شيركو
بيكه س في ديوانه
الجديد (الكرسي)..
الشاعر الذي
يندف قطن الزمن
بأصابع أنفاسه
مايكتبه
شيركو بيكه
س يعبق برائحة
الشرق البعيد،
فهو شاعر شرقي
بامتياز،
والشرق هنا
هو الزمان
الغامض والسري
الذي تمتد
تلافيفه في
ذاكرة الحكايا،
حيث كل شيء
تسكنه أرواح
القصص وتدب
فيه حياة غير
مرئية.
شيركو بيكه
س لايصل كله
عبر الترجمات،
ودواوينه
الأخيرة تحفل
بالغرائب
من المفردات
التي يجتهد
فيها المترجم
الكردي أن
يكون عربيا
أكثر من العرب،
فيأتي بما
لايفهمه ضليع
بالعربية
مثل: الجثالة
والقعيث والقماعيل
والخث وسواها
من العجائب
التي يضع المترجم
لها فهرسا
ليتعرف القاريء
عليها.ولا
نفهم لماذا
لايستعين
الشاعر بأديب
عربي كي يحرر
دواوينه المترجمة،
كما العادة
في كل ترجمات
الشعر في العالم.
مهمة قراءة
ديوان مثل
ديوانه الأخير
(الكرسي) تكتنفها
بعض العوائق
للأسباب المذكورة،
غير ان علاقة
الكردية بالعربية
تمكّننا من
الأمساك بنبض
الشعر المميز
الذي يفيض
بسحر أجوائه.
ديوانه الصادر
عن دار المدى
بترجمة سامي
ابراهيم داود،
انتقالة في
شعره من طابعه
الرعوي والإسطوري
الى اليومي
والمعيش،ولكن
كما هي الحال
في شعر شيركو
يتحرك النص
ضمن دينامية
تساعد على
إنتشاره في
متوالية تأويله.
فهو يمسك بتورية
واحدة تبدو
للوهلة الأولى
بسيطة ومحدودة
الفاعلية،
ولكنه يدخلها
الى عالم من
التولدات
المتعاقبة
لتتسع حركتها
في مجرات من
الصور الذهنية
والأفكار
والانطباعات.
"الكرسي" يتحول
الى محمول
لمواضيع وقضايا
يتم بيانها
من خلال ما
يقوم فيها
بدور كأنسي
وروح وفكرة
واعتقاد،حيث
يلبس أقنعة
مختلفة وتوكل
اليه مهمات
بمقدورها
تجاوز المعنى
الظاهري الى
ترسيمات عقلية
ووجدانية،
وهنا تبرز
ثروة الشاعر
اللغوية ومهارته
في صناعة الاستعارة.
يفتتح شيركو
مسرحه بصوت
الشاعر وهو
يتوحد مع كرسيه،
وخطابه حكاية
تروى ويتناقلها
الناس، وعبارة
(يحكى أن) فاصلة
يضعها ((لذلك
الجَدّ النقّاش/
أهدى من جسده/
لعرس سيد (الأردلانين)
وزوجته (ماه
شرف) رقعة شطرنج
بني)).
لا الاسطورة
ولا التاريخ
و تبّدل الفصول
في الطبيعة،
تكفي كي يكمل
الشاعر أغنيته
الناقصة،
فلمسات فرشاته
سريعة محكومة
بالإنتهاء،
ولكن كرسيه
الجوال مثل
الشاعر الذي
تمنى أن يكونه،
ينقله الناس
من مطرح الى
مطرح ليصبح
شاهدا وساردا
ومتفكرا.
يسأل الصحافي
الكرسي عن
أصله وفصله،ثم
عن رأيه في
الناس فيبدأ
من حيث يقلق
الشعر ويعترض
((ربيع السنة
الماضية،
أقام أحد الأحزاب
حفلا كبيرا
هنا./ إبتدا
بخطابه قائلا:/
هذه الأرض
جنة العالم./
هنا مهد الحضارة
والمدنية./
قال: الوطن
نور العين./
الغريب أنهم
حين غادروا/
تركوا للجنة
القذارة/ والوطن
مزبلة)).
يتسع مشهد
الإعتراض
عند شيركو
لينتقل من
الأعداء القادمين
من مكان آخر،
الى المقيمين
فيه. فجيوش
العصف التي
لاتبقي ولا
تذر، ليست
وحدها التي
تستولي على
الأرض والضرع،
بل ((يوجد بيننا
من هم شرهون
جدا للظلم/
يريدون أن
يستولوا على
الهواء والماء/
وطيور السماء/
كما ترى، فهم
يستولون على
أراض كثيرة./
ساقية تلو
أخرى/ يلتهمون
حتى المسيل/
ولا يرتوون)).
شيركو بيكه
س هذه المرة
يدّون مارأى
وسمع من سيرته
الشخصية،
قناعه كرسي
يتنقل من مكان
الى آخر،ومن
موضوع الى
فكرة ومن خطاب
الى تأمل في
الطبيعة وتغير
الفصول، شأنه
شأن فلاح يحرث
حقلاً يستقر
في مخيلته،
ولكن السليمانية
وفايق بيكه
س والشعراء
الذين حفظهم
والحوادث
التي رآها
في الهجرة
والإقامة،
تدوّن بما
يشبه السيناريو
المسرحي.
العلامة التي
يستخدمها
الشاعر ترتبط
بموجب الوظيفة
الدلالية
بالطبيعة،فالذي
يوجهها شاعر
رعوي ورومانسي،
ولكن مضامينها
تتفرع الى
مركّبات تعبيرية
مختلفة تشمل
حياة المدينة
وحوادثها
وتصبح تلك
الحياة صورا
للمعاني التي
تنتجها. وهي
في الغالب
ليست مزدوجة
او متخالفة
كي تولّد حالات
مركبة،فالجزء
يحيل الى الكل
ولا خروج عن
التوقعات،
حتى ان بعضها
يبدو بيانات
بسيطة، مثل
تلك التي تقول
(بيكه س) أنت
زمهرير جسد/
يتوجع صدأ
وسمّا/ لكن،في
روحك ربيع/
أحلى من فردوس
الله،/ نبصر
بعيون الضوء/
ذاك الربيع/
نشمه بأنف
الطفولة)).
يبقى الشعر
حائرا لحين
مايرتب مسرح
حواره،ويتولى
صوت الكرسي
إدارة تلك
الحوارات،
ويشتغل التناص
هنا في مقاطع
لشعراء كرد
ومسرحيين
عالميين وموسيقي
مسيحي يعزف
على آلة " التار".
كلهم يروون
قصة الثقافة
في كردستان،
غناء الطبيعة
ولغط الناس
وذائقة الفنون
واغتراب الوطن
وحيرته، فيختصر
صوت العاشق
كل ذلك الكون:
((أنا العاشق/
لابد أن أندف/
بأصابع أنفاسي/
قطن هذا الزمن./
لتحلق الكلمات/
وتستحيل العبارات
ريشا/ للرياح
التائهة،
المشردة/ التي
لابيت لها/
ولا معجم)).
الكرسي شخصية
مشاركة في
تلك المشاهد،
وفي بعض المقاطع
يتحول الى
سارد غائب،
غير ان الشاعر
نفسه هو الذي
يدير " وجهة
النظر"، وهنا
بمقدرورنا
الإمساك بمقولات
في الديوان
تتواشج وتتفاعل،
بعضها ثقافي
تمثله شخصيات
الفنانين
والأدباء،
وبعضها سياسي
وتمثله الحوادث
ورجال الجيش
والأجانب،
وبعضها إجتماعي
ويمثله صوت
الفقراء وكاتب
العرائض الذي
ينقل همومهم.
ولكن الخطاب
الجامع لكل
هؤلاء هو الهوية
الكردية التي
ينوّع الشاعر
عليها، والمكان
المهدد بالفناء،
والتواريخ
التي ينبغى
أن تبقى محفورة
في الذاكرة.
وجهة النظر
هذه تكاد تشكّل
ناظم شعر شيركو
الذي يحتاج
أن يخرج من
سجنها كي لايكرر
نفسه.
فاطمة
المحسن