لابد
لمجموعة لغوية صغيرة كالمجموعة الدانمركية؟ من الاعتماد بشكل كبير
على جيرانها الأكبر ثقافياً واقتصادياً. ولذلك فان تاريخ الأدب الدنمركي
يعكس تأثير الجيران الكبار الذين سيطروا في أوقات مختلفة على الحياة
الثقافية في أوروبا. فكان الفكر الإنكليزي والفرنسي والألماني مصدر
إلهام؟ وكانت ألمانيا القناة الموصلة غالباً؟ ولكنها لم تكن دائماً
مصدر الأفكار.
في
نهاية القرن الثامن عشر وصلت الحركة ما قبل الرومانتيكية الإنكليزية
الدانمارك بسرعة مذهلة، إلا أن التأثير انتقل بواسطة أدب ألماني
اللغة؟ إلا أنه دنماركي الجنسية.
ولم
تنعطف التأثيرات الثقافية حول جار الدانمارك الجنوبي إلا في الفترات
التي شهدت فيها الحياة الثقافية في ألمانيا مرحلة ركود، كما كان
الأمر أبان ديكتاتورية هتلر.
بالرغم
من ذلك، فقد كان هناك إلهام دنمركي أصيل في الأدب. ففي القرن التاسع
عشر كتب كتّاب مثل سورين كيركيغارد (1813-1855) وان أف اس غروندفيغ
(1783-1872) أعمالاً تبناها العالم وقيمها نقدياً. وفي الفترة نفسها
كتب هانز كريستيان أند رسون (1805-1875) حكاياته الخيالية مجدداً
شكلاً أدبياً مألوفاً في كل مكان.
لا
يتجاوز عمر الأدب الدنمركي الألف عام، إلا أن المهم فيه فعلاً يمكن
إيجازه بسرعة:
مجموعة
من القصائد الغنية بشكل متميز والأقرب إلى التماثل تعود إلى العصور
الوسطى، وتراتيل يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر والثامن عشر
والتاسع عشر لشعراء لديهم موهبة التعابير عن أحاسيس دينية فردية
وجماعية ليس لها مثيل حتى بالقرينة الأوروبية وشعر في الطبيعة في
كل مرحلة من مراحل التاريخ الدنمركي، يعكس بحساسية ودفء المعالم
الأساسية في الشخصية الوطنية الدنمركية بتوجه مثالي وعالمي، والأدب
المسرحي؟ خاصة الملهاة؟ بدءاً من الكوميديات الأكاديمية في القرن
الثامن عشر على ايدي لودفيغ هولبرغ (1684-1754) وهو عبقري تأثر بكل
من موليير والكوميديا ديل أرتيه (الملهاة المرتجلة) والنثر السردي
الذي ساد منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتضمن روائياً غنائي النزعة
هو جي بي جاكوبسون (1847-1885) وله أهمية أوروبية؟ أثر في كتّاب
مختلفين مثل تي أي لورانس وآرام ريدكه وتوماس مان؟ والفنانون الكبار
في فن المقالة والسيرة الذاتية من القرن السابع عشر الأميرة ليونورا
كريستين (1662_1698) إلى المؤلف الأعمى كارل بجارنوف في القرن العشرين.
الصفات المشتركة هي الألفة والرقة والنكران الزهد للذات والاستسلام؟
ورفض مرح الاستغراق الخالص في الشؤون الذاتية.
أن
أقدم أوابد الأدب الدنمركي هي نقوش حفرت بالحروف الرونية معظمها
على الصخر. وهي مقتضبة، وملتزمة بجوهر كل فن؟ أي الرغبة في الحفاظ
على الزائل.
كانت
الفترة الرونية الحقيقية ما بين عامي 1900- 1050 ولكن كانت هنالك
نقوش من أنواع عدة خلال عدة مئات من السنين قبل وبعد200 سنة.
هناك
الأبواق الذهبية المنسية المألوفة في جنوب غرولاند والحجر الملكي
في جيلينغ.
وهناك
أثر من جناس، أسماء الآلهة، كونهم وثنيين. يبلغ مجموع النقوش حوالي
600 نقشاً، وقد بدأت دراسة اللغة الرونية في القرن السادس عشر، ولقيت
اهتماماً أكثر تركيزاً في القرن السابع عشر، أصبحت المرحلة الرونية
وجهاً عادياً، بمفهوم مستشعر وغير تاريخي لأدب العصور الغابرة، خاصة
بالإنكليزية، الذي اكتسب حوالي عام 1750 أهمية أوروبية.
إلا
ان الأكثر أهمية من النقوش الرونية في ذلك الوقت كان النثر والشعر
الايسلندي المحفوظ في كوبنهاغن، والذي وضع في متناول المثقفين الأوروبيين
مترجماً إلى اللاتينية.
العمل
الرائع الذي ميز العصور الوسطى الدنمركية، هو الجيستا دانوروم من
تأليف ساكسو غراما تيكوس (توفي عام 1220) كان باللاتينية. ويعود
تاريخه إلى حوالي عام 1200، عندما كانت اللاتينية لغة أوروبية مشتركة.
وأعطى العمل الدنمركي مكاناً على الساحة الأوروبية لأول مرة.
التسعة
الأولى تتحدث عن سير ستين ملكاً من الملوك القدامى، ومن ضمنهم هاملت.
وتتفاوت
الكتب في حجمها، حيث يشغل التاريخ المعاصر ربع العمل. وساكسو الذي
لا يعرف عنه إلا القليل، يبدو انه قد تلقى تعليماً فرنسياً، فأتت
لغته اللاتينية بأسلوب العصر الفضي ذي المذهب الإنساني، الذي يتقنه
لدرجة البراعة الفنية الفائقة.
وكمؤرخ
كان يتمتع بمهارة إعادة خلق الأجواء، بالإضافة إلى حس قوي واضح بالشخصية.
فهو يكتب من أجل مجد بلاده كأرستقراطي ومدافع عن السلطة المركزية،
متأثراً بشكل كبير بأكبر وأنشط سياسي في عصره وهو الأسقف أبسالون.
والقيم
التي يرفعها باستمرار هي الإخلاص والاعتدال والشجاعة. مصادره غير
معروفة وعلاقته بكتاب الساعة الأيسلنديين ليست وطيدة. فالساغا كتب
لأول مرة في الفترة نفسها تقريباً. إلا أن اهميته كبيرة ومعروفة.
وقد كان بفضل استخدامه مواد أسطورية، وبفضل قصائده اللاتينية المستفيضة
حول مواضيع وجدت في الأقاصيص الجرمانية القديمة، كان فائق الأهمية
في إعادة اكتشاف الأدب الماضي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
الأجزاء
الوحيدة المعروفة الآن من مخطوطة ساكسو هي الصفحات الأربع التي وجدت
عام 1863 في انفرز. والطبعة الأصلية هي طبعة عام 1514 التي نشرت
في باريس من قبل كريستيرن بيدرسون (مات عام 1554) من أنصار المذهب
الإنساني الدنمركي.
فرع
آخر من الأدب تطور أيام ساكسو تقريباً وبقي حياً حتى أوائل القرن
الخامس عشر، هو البالاد.
وتلك
أيضاً غير معروفة بشكلها الأول، فقد وضعت أولاً في سنوات 1550-1650
من قبل رجال ونساء من النبلاء.
ولم
تعرف سوى بضعة قطع صغيرة فقط يعود تاريخها فعلاً إلى العصور الوسطى.
حيث لم يبق سوى حوالي 40 مخطوطة خلفها مؤلفون أرستقراطيون.
وهناك
أشكال مختلفة كثيرة، بينها حوالي 50 قصيدة بالاّد متميزة.
ولما
حفظت البالاّد بالتراث المروي قبل أن تسجل كتابة، فالأرجح انها قد
تعرضت للتآكل، ولبعض التحولات في التعبير.
موضوع
القصائد هو الحب وأسرار الطبيعة. وعندما كانت البالاّد تغنى ويرقص
على ألحانها فقد كان الرقص يستغل عقدة السرد، فيتوحد الإيقاع واللحن
والنص.
والشكل
العروضي بعدد ثابت من المقاطع المشددة وعدد متغير من المقاطع غير
المشددة، يمكن من التعبير عن الخبرة بدرجات متفاوتة من التركيز.
ولما
كان المؤلفون مجهولين، فقد جمعت تلك القصائد وفق مواضيعها.
شعر
البالاّد شعر أوروبي. وما من شك في انه وصل الدنمرك عن طريق فرنسا.
ولكن مثل البالاّد الإنكليزية والاسكندنافية، كانت البالاّد الدنمركية
أكثر ملحمية منها غنائية.
وعندما
كانت البالاّد تتدفق كشكل أدبي حي، فقد انتهت إلى القصة الخيالية
السردية. واكتسبت البالاّد أهمية كبيرة فيما بعد. إذ أعيدت كتابتها
في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
وتبنت
المسرحيات والروايات مواضيعها. وقبل ذلك بفترة طويلة، كانت النسخ
المطبوعة الأولى قد نشرت، وكانت أول قصائد مطبوعة في العالم هي قصائد
الإنساني الدنمركي آندرز سورينسن فيديل (1543-1616) في عام 1591.
كان للدنمرك أهمية عالمية في دراسة البالاّد.
شهد
القرن السادس عشر حركة الإصلاح الديني والمذهب الإنساني اللاتيني.
ولم يبق من أدب تلك الفترة إلا النزر اليسير. وأجدر ما تجدر الإشارة
إليه هو هانز كريستنسن ستين الكاتب المسرحي وكاتب التراتيل (1540-1610)
الذي ما تزال قصائده الغنائية التعبدية خاصة، المستوحاة من شعر الغزل
الالماني، ما تزال تغنى.
عمل
يلخص اللوثرية الظافرة بواقعية صارخة هو اليفينريتاتسبوغ (أو سجل
العقاب الآلهي) الذي كتبه بيدر بالاديوس (1503-60) واستغرقت كتابته
فترة من السنين في منتصف القرن السادس عشر، واكتشف في عام 1866.
كما
كانت ترجمة الإنجيل في عام 1550 من قبل كريسترن بيدرس المذكور أعلاه،
أثراً أدبياً رائعاً.
القرن
السابع عشر.. كان فترة تعلم النهضة والأدب الباروكي. نظريات جديدة
في الشعر، تهدف إلى لغة شعرية أكثر وجدانية وانتظاماً وجدت دعاة
عديدين وشاعراً كبيراً واحداً هو الأسقف توماس كينغو (1634-1703)
الذي ينحدر من اصل اسكتلندي من جهة أبيه.
تميزت
تراتيل كينغو الصباحية والمسائية والتكفيرية بالتوتر الباروكي بين
الغرور الأرضي والتغيير من جهة، والثبات الإلهي من جهة أخرى. وبقي،
مثل تراتيله لعيد الفصح، عاملاً رئيسياً يميز الورع الدنمركي حتى
اليوم. ويعتبر جامر سمايند (ذكرى حزن) الذي كتبته ليونورا كريستين،
وثيقة مؤثرة، وهو مذكرات أميرة سجنت 22 سنة بسبب إخلاصها لزوج خائن.
كتبت
الكتاب في أواخر الستينات من القرن السابع عشر ولأوائل السبعينات
منه، وبقي مجهولاً لمدة 200 عام وطبع لأول مرة عام 1869. وليس له
من نظير في الأدب الدنمركي أو الأوروبي في كونه وثيقة إنسانية.
في
القرن الثامن عشر بدأت الطبقات الوسطى تصوغ الفكر الدنمركي. وبرز
في النصف الأول من القرن لودفيغ هولبورغ الذي ولد في بيرغين (النروج)
عام 1684 ولكنه عمل منذ شبابه في الدنمرك، بعد فترات طويلة من الدراسة
في اكسفورد وباريس.
كان
نتاجه وفيراً كمؤرخ وكاتب مقاله ومسرحي أرسى أسس المسرح الدنمركي
في العشرينات من القرن الثامن عشر بحوالي 25 ملهاة.
أعتبر
هولبورغ تلميذاً لموليير، إلا انه كان يتمتع بمواهب أصيلة ببساطته
الكلية واحساس بالموقف وحوار ذكي بالرغم من خلوه من الحماسة المفرطة.
كان في مقالاته مدافعاً عن النسبية والتحمل. وكانت نزعته الإنسانية
الليبرالية بالغة الأهمية بالنسبة للثقافة الدنمركية، حيث تشكل أعماله
ثقلاً موازياً لتحليق الخيال والنزوات المفاجئة.
مع
انتهاء القرن، سيطرت المدرسة ما بعد الكلاسيكية على الادب الدنمركي،
وكانت الشخصية الرائدة فيه هو هيرمان ويسيل (1742-85) وهو نرويجي
بالمولد أيضاً. وكان عمله الرئيسي (حب بلا جراب)، 1772، سخرية بالأوبرا
الشعرية (البالاّد) التراجيدية. وكان نظيرها ما قبل الرومانتيكية
الإنكليزية، ممثلة في الشاعر الغنائي الرقيق والكاتب المسرحي جوهانز
ايوالد (1743-1781) كان وثيق الاطلاع على أعمال ميلتون وشكسبير وماكفرسون،
ويمتلك مزاجاً انفعالياً، وأخضع في شعره لضوابط الفضيلة التقوية
والوطنية، إلا أنه كاتب متفرد في الشعر الغنائي الدنمركي. كثير من
أعماله مجزأة وبالرغم من ذلك فما من شعر دنمركي آخر لخص كل هذا القدر
من الفكر الأوروبي، واحتفظ في الوقت نفسه بتفرده الشخصي.
وبينما
كانت تقوية ايوالد بتأثير من طفولته التي قاومها ثم استسلم لها في
النهاية، فأن تقوية هانز أدولف برورسون (1694-1764) كاتب التراتيل
والأسقف، كانت فلسفة في الحياة اعتنفها في شبابه كدفاع ضد المزاج
الدموي ووجد راحته في المسيحية المتحمسة التي تتسم بالغموض وقد أسبغت
موهبته الموسيقية على تراتيله الشجية نغماً يتراوح بين الحميمية
(الدفء) والانفعالية. الأمل الصبور والحنين الشهواني النزعة إلى
الحياة الآخرة هما النغم الذي وجد كيركغارد راحته فيه. أما شعر برورسون
فقد كان مستوحى من التقوية الألمانية.
شخصية
عابرة متنافرة تأثرت بما قبل الرمانتيكية (ستيرنه) وتفاوتت بين قرب
وبعد عن النزعة الإنسانية الألمانية الجديدة والرومانتيكية هو جينز
باد كيزن (1764-1826). وقد اصبح صحفياً بارزاً بفضل حسه الانتقالي
في اختيار المحلي وافتقاره إلى المضمون. وقد أمضى فترات طويلة في
الخارج، حيث عاش بعض الوقت في باريس، وقد عبر عن الأفكار التحررية
التي زخرت بها الثورة الفرنسية أجمل تعبير في أشهر أعماله النثرية،
وهو كتاب في ادب الرحلات بعنوان (المتاهة). وكان باجيزن أول ناقد
صحفي موهوب في الأدب الدنمركي.
تميزت
بداية القرن التاسع عشر باهتمام عابر بالرومانتيكية الفلسفية الطبيعية
الألمانية. وكان التراجيدي والشاعر أدام أويهلنشلاغر (1779-1850)
والشاعر المسرحي كارستين هوتش (1790-1872) والشاعر الروائي بي اس
انجمان (1789-1862) كانوا لفترات طويلة أو قصيرة تحت تأثير شيلينغ.
إلا أن اوبهلنشلاغر الذي تعوزه الاهتمامات الفلسفية، سرعان ما انجر
بشكل أكثر قوة نحو النزعة الإنسانية الغريكو - ألمانية لدى غوته
وشيللر وبعد العملين العالميين (علاء الدين) 1805 ومسرحية (منتصف
ليلة صيف) كتب سلسلة من التراجيديات التي أعطت تعبيراً بسيطاً ولكن
مهيباً لإنسانية متناغمة، مع التركيز على التقوية الطبيعية والروح
الجماعية النبيلة كشخصية، كان مثل غوته، يميل إلى التصوف والطمأنينة.
كتب
الجمان بعد شبابه الذي تأثر فيه بالقوطية الجرمانية، عدداً من القصص
الخيالية القروسطية موضوعها الوطنية المكرسة. كانت مهمة بالنسبة
لحركة المدرسة العليا الشعبية، إلا أن تراتيله الصباحية والمسائية
للأطفال، والمحملة بالمثالية المتناغمة، ما تزال حية اليوم.
في
هذه التراتيل طرحت مسيحية نيوبلاتونية (أفلاطونية جديدة) بشكل فطري
رسم لكثير من الدنمركيين بعض أجمل ذكريات الطفولة.
ولما
كانت تلك التراتيل قد كتبت لأطفال الميتم لتوحي بالثقة، فإنها تعبر
عن أحد أوجه الشخصية الدنمركية التي تستطيع أن تكون قوة وضعفاً في
آن واحد.
كان
الرأي المسيحي الذي توصل إليه غرودفيغ بعد عدة سنوات من الاختبار
واثقاً ولكنه أكثر ديناميكية ولد غرودفيغ في عام 1783، وتأثر في
شبابه بالفلسفة الطبيعية والتفت بعد أزمة من الأزمات التي يتعرض
لها الشباب إلى مسيحية الإنجيل اللوثري الجديد، ورفع لواءها بهجمات
على إنسانية غوته المسيطرة.
وبعد
عدة سنوات من التفكير في التأثير الضئيل للمسيحية على الحياة الثقافية
المعاصرة توصل في أواسط العشرينات من القرن التاسع عشر إلى شكل جماعي
من المسيحية بوحي من الكنيسة القديمة وتبنى النزعة الإنسانية الديمقراطية،
مما جعله الشخصية الأكثر شهرة في الدنمرك في القرن التاسع عشر.
وكانت
جميع أفكاره حول التعليم والمدارس والمجتمع والكنيسة والرفاه العام
مستوحاة من الوطنية والأيمان بالشعب العادي. لم يترك أي شخص الأثر
الهام الذي تركه غرودفيغ على الحياة المسيحية في القرن التاسع عشر.
فقد كان غرودفيغ رجلاً بالغ الحيوية. كان مؤرخاً وفيلسوفاً (كان
مهماً أيضاً في بريطانيا بسبب دراساته في الشعر الإنكليزي القديم)وكان
مترجماً وكاتب تراتيل وسياسياً. عاش حوالي تسعين سنة، بالرغم من
ذلك فان حجم عمله كان أكبر من سني عمره.
كان
إيمانه البسيط بالحياة موحياً بأهمية كبيرة في تطور الديمقراطية
الدنمركية.
وليس
للتراتيل التي كتبها، بما فيها من إحساس بالطبيعة، وحيوية وإخلاص،
من نظير بين التراتيل المسيحية.
وبينما
لم يصبح كيركغارد، بما له من خبرة بالإنسان، مهماً إلا بعد أجيال
على موته، كان غرودفيغ مصدر الهام عصره.
عاصر
غرودفيغ، وتأثر مثله بالفكر الإنكليزي، كاهن بلاد جرولاند ستين ستينسين
بليتشر (1782-1848) تاثر أصلاًب (أوشيان) وتحول في عمر متقدم لكتابة
القصص النثرية. مال بليتشر بطبعه إلى الغيمان بالعناية الإلهية وترافق
إيمانه بمعرفة وامل قلما يتحقق في حياة الافراد. وبفضل واقعية نثره
وسحر شعره مع عزلة طبيعة جرولاند، وتبصره بمنجزات العقل البشري أصبح
أكبر كتّاب النشر في الأدب الدنمركي، كما كتب نثراُ وشعراً مستوحى
من الأدب الاسكتلندي، باللهجة الجوتلاندية. وبسبب أسلوبه الحاذق
الدقيق، فان من الصعوبة بمكان ترجمته.
عاصرت
ما قبل الرومانتيكية الإنكليزية، بشعرها العاطفي، في الدنمرك، إنسانية
غوته. وكان للمدرسة الأخيرة ممثل أصغر سناً في الأدب الدنمركي هو
الشاعر والفيلسوف موللر (1794-1838) الذي تركت شخصيته الأصلية أثراً
دامغاً على سورين كيركغارد. وكان التأثير الأكثر بقاء هو الشكل الأخير
من ما قبل الرومانتيكية أي الرومانتيكية الفرنسية- الإنكليزية، بما
لها من غرابة ملموسة.
في
الكتابات الدنمركية تأثرت الرومانتيكية بالطبقة الوسطى المصقولة.
وكان البروليتاري هانز كريستيان اندرسون وثيق الصلة بهذه الطبقة
ومنفصلاً عنها في الوقت نفسه. واندرسون هو أشهر كتّاب الدنمرك. كان
شاعراً ومؤلفاً لكتب رحلات وكاتباً مسرحياً وروائياً. إلا أنه اكتسب
شهرة عالمية من خلال قصصه الخيالية.
اكتشفت
القصص الخيالية كشكل أدبي في القرن الثامن عشر، وأظهرت جميع الآداب
الوطنية في أوروبا اهتماماً بتلك القصص في ذلك الوقت. ولم يكتسب
اندرسون شهرته النادرة بالكتابة بأسلوب السرد التاريخي، وانما من
خلال الإيمان بالمعجزات الحية.
كما
ان كرة القصص الخيالية كانت فكرة حياته. وترافقت تلك الفكرة بمعرفة
فائقة بالطبيعة البشرية، كما ظهر بوضوح من خلال روح مرح تفضح الحقارة
والغش والأنانية. وبالرغم من التشاؤم الذي يطرأ بين وقت وآخر، فقد
بقي إيمانه راسخاً بالعدالة الأزلية المبنية على معرفة شخصية بحياة
كثيرين كانت فاشلة بالمعنى الدنيوي للكلمة. كانت قوة ملاحظة اندرسون
نادرة المثال. وقلما تنعكس دقة أسلوبيته وذكائه اللامع في الترجمات.
أنه يكتب للكبار بطريقة مفهومة أيضاً من قبل الصغار.
والمؤسف
أن كثيراً من الترجمات لا تعكس أيا من الحساسية المفرطة والذكاء
والتعقل الذي يتميز به عقله الواسع. لم يكن لأي كاتب دنمركي تلك
المقدرة على تصوير الغلو والتعالي وفي الوقت نفسه التمسك بإصرار
وبإيمان بدائي بما هو في الحقيقة وهم، إلا انه وهم يبعث على الإشراق
والتفاؤل.
يتجلى
المظهر الانشقاقي للرومانتيكية بشكل تصالحي في قصص اندرسون الخيالية
ولكن في أعمال سورين كيركغارد التي كتبت في الأربعينات والخمسينات
من القرن التاسع عشر يصبح ذلك المظهر قمة التناقض.
فقد
رفض كيركغارد تناغم النزعة الإنسانية وفلسفة هيغل السائدة فاستعاض
عنها بالانفعال الحي للفرد المؤمن بمبدأ يرفضه المثقف ويشك فيه.
وبأسلوب واضح وخيال واع نادر المثال في الدنمرك طور بالمنطق المطلق
وبالألم والمعاناةن مفهوم التضحية بالنفس بالنسبة للفرد في المسيحية.
ففي وصف ثلاثة مواقف من الحياة - جمالية الرومانتيكية وأخلاقية الأرستقراطي
المثقف والموقف الديني التناقض الذي يتميز بالشغف والانفعال - يطرح
بدائله الثقافية ويختار الأخير. وهو بالغ الأهمية بالنسبة لتركيز
القرن العشرين على الأسطورة. وقد كان جدلياً بطبيعته، يعزل نفسه
برفضه أي خيار ماعدا خياره هو. وبالتالي فقد كان ثائراً بمعنى انه
مهم أيضا بالنسبة لوقتنا هذا.
وقد
كان مهماً بالنسبة للفكر الألماني بسبب عبقريته التأملية. كما اثر
وضوح فكره في الأدب والفلسفة الفرنسيين. تتحدر الوجودية من كيركغارد.
ولكن أثناء تطوره اكتسب فوارق كثيرة غالباً ما كانت تختلف عن فلسفته.
منذ
منتصف القرن التاسع عشر، انشغل الأدب الدنمركي بفكرة التصور والحقيقة،
وكان العمل المميز هو ((الحالمون)) 1857، لهانز أجيد شاك (1820-1859)
الذي يمثل ثورة راديكالية كانت الأولى من نوعها، اكتسبت دعم هولبرغ
وبول موللر في مواجهة الأدب الرومانتيكي اللا متراكز، والمثالية
كفلسفة في الحياة، وجميع أشكال ((التزييف)).
بالرغم
من أن جورج براندس (1842-1927) في محاضراته ومنشوراته أثار اهتماماً
مجدداً بالأدب بشكل يذكر بالتركيز الرومانتيكي على الثائر البطل
اللامتراكز إلا انه عزل نفسه عنه بعد عشرين سنة في مقال مهم عن نيتشه.
الأكثر أهمية بين الكتاب الجدد كان الشاعر والناثر جي بي جاكوبسون
(1876-1885) الذي اكتسب شهرة أوروبية بروايته ماري غروب 1876 عن
امرأة ترسم قدرها، ورواية أخرى بعنوان نيلز ليهن 1880 عن رجل يحارب
أحلامه عن الحب والفلسفة والعمل.
كانت
كتبه المليئة باليأس وحلاوة الإحباط مصدر الهام للأدب الدنمركي في
التسعينات من القرن التاسع عشر الذي اكتسب أيضاًَ من نيتشه والرمزيين
الفرنسيينز.
قبل
النزعة الغنائية التي ميزت التسعينات من القرن التاسع عشر عرف الأدب
الدنمركي اثنين من فناني النثر الطبيعي. كان الأول هو الانطباعي
هيرمان بانغ (1857_1912) وهو منتج وقارئ مسرحيات ذو شهرة عالمية.
وقد وصف، ككاتب، الشخصية الوحيدة والحزينة بتعاطف وهجاء.
ومثل
جاكوبسون كان تأثير بانغ كبيراً على الأدب الألماني. وكان هنريك
بونتوبيدان (1857-1943) قاصاً على القدر نفسه من الأهمية، وقد حاز
على جائزة نوبل في عام 1917. واكتسب أهمية جديدة اليوم من خلال دعوته
إلى الوجود الشخصي. وتشكل رواياته العظيمة التي تقع في عدة أجزاء،
وحكاياته الطويلة، وقصصه القصيرة لب الكلاسيكية الجديدة في الدنمرك.
شخصياته كثيرة تتراوح من أكثر الفلاحين فقراً إلى ابناء المدينة
المثقفين والسياسيين من ذوي النفوذ. يرصد بونتوبيدان باستمرار الزيف
واساءة استخدام السلطة. ونذكر بين أهم المواهب الشعرية الغنائية
التي ظهرت في التسعينات من القرن التاسع عشر جوهانز جورجينسين (1866-1956)
الذي كان كاثوليكياً عاش فترة طويلة في الخارج وكتب سيراً لعدة قديسين.
وهيلجي رودى كلوسين(1870-1937) ولودفيغ هولستاين (1864-1943) وسوفوس
كلوسين (1895-1931) أكبر شاعر غنائي في الأدب الدنمركي الحديث. وقد
كان له تأثير كبير على جيل كامل من الشعراء كانوا في الأربعينات
من القرن العشرين دعاة الحداثة في الدنمرك.
تميزت
بداية القرن العشرين بطرح دنيوي تقدمي على أيدي عدة كتّاب اتجهوا
نحو الإصلاح، وكان بينهم البروليتاري المشهور مارتين اندرسون نيكسو
(1869-1954) وجيبي آكجار (1866-1930) الذي اشتهر بأشعاره الغنائية.
هذا
الادب الاصلاحي ترك آثاره في الواقعية الاجتماعية للثلاثينات من
القرن العشرين التي تميزت بالكآبة عندما سيطرت الرواية على الادب
في الدنمرك. وكان من كبار موهوبيها موجين كلينغارد (1906_1945) وجورجين
نيلسين (1902-1945) وهانزكيرك (1898-1962) ونوث بيكر (ولد في 1893)
وتوفين ديتليفسين (ولد في 1918) وليك فيشر (1904-1956) وهارالد هيردال
(ولد في 1900) و(ويليام هينس ولد عام 1900) وجورجين فرانتز جاكوبسون
(1900_1938) الذي مات قبل ان تنشر روايته الوحيدة ((باربارا)).
الرسم
غير الرومانتيكي للشخصية الذي سبطر على الواقعية الاجتماعية، يتجلى
في أعمال كاتبين هما آسه هانزين (ولد 1893) ونونسو ندرباى (1909-1966)
كان أكبر كاتب في بداية القرن العشرين هو جوهانز جينسين (1873_1950)
الذي استوحى إلهامه من نظرية التطور، وكان مجدداً في أسلوبه، فعبر
عن فلسفته الدنيوية من خلال قطع نثرية صغيرة كاملة الأبعاد، كان
يسميها (أساطير) ومن خلال
الروايات
والتراتيل. يعيد جانسين إلى الاذهان مرحلة غوته، وذلك من خلال إيمانه
بطيبة الإنسان وإبداعه ومن خلال اعجابه بالعقل المتكيف مع الطبيعة.
وقد منح جائزة نوبل في عام 1944.
تأثر
جوهانز جينسين بالفكر الإنغلو أمريكي. وفي العشرينات من القرن العشرين
سيطرت الانطباعية الألمانية والمستقبيلة الإيطالية على الأدب الدنمركي.
وقد كانت المدرسة الثانية مهمة بالنسبةل! (توم كريسنسن) (1893-1974)
الذي كان شاعراً وكاتب نثر.
وقد
كان الموضوع الذي بحثه هو أعماق العقل الخطيرة. وفي العشرينات من
القرن العشرين أيضاً استوحى جاكوب بالودان (ولد في 1896) من التحول
نحو الحضارة التقنية وعبثيتها موضوعاً لرواياته. ولما كان بطبيعته
رجعياً، وكان توم كريسينسين راديكاليكياً، فقد كان أحداهما مكملاً
للآخر في اكتشافهما الثقافة العالمية.
شهدت
العشرينات من القرن العشرين ظهور شاعرين غنائيين هما بيرلانج (ولد
عام1891) وبول لاكور (1902-1956). كان الأول كلاسيكياً بسيطاً،والثاني
باحثاً عن المطلق، كثيراً ما كان يستلهم وحيه من الرسوم الفرنسية
والشعر الحديث.
وبالرغم
من سيطرة الواقعية الاجتماعية على الثلاثينيات من القرن العشرين،
فان الكتاب الأكثر إثارة للجدل في ذلك العقد لم يكونوا من اتباع
تلك المدرسة. وكانت كارين بكيكسين (1885-1935) التي كتبت باسم مستعار
هو ايزاك وينسين ذات شهرة عالمية، وقد نشرت في البداية باللغة الإنكليزية
في عام 1943 ثم بالدنمركية في عام 1935. والكاتب الثاني كان نيس
بيترسون (1897-1943) الذي اكتسب شهرة عالمية بروايته الفلسفية (شارع
صناع الأحذية الخفيفة) عام 1931. وهناك الكاتب المسرحي كاج مونك
(1898-1944) الذي اغتاله الألمان عام 1944. ونذكر من بين أولئك الكتاب
سفين كلوسين (1893-1961) وكجيلد آبيل (1901-1961). كان مارتين هانزين
(1909- 1955) من أكبر كتاب مرحلة ما بعد الحرب، وقد ألف سلسلة من
الروايات والمقالات التي تطرح حضارة الأزمنة الحديثة المشتتة ازاء
الحضارة المتماسكة التي رآها في العصور الوسطى والحياة القروية القديمة.
كتب ه. س. برانر (1903-1966) عن السلطة كقناع للضعف والخوف. وتحدث
عن الزواج وعلاقة الأبناء بالآباء. وكان أبرز كتاب الدنمرك في العصر
الحديث.
أثناء
الحرب العالمية الثانية، بدأ جيل من الشعراء الغنائيين الشباب يشق
طريقه وتحلقوا حول مجلة هبريتيكا (1948-1953).
كتب
الجيل الشاب شعراً جديداً مستقى من معايشة التوتر والخوف والشجاعة
والزيف والحقيقة.
من
رواد تلك الحركة كان أوليه سارفيغ (ولد 1921) الذي كان ناقداً وروائياً
وشاعراً. ومن أبرز شخصيات تلك الحركة كان أريك نونسين (ولد1922)
الشاعر وكاتب المقالة والذي ألف مؤخراً مسرحية كوميدية صغيرة.
ونذكر
بين الكتاب أيضاً أوفيه أبيلدغارد (ولد 1916) وثوركليد بجورنفيغ
(ولد 1918) الذي ترجم ريلكه وكتب أطروحة دكتوراة عن مارتين هانسين.
الشاعر الوحيد الذي كان واعياً اجتماعياً هو هافدان راسموسين (ولد
1915) الذي كتب شعراً تقليدياً.
مورتين
نيلسين (1922-1944) كتب مجموعتين صغيرتين من الشعر، رصد فيهما روح
الجيل. فرانك جاجر (ولد 1926) نجح في تجديد نفسه، وكان شاعراً بالدرجة
الأولى؟ إلا أنه كتب أيضاً روايات وقصصاً قصيرة ومقالات. أوليه ديفيل
(ولد 1921) شاعر وكاتب مقال.
كان
ناشر هيريتيكا وساعد رئيس تحريرها لفترة.
بدأ
التعب يبدو على هذه المجموعة من الكتاب الشباب منذ منتصف الخمسينات
من القرن العشرين. وتخلى العديد منهم عن كتابة الشعر. وبدأت التوقعات
تتجه نحو ولادة مدرسة جديدة؟ إلا أنها بدت غير واضحة الاتجاه في
البداية. فقد كتبت جماعة من الكتاب الشباب روايتهم الخاصة، وكان
من ضمنهم أخصب مواهب الجيل وهو كلاوس ريفبجيرغ (ولد 1931) وقد كان
غزير الانتاج من رواية وشعر وصحافة ادبية وسيناريو افلام ومسرحية.
وكان متعدد الاسلوب: تراوح أسلوبه بين الواقعية الجديدة في الرواية
والسيرة الذاتية في الشعر والشاعرية السريعة الزوال والنقد اللاذع.
ليف
باندورو (ولد 1923) كان روائياً بالدرجة الأولى استحوذه موضوع الاغتراب.
روائيون جدد آخرون نهجوا نهج كافكا خاصة اولاريوم (ولد 1937) وسفيند
آج مانسين (ولد 1939) وسفين هولم (ولد 1940) وسيسيل بودكر (ولد 1927)
الذي ككتب الشعر والنثر بأسلوب الستينات.
التشاؤم
والبحث عن التجارب الجديدة ميز العقد في استخدامه كلمات مثل المواجهة
والاغتراب والتناغم. وكان في مقدمة الكتاب فاغن ستيت (ولد 1925)
وفيلي سورنيسين (ولد 1929) وبول اورام (ولد 1919) وويلي اوغست لينمان
(ولد 1914).
ومن
بين المواهب الشابة نذكر الشاعر وكاتب القصة القصيرة نود هولست (ولد
1936) والشاعر والروائي بني اندرسون (ولد 1929) والشاعر بوب بوروم
(ولد 1934) والشاعر والروائي جورجين غوستافا براندت (ولد1928) والشاعر
اوفيه هاردر (ولد 1930) وكاتب التراتيل جورجين سونيه (ولد 1925)
والشاعر جيسي اورنسبو (ولد 1932).
فريدريك
نيلسون
ترجمة: هالة نابلسي
|