
حسين
مردان في «قصائد
عارية»
تتسـع
الفكـرة وتضيـق
الصيغـة
حسين
مردان يسلك
بين صعاليك
الشعر العراقي
في خمسينيات
وستينيات القرن
الماضي. والصعلكة
هنا هي صعلكة
سلوك شاعر
مدني عاش في
بغداد (وليس
في الصحراء
القديمة حيث
كان للصعاليك
شأن آخر)، وكان
أقرب ما يكون
لمواخيرها
وحاناتها ولنساء
هذه المواخير
والحانات...
كما تنطوي
(أي الصعلكة)
على تشرد في
الشوارع، وتهتّك
في السلوك،
وما رسمته
كلمات القصائد
من هذه السيرة
الشطارية (على
غرار الخبز
الحافي لمحمد
شكري).. هذا على
أن ديوان «قصائد
عارية» التي
تعيد دار الجديد
نشره لحسين
مردان (العام
2007) (طبق الأصل
عن الطبعة
الثانية الصادرة
في بغداد العام.
1955 أما الأولى
فكانت صدرت
العام 1949 حيث
صودرت وأحيل
صاحبها إلى
المحاكمة وبرأته
المحكمة الجنائية)...
... هو ديوان قصائد
في عري الجسد،
وأوصاف الشهوة
الأيروتيكية،
وإبحار جسدي
في علاقة محض
جسدية، لا
مكان فيها
لرومانسية
الحب أو عذريته
أو رمزيته
الصوفية، ما
سمته أدبيات
منتصف القرن
الفائت بالأدب
المكشوف... ودافع
عنه المحامي
صفاء الأورفلي
وكيل الشاعر
أمام حاكم
جزاء بغداد
في حينه. جاء
في مرافعة
المحامي «ما
نشره موكلي
ليس مخلاً
بالآداب... إن
موكلي أراد
أن يفهم الناس
ماهية الرذيلة،
.. وأراد محاربة
الرذيلة عن
طريق الرذيلة
ذاتها...».
قرّر الحاكم
إحالة القضية
إلى لجنة أدبية
من كبار أدباء
العراق، لدراسة
الديوان وتقديم
تقرير عنه
قبل صدور القرار.
أما القرار
فقد صدر بعد
ذلك ليفرج
عن الشاعر
«لعدم توفر
أركان الجريمة
ضد المتهم
السيد حسين
مردان» (حاكم
جزاء بغداد
الأولى 26 تموز
1950).
وقائع المصادرة
والمحاكمة
سلّطت الضوء
في حينه، على
شاعر شاب في
أول أعماله
الشعرية (كان
مردان في الثانية
والعشرين من
عمره هو المولود
سنة ,,.1947) فكتب
عنه في باريس
وإنكلترا وظلت
الصحف العربية
تكتب عن حياة
الشاعر وديوانه
لمدة سنة كاملة...
فهل كان ذلك
بسبب الأهمية
الفنية لقصائد
الديوان أم
بسبب إثارة
المصادرة والمحاكمة؟
نسأل اليوم
أنفسنا هذا
السؤال، ونحن
على مسافة
ستين عاماً
من الصدور
الأول للديوان
ووقائع المحاكمة...
إن هذه المسافة
من الزمان،
كما الزمان
نفسه، هما
غربال ضروري
لأي عمل إبداعي،
حيث يسقط منه
ما ليس منه
أصلاً وإبداعاً...
يسقط الزبد
ويذهب هباء
أو جفاء ليبقى
ما ينفع الناس.
وهو هنا القيمة
الفنية للقصائد...
وهي المعوّل
عليه.
ظل أبي شبكة
«قصائد عارية»
لحسين مردان،
مسبوقة بأفاعي
الفردوس للشاعر
اللبناني الياس
أبو شبكة.. وهي
تضغط بظلها
عليها، ذلك
أن الطبعة
الثانية من
«الأفاعي..» كانت
قد صدرت في
العام ,1948 أي قبل
سنة واحدة
من صدور ديوان
مردان. وقصائد
أبو شبكة هي
قصائد الشهوة
وتمجيدها،
ومديح فحيح
الإثم، وفلسفتها
لذية أبيقورية
(نسبة لأبيقورس)...
وأبو شبكة
كان متأثراً
بديوان بودلير
«أزهار الشر»
Les fleurs du mal (ونستطيع
اقتراح ترجمة
أخرى لمعنى
آخر لعنوان
الديوان وهي
«أزهار المرض»
أو الأزهار
المرضية Les fleurs
maladives باعتبار
mal ربما عنت لبودلير
المرض بمقدار
ما تعني الشر
أو السوء)،
وفي كل حال
فأزهار الشر
أو المرض قصائد
ثبتت قدرة
الإبداع بل
حقه في أن يكون
أخلاقياً...
وأن شرعيته
أو أخلاقيته
كائنتان في
إبداعه لا
في موضوعه.
وهي مسألة
لم تغب عن النظرية
النقدية العربية
وفلسفتها،
فهي لم تحاكم
أشعار أبي
نؤاس (الحسن
بن هانئ) في
الخمرة والمجون
محاكمة أخلاقية
أو دينية،
بل مجدت فيها
الإبداع الشعري
والتوليد.
حسناً... «قصائد
عارية» إذن،
مسبوقة «بأفاعي»
أبي شبكة.. تلتها
بعد ذلك للشاعر
نفسه قصيدة
بعنوان «اللحن
الأسود» (العام
1950) ما لبثت السلطات
أن صادرتها
وسجنت الشاعر
ثم أفرج عنه.
وفي سنة 1951 أصدر
كتاباً نثرياً
بعنوان «صور
مرعبة» يصور
فيه حياة الحشاشين
ومتعاطي المخدرات...
ما يقرب هذا
الشاعر (في
سيرته على
الأقل) من جملة
الشعراء الفرنسيين
الملاعين (maudits)
من أمثال بودلير
ورمبو ولوثر
يامون والمركيز
دي ساد... يذكر،
في هذه المسألة،
ما كتبه رمبو
من ضرورة تعطيل
الحواس، حتى
بالمخدرات،
من أجل الوصول
للصفاء المطلق
للأحاسيس...
باعتباره الحواس
تعطل الأحاسيس.
أحسب أن حسين
مردان كان
متأثراً بهذه
الفكرة من
خلال كتابه
«صور مرعبة»،
كما أنه يكتب
إشارات لذلك
في قصيدة «للطين»
حيث يقول مخاطباً
امرأته: «.. وتخدّري
بالموبقات
فليس في هذا
الوجود سوى
الشقاء المؤلم»،
ويسمي ذلك
صراحة في مقطع
من قصيدة «الليل
والغليون»:
شكل ذلك، على
ما يقول «أيقظ
حيوانه».
أهمية قصائد
حسين مردان،
هي في أنها
قصائد الغريزة
الأولى غير
المهذبة وغير
المدربة والمسنونة
كمخلب، وحتى
الضعف الذي
يشوب بعضها،
نجده مكسوحاً
بما يتدفق
فيها من عرام
الشهوة والاستغراق
في لذة الجسد
الأنثوي استغراقاً
مدهشاً يدفع
الشاعر ليقول
عن نفسه هذين
البيتين في
قصيدة «العروق
الزرق» وهي
قصيدة في عبادة
«جمال الشهوة
المرعب»:
«ما كنت أؤمن
بالجحيم وحرّها/
لو لم أضع شفتي
على شفتيك
كم ليلة قضيتها
متسهداً/ كالكلب
يلعق مرشفي
قدميكِ»
في هذين البيتين،
يظهر لنا حسين
مردان كشاعر
شهوة، رجيم
ومبدع. إنه
يدرك كم هي
خطيرة هذه
الكلمات، وسائر
كلمات القصائد..
فهي قصائد
الشر، واللعنة،
والماخور،
والجسد الأنثوي
حيث لا مجال
معه لحب هادئ
أو شاحب أو
هامس أو نائس،
بل للافتراس،
فالحب بالنسبة
لحسين مردان،
محض جسد، والحب
افتراس...
«إبليس والكأس
والماخور أصحابي/
نذرت للشبق
المحموم أعصابي
من كل ريّانة
الثديين ضامرة/
تجيد فهم الهوى
بالظفر والناب»
غالباً ما
يشير مردان
في قصائده
إلى ما يسميه
«الوحش الذي
في داخلي..». إنه
شاعر غريزة
غير مدربة،
بل غير مهذبة،
بل مكشوفة
عارية ومباشرة
ويسميها باسمها
ويعترف أنه
عبد شهوته
ومجونه... وربما
كان الماخور
مكانه ليرعى
فيه هذه الشهوات..
بالطبع، ثمة
يعشش الشيطان،
وحسين مردان
من مريديه
بل من أتباعه.
«وتبعت الشيطان
في كل درب
حاملاً فوق
راحتيّ مصيري»
أما جسد المرأة
فمدفن أرجاس.
وهو والغ فيه
كوحش.. ولا يتورع،
كما سبق البيت،
عن وصف نفسه
بالكلب.
شيطان نفسه
هل ثمة من مبرر
فكري أو فلسفي
لأحوال حسين
مردان؟ الشاعر
على ما يظهر،
شيطان نفسه،
بل وحشها. وربما
كان لديه باكراً
إحساس حاد
بالموت، وعذاب
لا حدود له،
جعله يتصرف
كحيوان مصعوق،
ومجنون... يقول:
«مات في أعماقي
الله فلا أعرف
الخير ولا
يعرفني».
ويقول في قصيدة
«جراثيم»:
«أدوس على الوجود
وساكنيه
وأبصق فوق
سكان القبور
دعيني أعبد
الشيطان وحدي
وأعبث في الحياة
بلا ضمير..»
فأية لعنة
ضربته باكراً،
وجعلته يهذي
هذا الهذيان
الفاجع وكأنه
لوثر يامون
في «أناشيد
مالدورور»،
وأية صاعقة
مبكرة صعقت
الإنسان فيه
وأبقت على
الوحش؟ إنه
يعرف عمق وحدته،
بل عزلته،
بل توحشه في
عالم الإنس.
لذا تراه يهدي
قصائده الى
نفسه «إلى حسين
مردان أرفع
هذه الصرخات
التي انبعثت
من عروقه في
لحظات هائلة
من حياته الرهيبة»...
كما أنه، على
الأرجح، يستعير
جملة بودلير
حين خاطب القارئ
بقوله: «.. أيها
القارئ المراوغ،
يا شبيهي يا
أخي...»
(hypocrite lecteur moi semblable, mon frère)
وذلك من خلال
كلمته الى
القارئ... يقول
له فيها: «إني
لأضحك ببلاهة
عجيبة كلما
تخيلت وجهك
العزيز وقد
استحال إلى
علامة استفهام
ضخمة.... ولكن
ثق أنك لا تفضلني
على الرغم
من قذارتي
إلا بشيء واحد
وهو أني أحيا
عارياً.. بينما
تحيا ساتراً
ذاتك بألف
قناع.. أنصحك
أن لا تقدم
على قراءة
هذا الديوان
إذا كنت تخشى
حقيقتك وتخاف
رؤية الحيوان
الرابض في
أعماقك».
نحن نستعيد
إذن، في «قصائد
عارية»، حسين
مردان، كشاعر
ملعون، مرَضي،
بل كشاعر رجيم،
بل كشاعر شيطاني،
وأفكاره أكبر
من صياغاته،
لأن قصائده
بدايات غضة
وضعيفة، غالباً
ما كان يسعفها
بمقدمات نثرية...
وكأنه يرغب
في تقديم الفكرة
على الصيغة.
هنا سبب ضعفه...
أعني سبب عدم
تألق هذه الأشعار
مع الزمن،
على خلاف ما
هي عليه أشعار
أبي نؤاس الحسن
بن هانئ وأشعار
بودلير وحتى
لوثر يامون.
محمد
علي شمس الدين