حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الناقد ليس سكرتيراً عند الكاتبة

الكاتبات السوريات والنقد وتراشق الحجارة

بداية أعترف بأن المحرض على كتابة هذا المقال هو تلك التهم التي أطلقتها جزافاً أديبات سوريات في بعض صحفنا (شرفات،الثورة)، وتكررت إلى درجة ذهبت فيها الأديبة لينا هويان الحسن إلى كتابة وصاياها - في عصر انتهت فيه الوصايا - للنقاد تحدد لهم ما يجب أن يفعلوه، وأود في البداية أن نتفق على أنه هناك سوء فهم لطبيعة النقد ينجم عنه إلصاق تلك التهم جزافاً، ثم لنتفق بداية على أنَّ النقد أنواع أهمها ثلاثة:

1 - النقد الصحفي: وهو غالباً لا يمكن أن يندرج تحت إطار النقد بمعناه الدقيق، إذ إنه محكوم بعدد محدد من الكلمات، وبمساحة معينة، وأزعم أننا نفتقد في سورية الصحف والمجلات النقدية المتخصصة المحكمة، من هنا يتصف هذا النقد الصحفي بأنه انطباعي غالباً لا يخرج عن دائرة المديح أو التقريض، وهو في نهاية المطاف لا يعدو عن كونه إشهاراً للمجموعة لأن طبيعته وحجمه تجبرانه على أن يكون كذلك، والحق أن نظرة أديباتنا المبجلات إلى هذا النقد وإعلاء شأنه وجعله ناطقاً رسمياً باسم النقد، جعلهم يخلطون الحابل بالنابل، فيمكن أن يكون كاتب هذا النقد الصحفي (دون تعميم)لا يعرف من أبجديات النقد شيئاً، وقد يكون ذلك غير مطلوب منه إذ إن طبيعة المادة الصحفية تختلف كلياً عن طبيعة المادة النقدية، التي تقضي القراءة التفصيلية والاسترسالية عند تقييم أي عمل أدبي وهذا ما يجعل من المادة النقدية مجافية لصيغة العمل الصحفي الذي يقتضي الاختصار والإشارة أكثر مما يقتضي الاسترسال والشرح ومن هنا من الخطأ جعل النقد الصحفي موازياً للنقد المقدم في الكتب النقدية المتخصصة أو للأبحاث النقدية ذات الصلة.

2 - النقد الأكاديمي: وهذا النقد مساء فهمه سلفاً، إذ إنَّ لقب الدال يولد حساسية لدى البعض من الأدباء والأديبات مما يجعلهم يهاجمون هذا النقد هجوماً مسبقاً، وإن كنّا لا ننكر أن بعض الأكاديميين لا يستحقون من هذه الصفة أو هذا اللقب سوى الاسم، ولم يقدموا ما يثري، لكن ذلك لا يعفينا من النظر إلى النتاج الأكاديمي نظرة موضوعية إذ إننا نلحظ أن هذا النقد مظلوم من ناحيتين:

الأولى: أن الدراسات الأكاديمية في غالبها هي دراسات حبيسة الإدراج ، بخلاف كل جامعات الكون، التي تنشر النتاجات الجيدة منها، أضف إلى ذلك الحصار المفروض على تلك الدراسات من قبل مؤسساتنا الحكومية (اتحاد الكتاب وزارة الثقافة) إذ لا يعقل أن تكون سمة أطروحة كافية لإبعاد الكتاب عن النشر ولا سيما أن الاتحاد مثلاً ينشر لأشقائنا العرب رسائلهم الجامعية لعدم معرفته بأنها جامعية فيما يحظر ذلك على السوريين، ولدينا قائمة طويلة بذلك مع أنها خاضعة لنفس الحكم (أطروحة جامعية) وهذا ما يبعد دراسات مهمة أنجزت من الظهور على الساحة النقدية. والظلم الثاني: هو عدم قدرة المجلات النقدية السورية (معرفة - موقف) على استيعاب الحجم النقدي المنتج ، هذا بالإضافة إلى طبيعة العمل والآلية التي تحكم هذه المجلات، وهي معروفة عموماً للجميع، مما يعني إبعاد الكثير من الدراسات النقدية الحقيقية سواء أكانت لأكاديميين أم لغيرهم من الظهور، وما ينشر منها إلا النزر القليل ، وهذا يدفع بالبعض إلى المجلات الخليجية والعربية، والانترنت.

3 - النقد الثالث: هو النقد غير الأكاديمي، ولا سيما منه المنشور في كتب ودراسات دون أن ننفي عن هذه الدراسات سمة الأكاديمية بمعنى اعتمادها على أسس ومقاييس نقدية وعلمية تحكم النتاج، وهي ليست بالقليلة على كل الأحوال. نريد أن نصل من هذا الاستعراض، إلى أن سيطرة النمط الأول أي النقد الصحفي هي سيطرة بديهية نتيجة غياب المجلات النقدية، وليس كل من يكتب مقالاً صحفياً هو ناقد بالضرورة، ويستحق سمة الناقد، بل إن أغلب ما يكتب هو عبارة عن انطباعات واستعراضات للكتب، أو تعريف موجز بموضوعاتها.... الخ وبالتالي فالنقد هنا لا يكشف عن تقنيات أسلوبية أو ملامح فنية ولا يحلّل جماليات النص التي تقتضي مساحات أكبر من أن تحتملها الصحيفة التي تتبع إستراتيجية إعلامية وتواصلية مع القراء تقتضي التنويع والجذب أكثر مما تقتضي أن تخصص لدراسة مجموعة واحدة. (دون أن ننكر أهمية بعض الكتابات التي تندرج تحت هذا النمط فالتعميم خاطئ على كل الأحوال ولكن طبيعة المادة قد تسمح بكيل التهم لها)

ـ الأديبات والنقد:

إن استعراض آراء بعض الأديبات وتحديداً آراء (لينا هوبان الحسن، انتصار سليمان، روزا حسن، رشا عمران هيفاء بيطار) اللواتي أدلين بدلوهن في معرض تحديد العلاقة بين النقد (الناقد) والأديبة تجعلنا نخرج بنموذج كاريكاتوري للناقد تتجلى ملامحه من خلال الآتي:

- الأديبات يطلقن أحكاماً عامة وكأنهن سبرن الحركة النقدية كاملة لذلك تأتي لفظة الناقد متصاحبة دائماً مع نعوت أقل ما يقال فيها إنها توصيفات تنم عن لا أخلاقية الناقد وأنه (دائر على حلِّ شعره) كما يقال في العامية بحثاً عن اصطياد الأديبة المبدعة كي يفتح لها أبواب المجد وهي ستصدقه بسذاجة، مع الإشارة إلى أن عشرات المقالات وعشرات الكتب لا يمكن أن تشهر كاتبة في زمن اللاقراءة والهجران الثقافي، بل إن خروج فتاة في إعلان بسكويت في تلفاز ما قد يحقق لها شهرة تفوق ما يكتبه عنها نقاد الوطن العربي جميعاً ، بكل صنوفهم ونعوتهم، فتحميل النقد مسؤولية الشهرة أو عدمها هو شهادة زور عن واقع أبعد ما يكون عن ذلك .

- التدليس: وهنا يمكن أن نقرأ ما قالته الأديبة لينا الحسن: (مشكلتي مع النقد أنني أعمل بالصحافة وأنني بقلب هذه المهمة وعلى اطلاع دقيق ومفصل كيف تتم الكتابات النقدية عن أعمال الكاتبات، بل إنني شهدت كتاباً يكتبون بذريعة أنهم ينقحون لهن وعندما يصدر ذلك الإبداع الرهيب يقوم كاتبه بنقده) والمأخذ على هذا الرأي من ناحيتين:

الأولى: كون الأديبة تعمل بالصحافة هذا لا يعني مطلقاً أنها مطلعة على الحركة النقدية، كما زعمت وهذا ما دلت عليه مقالتها عن الوصايا النقدية بل يعني أنها مطلعة على الكتابات الصحفية التي تكتب عن النتاج الأدبي، أي النقد الصحفي، لأن الدراسات النقدية غير ذلك وهذا ما يمكن أن نلحظه في كتب نقاد كثر أمثال: سعد الدين كليب، ووفيق سليطين، وخليل موسى، ورضوان قضماني.. وغيرهم فهل هؤلاء كلهم يندرجون ضمن معرفة الأديبة، على الأقل كتبهم لا تدل على ما ذهبت إليه، أما اطلاعها على ما يكتب من مقالات صحفية فهذا لا يعني درايتها الكاملة التي تسمح لها بنسف جهود الآخرين. والناحية الثانية: أشارت إلى التدليس والتوليف والكتابة من قبل البعض لكاتبات وأعتقد أن من مهمتها كصحفية أن تفضح ذلك، بل أن تتناول نماذج محددة عن كتابات وتعالجها وتبين لنا الخلل، فهنا يقع عليها جزء من المسؤولية، وهنا أشير إلى أنني قد تناولت هذا النمط الصحفي الذي يدرس نتاجات الأديبات بتقنية التطبيل والتزمير بمقال موسع عنوانه (عندما يصبح الطبالون نقاداً ما كتب عن الأديبات نموذجاً )فبإمكان الأديبة أن تعتمد النهج نفسه في معالجة الأمور لأن الكلام العام لا يفيد ولا يقضي على ظاهرة السوء فيها وبالتالي ننتهي من مسألة تراشق الحجارة ونضع النقاط على الحروف ونفرز الناقد المنصف عن الناقد المدلس.

 القدرات الجنسية للناقد: أكدت الأديبات اللواتي ندرس آراءهن أن نقادنا يمتازون بسمات جنسية وفحولية كبيرة، فالناقد يصنع الأديبات ، حسب الهويان، والناقد يحكم على الأديبة من خلال علاقته بها، ولا يميز عمل الكاتبة من جسدها، ولا ينقد الأديبة حسب رأي انتصار سليمان - إلا إذا) قدمت له جسدها قرباناً )، والناقد - حسب انتصار - يقول للشاعرة) أنت شاعرة ويتلعثم عندما تسأله ماذا قرأ لها (ويقول للأديبة) أنت شاعرة وعليك أن ترافقيني إلى مغامرتي بلا أية مقدمات، (والنقد الحالي هو) نتيجة العلاقات المشبوهة التي أقاموها مع نساء ضعيفات، (والناقد هو عاشق أو طالب للزواج ، والناقد لا يتناول النص الجيد) لأسباب معروفة للجميع) - حسب انتصار - أما روزا ياسين حسن فالناقد لديها (مختص بإسقاط الخبرات الجنسية لبطلة الرواية ليظهر عهر الكاتبة و(لا يستطيع المضي بعيداً عن ذكورته (ولا تبتعد كثيراً رشا عمران ولكنها تضيف أن النقد) عبارة عن آراء خاصة يخضعها الناقد لذائقته وهو دون أي معيار وما يحدث وبنسبة 90% هو تتابع لعلاقات شخصية) لذلك فهي تنتهي إلى نتيجة مفادها) لم أعد أعرف إذا كان النقاد يكتبون عن شعري نتيجة لمصلحة ما أو لإعجابهم بنصي فقط ( وآراء الأديبة هيفاء بيطار الساخطة لا تخرج عن هذه الدائرة.

- أين تكمن الإشكالية:؟

- الخلط بين أنماط النقد، والخضوع للعلاقات الشخصية عند تقييم النقد ، فأن يغازل رجل ما امرأة دون أن يكون قرأ نتاجها لا يعني أن النقاد جميعاً خاضعون لغريزتهم، وألا تعرف رشا عمران ماذا يريد الذي يكتب عنها، منها فهذه مشكلتها لا مشكلة النقد. لا أقول إن النقاد والأديبات ملائكة وأن تعرف الكاتبة بعض الكتبة وتكتشف سوءهم فهذا لا يعني أن نقادنا جنسيون وشبقيون. يضاف الى ذلك ان مهاجمة النقد بات درجة\" موضة\" بين الأدباء والأديبات، أكثر منه تقويم عن دراسة وعلم. - الحكم على المنتج لا على الأشخاص والمنتج هو الدراسات النقدية التي يمكن ان تخضع للنقد ولوضعها في سياقها، ولا بأس من القسوة على هذا المنتج اذا كان ساقطا . أخيرا أعتقد أنني لست مضطراً لأن أعدد الكتب النقدية المهمة الصادرة التي يجب أن تنطلق محاكمة النقد من خلالها لا من خلال الخلاف مع بعض الأشخاص لتقرع الحجة بالحجة، لا ان يبقى فن تراشق الحجارة هو السائد. لاسيما ان بعض أديباتنا ايضاً لا يقبلن بالموضوعية، وسأضرب هنا مثلاً عند إعداد كتابي عن جيل التسعينيات في سوريا طلبت عن طريق احد الأصدقاء ان يحضر لي نتاج إحدى الأديبات فاعتذرت عن تزويده به بحجة (إنها تصنع المكدوس) ومؤخراً عند تقديمنا لدراسة عن مجموعة (قلب من ورق الخرشوف) فوجئنا ان صاحبة المجموعة غاضبة من موضوعيتنا فهل هذا قصور من النقد؟! أم من أديبتنا ومع ذلك لا يجب ان نتعامل بمنطق التعميم وفق رؤية أديباتنا للنقد؟ كما انه يجب ان لا تبقى نظرة أديباتنا الى الناقد على انه سكرتير ينتظر ان تكتب الأديبة سطراً حتى يهب للكتابة عنه، وإلا عُد مقصراً فظروفنا الموضوعية تقتضي الصبر الذي يبدو انه ما عاد جميلاً في أيامنا!!!.

 

د. هايل محمد الطالب


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.