حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

 

توركيلد بييرنفي
Thorkild Bjّrnvig
(1918- 2004)

(الغيرة)

هل الغيرة دليل؟

إنها طيف إيروسي،

روع، غثيان،

عنف أعصابٍ،

تذكرٌ للحب،

غير مريح، بائس، وإيمان ُ بأنه لا يزال حيّا،

رغم أن كل شيء ولى من زمان.

والباقي هو المجذوم

وقد دُعي من قبره

وريح جليدية تملأ ثوبه

جالساً عند المائدة

سوية مع الأحياء

وغير مشارك في أفراح الحياة.


(الأ)

سبع سنوات ولاخلية واحدة

في نسيجي هي نفسها:

أقادر أنا على المسك بدون إنقطاع،

وإستنفاد هذا اللهيب؟

والجسد كله في حريق

ولأن صوت القبّرة يملأ

هذه الأرض الكئيبة بلونٍ للصباح رمادي؟

غير أن دوّامة الريح تقدم

مع الدخان الحلو لمدافيء البيوت

تصلني من على مبعدة، وتهبّ

مثل البلسم عبر ثيابي -

لذا يستقيظ ألم شديد

داهمني في مكان قاس و يعيدني برقةٍ

حين يختفي ببطءٍ

الواقع - واقعي.


(المتأخر في مدينة غريبة)

هذا الميت: في وسط الحفلة،

والحديث والأصدقاء وصخب الموسيقى،

والحبيبة التي تستريح على ساعدي،

عندما تملأ الجلبة كطنين النحل،

أذني، وكل هذا يحرّك البرودة.

وأنت تمضين. والأصوات تضيع وراء ظهري،

وُتسمَع الموسيقى كناموسة بعيدة عا لية -

أو: كانت الصالات تملأها هنيهة قصيرة،

والان يطفأ الضوء. وما أنت بإنتظاره

حدث قديما. أنا اغلق عيني والأذن

وأجهدُ في تذكر الصور و لكلمات -

وهكذا أحس بتيار الهواء الجليدي من الباب

وأسمع الخطوة القادمة صوب طاولتي

وصوت خفيض يقول: عليهم أن يذهبوا.


(الشمس الغربية)

الغرفة الصغيرة المستديرة صوب الغرب ملأتها الشمس ببطء،

مثلما تدور بعيدا، وعلى الطاولة

ملقى اللباس، واهناً يملؤه العبير والدفء

منك، و في ذراعي كان قاسيا الشعور بذلك.

صيّرتني مفتونا تلك النظرة الرمادية المفتوحة واسعاً،

جسدك ِالذهبي الأملس، على الملاءة الملساء

يحترق من الوله مثل هذه الشمس الساكنة

وهي منهمرة علينا والسرير والطاولة -

وفجأة عندما يتوقف وجيب القلب،

أنهيتِ أنتِ الأمر

إستجبتِ لحواسي

ومضيتِ، عبري، في كل ثانية هناك بهاء أكثر،

في النصر الحيي مع اللهفة الطويلة الوحشية،

وللجسد كله المرتجف من الكتمان

وفي الشعور بالإنبهارمن العبير والضوء.


كان توركيلد بييرفي أكبر ممثل لجماعة (هيرتيكا) المذكورة. وكانت الجماعة قد دعت، بالمقام الأول، الى العودة الى الميتافيزيقا مسترشدة ًبأعمال إليوت و باوند وأودن وغيرهم. ومنذ البدء كنات أشعار بييرنفي تتجنب (زالق) الظرفية. فما كان في محط إهتمامه ووجهته الشعرية تلك المواضيع القائمة خارج الزمن. وفي حصيلته الوافرة ما بين أعوام 1954 و1977 كنات هناك دواوينه الخمسة وتراجمه الرائعة لأشعار رلكه.

كان مسعى هذا الشاعر خلق مفهوم مغاير للفن وتوظيف مواقع متباينة للرؤية. فالمفهوم الذي يعتبر الشعر محرَّرا ومستقلا عن الواقع المدرك حسياً لكن المرابط بأنا الشاعر حسب، قد رفضه بييرنفي. كان بإعتقاده أن الفن هو شيء آخر كائن خارج الفنان ذاته، وما يقصده هو إكتشاف العالم القائم (خارج العلاقة الإنسانية). ومن افكار هذا الشاعر المتميزة كانت فكرة أن الكون والموت هما ما ُيغني حياتنا. فكلاهما يتحد عن طريق إثراء ما أسماهب (الغيرية). وكان هذا الشاعر يرفض (اقانيم) الحداثة.

ففي ديوانه الثاني (انوبيس) أي إله الموت المصري، سعى الشاعر الى تجسيد ذلك العالم الضيق والمطموس، عالم الأفكار وما أسماه ب(ا أنسنة ذاكرة الكون و الحياة). وقد وجد أن في البدء كانت الذاكرة لاغير.. فرأس إبن آوى لذلك الإله يكشف فجأة عن الوجه الذي أصبح لدى بييرنفي رمزا شبيها بالمرآة التي تتلقى وتعكس كما لو أنها تجسيد لأفعال الحياة وعملياتها.

وفي الديوان الثالث (الهيئة والنار) يتخلص بييرنفي من ذلك الإنسحار بالجماليات النقية ويستبدلها بأخلاقيات بودليرية. وكرس ديوانه الرابع (الغراب)، وهو إسم قصة بو المعروفة أيضا، للأحداث من حياته ومساراته كإنسان وفنان. ووجد النقاد أن طرحه هذا لا يخلو من أبعاد فاوستية وعودة الى الميثولوجيات الأوربية وا لتأمل الغنوصي. الملاحظ في هذا العمل الشعري أن بييرنفي قد إستل المضامين والأجواء من عالم الروايات بدءاً بغيته وإنتهاءا ببو، وبينها اعمال رلكه وعدد من الشعراء والروائيين الدنماركيين. وهنا أعادنا الشاعر الى أعمال إليوت المكتظة بالتوريات العلمية والتأريخية والأسطورية.

وفي ديوانه (إهتزازات) من عام 1966 ثمة تأريخ محددل (تجربة القلب) الباحث عن أحلام ملموسة حيث بدت الأشعار كأنها وصف رحلة للروح منطلقها الكابوس ومنهتاها الإتحاد بالجسد والكون.. وفي الدواوين التالية ينخرط الشاعر في صفوف حماة الطبيعة ويدعو الى ما أسماهب (الإشتراكية البيئية) أي مراعاة قيم الطبيعة بمعزل عن المنافع الوظائفية. وكان ديوانه (ظلام الصباح) إشارة الإنطلاق في حملته (الرومانسية) هذه.

إن أعمال هذا الشاعر تعني كلها البحث عن كل ما يشد (الكون الصغير - المايكر) بقطاعيه الداخلي والخارجي، بالآخر الكبير. فالتجربة الجوّا نية هي، في المحصلة، جزء مما أسماهب (نبض) الكون بل هي إنعكاس، ومهما كان مجهريا، لتجربة الإنسان الذي لم يعرف بعد: هل هو إبن شرعي لهذا الكون الذي ننتمي إليه، أم هو نطفة ضائعة مجهولة المنحدر والمصير؟..

 

ترجمة واعداد: عدنان المبارك


عدنان المبارك

ـ ولد في البصرة عام 1935.
ـ أنهى دراسته العليا في جامعة وارشو ــ بولونيا بدراسة تاريخ الفن.
ـ أقام في بولونيا لغاية 1991
ـ مقيم حالياً في الدانمارك.
ـ عمل في صحافة بغداد ووكالة الأنباء العراقية.
ـ عمل مراسلاً للصحافة الثقافية في السبعينات والثمانينات.
ـ نشر الكثير من القصص القصيرة في الصحف والمجلات العراقية والعربية.

ـ من مؤلفاته:
ـ الاتجاهات الرئيسية في الفن الحديث على ضوء نظرية هربرت ريد.
ـ فلسفة التكنيك.
ـ القرن العشرون ــ التحولات الكبرى في تاريخ البشرية.
ـ ترجم العديد من الكتب الاجنبية منها:
ـ كوابيس الكاتب لأرنستو ساباتو.
ـ الفن والكومبيوتر، للعالم البولندي مارك هيولسكي.
ـ سيناريو فلم أنغمار برغمان (وجهاً لوجه).
ـ مسرحية (خيانة) لهارولد بنتر.
ـ رواية (0) للشاعر الروسي أندريه فوزوينينسك.
ـ قام بترجمة العديد من كتابات ومؤلفات أخرى لكتاب عديدين من أمثال:
ـ الكاتب البولوني سلافومير مروجيك (نشور بعضها في موقع القصة القصيرة).
ـ مذكرات المخرج الايطالي فيتوريو دي سيكا.
ـ نشر الكثير من المقالات والدراسات والقصص والقصص المترجمة في الصحف العربية والعراقية، منها في العراق جريدة الجمورية والاقلام والثقافة الاجنبية وفي مجلة (نون) البغدادية التي كان يرأس تحريرها المخرج العراقي (اميران).
ـ ينشر في مجلا ت الحياة الثقافية التونسية، وألواح، وضفاف، وغيرها.
ـ يواصل نشر أبحاثه وأعماله المترجمة حالياً في صحيفة الزمان اللندنية.
ـ ساهم في العديد من المهرجانات الادبية والفنية وبعض دورات مهرجان المربد.
ـ نشر العشرات من قصصه وترجماته في موقع القصة العراقية

www.iraqstory.com
mabruk@get2net.dk


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri