حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشعرية العراقية / الانزياح النظري

قـــراءة
(العقل الشعري) أنموذجا

الشاعر العراقي خزعل الماجدي في كتابه الجديد (العقل الشعري) الصادر مؤخرا عن دار الشؤون الثقافية العامة، اذ جاء هذا الكتاب بجزءين اي (الكتاب الاول) و(الكتاب الثاني) ينفرد هذا الشاعر بالبحث الدؤوب الذي يدعو الى التأمل والاندهاش في تأسيس نظرية شعرية جديدة تحاول هذه النظرية استنفار كل ما هو كامن ومطمور
وغائص في الذات الشاعرة كما انه يسعى من خلال هذا البحث النظري المهم الى ترسيخ نظرية شعرية عراقية خالصة بعد ان مر هذا البحث بعدة مراحل مهمة من تاريخ الشعر العراقي بدءا من الشعر السومري ومرورا بقصيدة النثر والنص المفتوح موضحا كل ما يدور في ذهن المتلقي من تساؤلات ربما لم تحدد ماهية الشعر الى يومنا هذا، وقد قام الماجدي بالاجابة عن كل سؤال يدور او لا يدور في الذهن.. لان الشاعر خزعل الماجدي كان قد حسم النتيجة المنطقية التي تصب في رافد الشعر وحده بعد ان مر باغلب النظريات في الادب والفكر والفلسفة، وقد قسم الماجدي كتابه الاول من (العقل الشعري) الى ثلاثة اقسام وهي تتمثل على النحو الاتي:
العقل الشعري الخالص
العقل الشعري المحيط
العقل الشعري الناطق
ثم تتفرع هذه الاقسام الى عدة ابواب ومنها على سبيل الذكر والاختصار ميتاجماليا الشعر اهمية النظرية الشعرية/ تاريخ الشعر، تاريخ نمو المنطقة الجمالية/ حادثة الفلسفة/ حادثة الشعر/ الشعر.. والعلم/ اللغة والاشارة والمخيلة/ جوهر الشعر فلسفيا/ جوهر الشعر شعريا/ وما الى ذلك من ابواب تتميز بالاهمية والاتقان بوصفها جهودا متفردة في خارطة الثقافة العراقية الراهنة بعد ان توصل الماجدي الى مناطق الشعرية الساخنة ولكي تكون قراءتنا هذه واضحة نورد هنا بعض ما جاء من هذه الابواب المتعددة التي تبدو لنا في غاية الاهمية على الصعيدين النظري والشعري بشكل خاص يقول خزعل الماجدي في (اهمية النظرية الشعرية) موضحا طروحاته النظرية في مجال الشعر لايمانه بعمق وضرورة تلك النظرية وغيابها المطلق في اشكال الابداع العربي والعراقي على وجه الخصوص قديما وحديثا ويعد الماجدي هذا الغياب نقصا خطيرا يفترض تلافيه موضحا ذلك بالدراسة والتحليل قائلا:
ما زلنا نؤمن رغم الدعوات الكابحة لهذا الايمان باهمية وضرورة النظرية الشعرية والتنظير الشعري للشاعر. لان ذلك يشكل طرفا اساسيا في العملية الشعرية كتابة ورؤية. وسنلخص اهمية هذه المسألة في.. النقاط الاتية:
1. ان نظرية الشعر توفر سقفا جماليا وفلسفيا تتحرك على اساسه رؤانا في الشعر (مادة وجوهراً وغاية) وهي تتمنع من الارتباك الذي قد تجره علينا امزجة نظرية وثقافية غير متراصة او متناسقة.
2. ان على الشاعر ان يطلع على وجهات النظر التي تتقاطع مع وجهة نظره الخاصة بالشعر وذلك عن طريق فرزها نظريا وفلسفيا بحيث يتيح ذلك تعميق وجهة نظر متناسقة وغير مربكة توفر عليه فهما دقيقا.. نظريا لتوجهاته الجمالية في الشعر.
3. ان التنظير في الشعر والذي يقوم على اساس توفر نصوص يستند اليها هذا التنظير بجعل الشاعر اكثر بصيرة بما يكتب، لابد هنا ان نكون مع الماجدي لاننا نريد من الشاعر ان يفهم ما يقول.. لا ان يتجاهل ما يكتب وهذا قد حدث مع اجيال كبيرة في خارطة شعرنا العراقي اذ سبق وان نوهنا على هذه المسألة في مقالات سابقة اذ كان يعتقد اغلب شعراء الاجيال السابقة بان (القصيدة هي التي تكتب الشاعر) لا الشاعر يكتب القصيدة وهذا يعد خطأ.. فادحا لابد من ازالته عن ذاكرة الاجيال القادمة حتى تكون هذه الاجيال على الطريق الصحيح.. ولكي نتابع الماجدي في قراءتنا.
هذه نعود اليه مرة اخرى اذ يقول في باب (الشعر والعلم) مؤكدا ما يسعى اليه في هذا الباب، الميتاجماليا تهرب دائما الى ابعد الطريق المسدود للجمال.. انها النقطة المظمة بعد ان يتعب الضوء لذلك فان وجودها سيبقى احتمالا ابديا لان هذا الكون في اقاصيه البعيدة والقريبة المحصورة بين المجرات الكبرى والذرات الدقيقة في المادة سيبقى غير مكتشف وبعيدا عن التحيد النهائي ويشوبه الغموض والشك والاحتمال، فاذا ما افترضنا هذه الصفات تابعة للبنية الفيزيقية للكون فانها تنطبق تماما على البنية الفنية التي توازيها والتي اسميناها الميتاجمالية لما يوجد بين البنيتين من تناغم وترادف ونسبية:
اما في الكتاب الثاني من (العقل البشري) يضع خزعل الماجدي عدة ابواب واقسام بيد ان ما يهمنا هنا هو (الجدول) الذي وضعه الماجدي ليميز فيه الفارق الفني والاصطلاحي بين (قصيدة النثر) وبين (النص المفتوح) لينفرد خزعل الماجدي مرة اخرى داعما نظريته الجديدة في اشتغاله المثمر والجاد في ان معا وقد استقر هذا الجدول على طريقة الماجدي في شكله الذي تحدد فيه النقاط الاتية:
قصيدة النثر:
1. قصيدة النثر اخر حلقة تطورية في تاريخ القصيدة منذ اغاني الزراعة والحصاد والتراتيل والصلوات في العصر القديم والوسيط ومنذ الظهور الدنيوي المتماسك للقصيدة الموزونةفيهما وفي العصر الحديث منذ عصر النهصة بشكل خاص اصبحت (القصيدة) هي الشكل الشعري النموذجي.. وحين جاءت قصيدة النثر تم التخلي عن الايقاع العروضي والابقاء على البناء الشكلي للقصيدة فهي وان شكلت قطيعة مع قصيدة الوزن لكنها ظلت تنتمي الى مفهوم القصيدة:
2. تستمر بنية (القصيدة) في قصيدة النثر وبذلك ترتبط بالبنية التقليدية السابقة للشعر:
3. قصيدة النثر نظام شعري مغلق له بداية واستمرارية ونهاية وبذلك يكون شكلها دائريا وتماسك هذا الشكل وحدة عضوية وكثافة وتوترا..
4. تمتاز بقصرها النشي وبساطة تكوينها.
5. تنقسم عموما الى القصيدة الشكلية التي تفرض بنية.. واشكالا ايقاعية والقصيدة الاشراقية التي تمحو حدود الزمان والمكان.
6. لا تسرح القصيدة في تصيد المجهول بل تكتفي بالكشف السريع خدمة لفكرتها..
7. تمتاز بكثافتها وبلورتها للفكرة الشعرية وضغطها الشديد وصلادتها ولا تميل الى الاستطراد او الشرح..
8. تعتبر نوعا من انواع جنس الشعر وطريقة من طرق نوع القصيدة تحديدا.
وهكذا يستمر خزعل الماجدي في الكثير من النقاط ليحدد مفهوم جدولة قصيدة النثر بشكل عام اما في نقاط جدولة (النص المفتوح) يذهب الماجدي بعيدا في اغوار النص الشعري ليستقر اخيرا على التنظير التالي ضمن جدولة (النص المفتوح) معتمدا في ذلك على ثقافته وخبرته الشعرية المتميزة وهذا يتحدد في النقاط التالية حسب جدولة الماجدي وهذا ما يهمنا في هذه القراءة من كتابة الثاني (العقل البشري) اي جزؤه الثاني الذي يحتوي على العديد من الابواب ذات الاهمية العالية..
النص المفتوح
1. النص المفتوح انقطاع شامل عن مفهوم او شكل القصيدة واعلان عن نهاية تاريخ القصيدة وبداية لنمط جديد وهو شعر النص او نص الشعر الذي نسميه اصطلاحا بـ(النص المفتوح) والنص المفتوح يتبنى كتابة الشعر عن طريق النثر بوسيلتين هما الغاء الايقاع الوزني وتبني شكل النثر وقوانين بنائه اي انه يثور مرتين على شعر الوزن فهو يلغي الوزن ويلغي بناء القصيدة ليتبنى النثر او بناء النص النثري:
2. تنقطع بنية (القصيدة) وتبدأ بنية (النص) في النص المفتوح وبذلك يشكل قطيعة كاملة مع البنية التقليدية السابقة للشعر:
3. النص المفتوح نظام شعري مفتوح له بداية وتفاصيل ولا تحده نهاية بل يكون تائها او قابلا لنهايات كثيرة وبذلك يكون اميبيا وغير محدد.
4. لا يسوده قانون واحد في الاداء ويمكن ان ينقسم الى انفتاحات او الى عشرات الانواع حسب الية العمل ووسائله مثل.. (نص السيرة) نص اللعبة، نص الجاندر، نص المخطوطة، نص الريبورتاج، ويمكن ان ينفتح النص الى انواع اخرى.
5. يسرح النص في تصيد المجهول ويتناسل افقيا وعموديا ولا يعود للنص مركز واحد.
6. يمتاز بغباريته وامتداده وفضائه السيوغرافي وتشتيت الفكرة وجعلها متنا مثل دخان في فضاء ربما يظهر الاستطراد او الشرح.
من هنا يظهر واضحا جهد الشاعر خزعل الماجدي في كتابه الذي جاوز الـ 800 صفحة من القطع الكبير ليصل الى ذروته في نظريته الشعرية الفاحصة حتى يواصل الماجدي استطراده هذا في جدولة قصيدة النثر والنص المفتوح ليبلغ اقصى درجة من الفتح الشعري الجديد جاعلا من موهبته ونصوصه الشعرية فضاءا نظريا كبيرا يستوعب فيه كل الكائنات الشعرية التي يسعى الى اظهارها الماجدي ضمن نظرية شعرية تسعى هي الاخرى الى التجديد والتحول العام. وهذه هي اهم سمة يتفرد بها (العقل الشعري) وكما ان هناك ابوابا كثيرة ضمها هذا الكتاب الثر والحافل بتعددية الافكار والرؤى ومن هذه الابواب على سبيل الاطلاع الشعر الشرقي/ زمن الشعر/ كيمياء الشعر/ وظيفة الشعر/ النص المجاور/ الشعر والجسد/ جمال الشعر/ سؤال الشاعر/ امبراطورية الخيال/ الداندي والبوهيمي/ الشعراء وكتبة الشعر/ وما الى ذلك من ابواب تحاول الامساك بحقيقة الشعر الذي يجهد الماجدي نفسه لغرض الوصول الى اخطر واعمق المناطق الشعرية في الكون والمجهول مفجرا بذلك كل طاقاته التي لا تحدها حدود ايمانا من الماجدي بانتمائه كليا الى حقيقة الشعر وهذا يبدو جليا من خلال جهد الشاعر خزعل الماجدي المتمظهر في كتابه المهم (العقل البشري) ولابد لنا هنا بان نعد هذا الكتاب من المنجزات المهمة في تاريخ الثقافة.. العراقية الراهنة.. وليس بوسعنا سوى ان نحيي خزعل الماجدي على بحثه الدؤوب والمتواصل دائما في الكتابة والتنظير الشعري الذي يستحق منا الوقوف امامه طويلا بوصفه منجزا يحاول الانزياح الى مناطق غاية في المجهول وغاية في الترقب والابتكار ان العقل الشعري على الرغم من انه نظرية تاسيسية للشعر العراقي الجديد فانه ايضا يمكن اعتباره مسحا شعريا ونقديا لمجمل تجربة الشاعر خزعل الماجدي ويمكن ان تستفيد الاجيال اللاحقة من هذا الانزياح الكبير بعد عجز النقد العراقي في تقديم قراءة شاملة لتجارب عراقية متميزة ومنها تجربة الشاعر خزعل الماجدي ويمكن ان نعد العقل الشعري كتابا نقديا وهذا ما يجعل الماجدي في مقدمة الذين يدركون ما يكتبون.

 

خالد البابلي



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.