حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

هواجس الشعر

كان من المفترض أن يكون ممدوح عدوان هو من يتولي تقديم كتابه هواجس الشعر الذي كان مقرراً أن ينشره أثناء وجوده بيننا كما جاء في كلمة الناشر، وهو الإصدار الثالث لدار ممدوح عدوان التي سبق لها أن أصدرت الأعمال المسرحية الكاملة للكاتب في ثلاثة مجلدات إضافة إلي إعادة طباعتها لروايته أعدائي التي صدرت طبعتها الأولي عن دار رياض نجيب الريس عام 2000.

ينطوي الكتاب، المكون من 240 صفحة، علي زبدة آراء الشاعر النقدية طوال أربعة قرون هي عمر رحلته مع الشعر التي بدأت ب الظل الأخضر منتصف ستينات القرن الماضي وأسدل الستار عليها ب حياة متناثرة الذي صدر قبيل رحيله بأشهر قليلة عام 2004.

يعالج الشاعر في كتابه علاقة التكنولوجيا بالشعر وأثرها علي الشاعر والمتلقي في آن، نجد هذا في فصل الشعر والكمبيوتر الذي يستشهد فيه كاتبه بتجربة الشاعرين المكسيكي اوكتافيو باز والتشيكي ميرو سلاف هيلوب.

قد تكون هواجسه إزاء الشعر ومستقبله هي ما دفعته لإيلاء المزيد من الاهتمام في أثر التكنولوجيا علي الشعر: فكلما تحقق إنجاز علمي جديد، أو حدث حادث دراماتيكي مرتكز علي التكنولوجيا، تصاعدت عندنا، وربما عند غيرنا، أصوات تعلن موت الشعر وتدعو إلي دفنه أو تأبينه. ص 55. إلي أن تتصاعد لهجته إزاء من يعلنون موت الشعر ليأتي جوابه كتلة من غضب: لماذا أنتم مستعجلون علي دفن الشعر؟ أيأكل من طبق أبيكم؟ ص 71.

يرفض ممدوح مقولة موت الشعر واضعاً اللوم علي المتلقي ليعلن موت القارئ، معتبراً أن الأزمة التي يمر بها الشعر العربي جاءت من خارجه لا داخله، مستفحلة بتأثير النمط الحديث للحياة، وموجة الشعراء الجدد الذين تماهوا مع الشعر المترجم، معتقداً أنه كان لابد من ظهور كم هائل من الزيف باسم الحداثة والتحديث، ممن ليس لديهم ما يقولونه أصلاً، وممن لم يكونوا يصدرون عن تجربة. إنما كانوا يصدرون عن رغبة في ركوب موجة، إلي أن يشبه هؤلاء بأية انتهازية سياسية أو نفعية.

يمكننا تلخيص أزمة الشعر، من وجهة نظر هواجس عدوان، ببضعة أمور: غياب الحركة النقدية الجادة، وسهولة النشر التي فتحت الباب واسعاً لكل من هبّ ودبّ، وانحسار الثقافة الجادة من كافة ميادين الحياة لصالح الثقافة الاستهلاكية، إضافة إلي الأزمة الاقتصادية، وأخيراً تعزز الإقليمية السياسية التي كان لها انعكاسات كرست العزلة الثقافية داخل كل بلد.

فالنقد، بحسب وجهة نظر الكاتب، "مشغول، إما بالتنظير للنقد وبخوض المعارك والمجادلات حول المفاهيم النقدية النظرية، وجلها مستورد دون تدقيق، وإما بدراسة التراث، أو بدراسة الأسماء المكرسة مثل السياب والبياتي وأدونيس ومحمود درويش.

لا يجافي الشاعر الحقائق والوقائع عندما يقول بأن جيلهم جيل الستينات ليس فقط جيل دون آباء، إنما هو كذلك جيل بلا طفولة فنية، فما كان يجري حول ذلك الجيل من أحداث، أكبر بكثير من أن يترك لهم مجالاً للعب، إذ فقدوا الكثير من الابتسامات واكتسبوا الكثير من التجاعيد والغضون التي لا تليق بطفولة لم تسعفها الأيام بالتسلح ببعض المهارات البهلوانية الجميلة، وإن كان شعرهم متوجه دائماً لغاية.

في ما يخصّ الحركات الثورية والانقلابية، يعتقد الكاتب أن الثامن من مارس ساعد علي تقديم شعراء الستينات في سوريا علي أسس لا علاقة لها بالإبداع، أي أنهم تقدموا بوصفهم شباناً مسيسين تحتاج إليهم تلك المرحلة، هذا ما يفسّر لنا كيفية احتلالهم لمواقع مؤثرة في الإعلام والثقافة والنشاطات الجامعية.

من جانب آخر، لا يخلو الكتاب من نقد مُر لبعض شعراء الحداثة في الوطن العربي، نجد ذلك وهو يبحث في الوجه الآخر للتطور الشعري، تحت فصل يحمل ذات العنوان، إذ يستشهد بالشاعر اللبناني عباس بيضون، من خلال حديث أدلاه الأخير للكفاح العربي في 5/4/1997، يقول فيه بيضون: بالنسبة لي نادراً ما ألقي شعري.. وغالباً ما ألقيه دون رغبة.. إذ لا أجد نفسي مستعداً للوقوف علي منبر وقراءة الشعر..، يعلق ممدوح هنا: والطريف في الأمر هو أن هؤلاء الحداثويين المعادين للإلقاء، حين تتاح لهم فرصة إلقاء أشعارهم فإنهم لا يعرفون معني للاكتفاء. ولا يتقيد أحدهم بالوقت المحدد لكل شاعر، حين تضم الأمسية أكثر من شاعر.. بل يأخذ وقته ووقت غيره، هذا علي الأقل ما فعله عباس بيضون في كل من المغرب والملاجة في سوريا.

يخصص الكاتب القسم الثاني والثالث من كتابه لشهادات قالها في زملاء له، سابقون ومعاصرون ولاحقون، كشهادته في نديم محمد وعلي الجندي ونزار قباني الذي خصه بثلاث شهادات، ومحمد عمران وأمل دنقل ومحمد الماغوط وسنية صالح، ولقمان ديركي من جيل الشباب.

يقول عدوان في معرض حديثه عن علي الجندي: إنه شاعر مكرس، ولو في دائرة غير واسعة، ولم يعد من الممكن الانسحاب من ذلك. وإنه المعشاق الباحث عن المرأة والمتعة..، ويذكر ممدوح برودة دم ولا مبالاة صديقه الجندي خلال سفراتهم إلي الخارج بغية إلقاء الشعر، فما أن يصلوا إلي البلد المضيف حتي يسأل الجندي عدوان: هل معك شيء من شعري؟ أما كنت تستطيع أن تجلب معك إحدي مجموعاتي؟ مجموعاتي كلها عندك!.

يعتقد صاحب تلويحة الأيدي المتعبة أثناء شهادته في نزار قباني أنه: لا يمكن الحديث عن نزار قباني بصفته شاعراً وحسب، إنه أحد المكونات الأساسية لثقافة أجيال متلاحقة منذ أوائل الخمسينات ، ومع ذلك يري عدوان أن صاحب خبز وحشيش وقمر شاعر مغموض الحقوق علي الرغم من شهرته الكبيرة، وقد أسيء إليه من قِبل جمهوره الغفير هذا، إذ تحول الشاعر إلي مجرد شائعة جنسية أو سياسية يرددها المكبوتون جنسياً أو سياسياً. وبرغم هذا حتي الآن لم تأت دراسات جادة تدرس نزاراً وتعرّف بانجازه الشعري. فمن وجهة نظره إن نزار رفع الكلفة بينه وبين اللغة الشعرية، فقد تعلموا من نزار أن كل كلمة في الدنيا تصلح للشعر، فربما كان نزار هو الشاعر العربي الوحيد الذي يمسك بأي كلمة، فيغسلها من مدلولها الشائع المبتذل، معيداً لها رونقها وجدتها.

من الصعب الإلمام في جوانب الكتاب كافة خاصة انه واضعه قال شهادته في ما يقارب العشرين شاعراً سورياً ومصرياً أمل دنقل ويمنياً عبد الله البردوني، لبنانياً جون ميخائيل عصفور، مقيم في كندا، وعراقياً بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.. وتبقي شهادات لها قيمتها الأدبية وجديرة بالاهتمام، ليس فقط كون ممدوح عدوان من شهد بها فحسب، بل وهذا الأهم لأنها قيلت في لحظتها، فضلاً عما تتضمنه من تفاصيل تغني المتابع ناهيك عن الشاعر أياً كان هذا الشاعر.

 

أبي حسن



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.