهما نجح بونتانيوس في إقناع
لوشيوس بالزواج من والدته بودانتيلا وذلك بهدف إبقاء الثروة
في إطار عائلته.
إلا أن أقرباء الأم
لم يرغبوا أن يرث أبوليوس مالها، وعليه فقد اتهموه بممارسة
السحر لإغواء قريبتهم، ومن المحتمل أيضاً أنهم تآمروا ضده
حينما توفي صديقه بظروف غامضة بعد مدة قصيرة من زواج والدته
وصديقه، واتهموه بجريمة قتله أيضاً.
وفي عام 158، وقف لوشيوس
أمام محكمة المقاطعة الرومانية في اسبرطة، حيث قرأ أمامهم
مخطوطة الدفاع عن نفسه «الاعتذار». ويستنتج الأكاديميون من
خلال نشر المخطوطة نجاحه في الحصول على حكم البراءة من المحكمة.
وأصبح بعد المحكمة خطيباً عاماً وفيلسوفاً له مكانته في كارثيج
حيث استقر، كما يقال انه أصبح قساً. وحظي بشعبية واسعة بين
قومه.
ومن جملة أعماله المتوفرة
حتى يومنا هذا والتي ترجمت إلى عدة لغات، روايته «الحمار الذهبي»
وكتبه «عبقرية سقراط» و«فلوريدا» الذي يجمع عدة مقالات، و«فلسفة
أفلاطون» و«العالم». هذا إلى جانب العديد من المؤلفات المفقودة
التي تضم مجلد قصائد ورواية وكتاباً عن الأدوية والأشجار والسياسة.
وملحمته «الحمار الذهبي»
أو «التحول» هي بمثابة أسطورة لرحلة نضج الإنسان وانتقاله
من الحياة التي تعتمد على أحاسيس وغريزة الجسد إلى الفكر والروح
والحكمة. كتب لوشيوس روايته في القرن الثاني قبل الميلاد وهي
مستوحاة من أسطورة إغريقية، وهي العمل الوحيد المتكامل الذي
وصلنا من الحضارة الإغريقية الرومانية. وتعكس الفوارق الطبقية
والظروف التعسفية التي عاشتها الطبقة الدنيا في المجتمع.
وعلى الرغم من جدية
الموضوع وعمقه إلا أن الرواية تبقى في عوالم الخيال إلى جانب
أسلوب الكوميديا الساخر الذي يستعرض فيه مجموعة من القصص المستلهمة
من الفولكلور الشعبي تمثل الجشع والظلم والخديعة إلى جانب
أجواء ممارسات السحر ومنها التحول التي تهيمن على مجمل العمل.
وجدير بالذكر أن هذه
الرواية ألهمت ولا تزال تلهم العديد من الكتاب الكبار في عالم
الأدب، وعلى سبيل المثال كتاب بوكاسيو «ديكاميرون» ورواية
سيرفانتس «دون كيخوته»، وسويفت في كتابه «رحلات غوليفر» إلى
جانب رواية ستيرن «تريسترام شاندي» ورواية ريتشاردسون «كلاريسا»
وسبق أن قدمنا لهما عرضاً في روايات خالدة. كما استمد هذا
العمل خلوده وحداثته من تجرده من محدودية الزمن وهو من أكثر
الأعمال الشيقة منذ ألفي عام وحتى يومنا هذا.
تبدأ الملحمة برحلة
عمل البطل لوشيوس (ويحمل اسم الكاتب أيضاً) إلى ثيسالي في
اليونان، حيث يستضيفه في مدينة هياتا صديق صديقه المواطن ميلو.
وسرعان ما يثير انتباهه شائعات المدينة المرتبطة بزوجة مضيفه
بامفيل. وتردد الأقاويل بأنها ساحرة تحول نفسها إلى أشكال
عديدة مثل طير البوم، وذلك للتسلل خارج المنزل ليلاً والحصول
على قسط من المتعة من خلال علاقاتها العاطفية مع عدد من شبان
المدينة. كما قيل أيضاً انها تحول الشبان الذين يزعجونها إلى
أشكال غير مستحبة مثل بقرة أو صخر وغير ذلك.
يستأثر الفضول بلوشيوس
لمشاهدة هذا النوع من السحر. وهكذا يقرر أن يضرب عصفورين بحجر
واحد من خلال إغواء الخادمة فوتيس الشابة الجميلة التي تساعد
سيدتها بامفيل في أعمالها المنزلية وطقوسها السرية، وإقناعها
بدخوله غرفة سيدتها مساء لمراقبة طقوس سحرها.
وفي الغرفة يرقب السيدة
وهي تطلي نفسها ببعض المراهم من رأسها وحتى أخمص قدميها وهي
تتلو بعض التعاويذ. وبعد حين يرى تحولها التدريجي إلى طائر
البوم. وحينما تحلق خارج نافذة الغرفة ومن دون تردد يسارع
لوشيوس إلى تكرار الطقوس على نفسه بمساعدة فوتيس، إلا أنه
يفاجأ بتحوله المختلف ليصبح حماراً.
وأمام خيبة أمله وصدمته،
تحاول فوتيس تهدئته بقولها بأنها تعرف بعض التعويذات التي
ستمكنه من العودة إلى صورة الإنسانية وذلك من خلال تناوله
بعض براعم الورد. ونظراً لعدم توفرها عليه الانتظار حتى الصباح
لتحضرها له. ولسوء الحظ وفي مساء تلك الليلة تتسلل عصابة لصوص
إلى منزل ميلو وتسرق بضاعته إلى جانب الإبل وهو من جملتها.
وهكذا يبدأ لوشيوس مرحلة جديدة من حياته حيث يكتشف عوالم جديدة
أخرى لم يكن يدري بوجودها. أولها رفض الحصان المجاور له في
الإسطبل مشاركته له في الطعام نظراً لاستعلائه على فئة الحمير.
ومن خلال كينونته كحمار
تبدأ رحلة وعيه ونضجه، ولا يكاد ينجح في الفرار من أحد مالكيه
حتى يقع في مأزق وظروف جديدة تعمق فهمه وإدراكه لجوهر الحياة
ولدور الإنسان حيث يعيش المعاناة الشديدة التي يتعرض لها سواء
العبيد الذين يقومون بأعمال البناء والتنقيب وأقدامهم مكبلة
بالأغلال المعدنية أو الثيران التي سخرت لخدمة الإنسان والدماء
والقروح التي تعلو جلدها من الحبال التي تربطها إلى عجلات
النقل أو الطواحين.
وبعد العديد من المغامرات
التي تبين له غدر الإنسان وخداعه وأهمها قصة كيوبيد وبسيك،
التي تحمل المقاربة بينه وبين بسيك في إطار الفضول الأرعن
الذي يودي بكلاهما إلى ما يقارب من التهلكة، يصل لوشيوس إلى
حافة اليأس.
حينها يستغيث بروح الآلهة
وتلبي نداءه إيزيس وتساعده في العودة إلى ما كان عليه. وبذا
يصبح لوشيوس من رجال الدين ومن أتباعها المخلصين.
رشا المالح