
من
قتل سركون بولص...؟
باكرا غادر الوديع مأدبة العشيرة، باكرا
مات من دون ان يودعني، باكرا مات في برلين ولم يمت في مدينتة كركوك.
الانذال من حفاري القبور هم الذين حفروا جرحافي اعماقه وراحت المنافي تعمق
من جرحه.
اجل، لقد قتله الانذال، هل اسميهم اسما اسما؟ قتله لانه كان اجملهم وانبلهم
واشد موهبة منهم.
لم يكن سركون تستهويه الايديولوجيات الثرثارة لكنه مع ذلك، ومثل” جورج اورويل
“ اختار سركون الوقف الى جانب المهزومين.
عاش سركون في ذلك الزمن الوغد اذا جاز لي ان استعير عنوان
كتاب” ليليان هيلمان “ فراح الاوغاد من البرابرة يشحذون سكاكينهم
في لحمه، كانوا يقذفونه باقبح الشتائم والمظالم: - بورجوازي،
لبرالي ومتاثر بالثقافة الغربية مع ان سركون كان من عائلة
فقفيرة معدمه، وتجد عدد من هؤلاء الاوغاد ينامون اليوم في
اسرة الرأسمالية المريشة.. يا اولاد (.......) لااستثني منكم
احدا، انتم الذين قتلتم الوديع، وهاهوه ذا وجد اخيرا راحه
واني الان اخاطبه مثلما خاطبه”هوراتشيو “ صديقه”هاملت “: -
“ الان يتحطم قلب نبيل
عم مسأءا ايها الامير العذب
ولتغنيك اسراب الملائكة في راحتك “
واذا كان يهودا الاسقريوطي قد غدر بالمسيح في العشاء الاخير فقد كان لسركون
الف يهودا.
كنت قبل ايام قد وجهت له رسالة ولم اكن اعلم بانها ستكون رسالتي الاخيرة له
، هل كنت اودعه من دون ان ادري؟ فيا لتعسي وحدسي.
وبموت سركون الفاجع وجدت رائسي يزدحم بالذكريات عنه، اروي هنا طرقا منها لتكون
شهادة لحزني عليه وخسارتي على غيابه.
في المقهى العاري
ذات المساء تموزي من عام 1967 تعرفت عليه في ذلك المقهى المقابل
لبار ركن الهادئ والمجاور لبار رومانس، كان المقهى مكشوفا
بلاسقف وكنت اسمه المقهى العاري، كان تعارفنا بلا بروتوكولات،
كان جالسا بصحبة ابراهيم زاير وانور الغساني واخرين لااذكرهم،
قال لي سركون: - قرات ترجمتك لقصائد لوركا، هل تترجم عن الاسبانية؟
قلت: - عن الانكليزية.. وجدته كعادته يهتف: تجيد الانكليزية؟
ومن علمك اياها؟ وانت مازلت صغير السن؟ قلت له: - تعلمت الانكليزية
في الكنيسة وعلى يد استاذ اشوري كان خريج الجامعه الاميركية
في بيروت.. وسألني سركون: - هل انت مسيحي؟ قلت: - لا.. انا
كردي مسلم.. سكت سركون وامسك بوجه وراح يتنهد” اه، ان الكورد
يحبون الاشوريين.. قلت له: - ان اول فتاة احببتها كانت اشورية
وبمرور الايام توثقت علاقتنا“.
وبعدها انتقلت العشيرة الى مقهى المعقدين الواقع في ذالك الزقاق الذي تشق قلبه
ساقية تجري فيها مياه اسنة سوداء.
لاحظت ان سركون لاياتي الى المقهى الا مع غروب الشمس ولم اكن اعرف السبب ولم
اسأله عن ذلك، كنت معروفا ببراعتي في لعب” الطاولي “ وكنت اهزم الكثيرين وكل”داس
“ بخمسين فلسا ولم اكن في حاجة لهذه” الفلوس “ لانني كنت من عائلة ميسورة وانيقا
في ملبسي.
ذات مساء” ابتليت على عمري “ عندما سألت سركون: - هل ترغب بلعب الطاولي؟ قال
بانه لايجيد اللعب، قلت له: - انا اعلمك اياها، وبعد عدة” دروس “ في اللعب
اصبح يجيدها، ولكن مصيبة وقعت على رائسي، كان يجعلني العب الطاولي معه لسعات
طوال، ذات مرة قلت له: - سركون هيا بنا نتسكع، فوجدته يقول لي: - هل انت
مجنون؟ هل تريد ان يراني”الانضباط “ في الشارع ويسألني: - وين دفتر الخدمة
مالتك.
لم اكن اعرف ان سركون هارب من الخدمة الالزامية وبذلك علمت سبب مجيئه الى المقهى
مع غروب الشمس وذات مساء اخر جعلني سركون العب الطاولي معه حتى الساعة الحادية
عشرة، قلت له: - سركون ان اخر حافله تقودني الى بيتنا تنطلق في الحادية عشرة
والنصف وجدته يقول في فكاها: - لابأس، سر مشيا على الاقدام وتصور نفسك في
ماراثون للمشي.. واطلق قهقهة بيضاء، قلت له: - هل تريدني ان امشي من باب
الشرقي الى بغداد الجديدة؟
اقولها صراحة وفي كبريا باني كنت الوحيد من يثق به سركون ربما
لانه وجدني ودودا واليفا اورستقراطي جدا لااتكلم مثل هؤلاء
الذين يتولون تربية الافاعي في بطونهم، كنا نتكلم عن الكتب
والموسيقى والافلام السينمائية وكانت في كثير من الاحيان يقرأ
عليه قصيدة جديدة كتبها.
عندما اصبحت”سيناترا “!!
كنا ذات مرة نمشي على امتداد نهر دجلة وفجأة وجدت نفسي اغني
احدى اغنيات فرانك سيناترا، كنت انفق كثيرا من المال على شراء
اسطوانات اغاني (فرانك سيناترا) و (نات كينغ كول) و (ايلافيتز
جيرالد) و (هاري بيلا فونتي) و (دوريس دي) و (لوي ارمسترونغ)
و(ديوك الينغتون).... الخ وكنت استمع الى اغانيهم والى موسيقى
الجاز لساعات طوال حتى اصبحت اقلد صوت فرانك سيناترا تقليدا
تاما ومتقنا، ولما سمع سركون الاغنية فقد ظن اني احمل مسجلة
في جيب معطفي، وجدته يقول: - ارفع الصوت قليلا.. سألته: -
ارفع صوت من؟ قال صوت المسجلة، قلت: - اي مسجلة؟ هذا انا الذي
يغني: - ولمى علم ذلك وجدته يهتف: - ظننت انه فرانك سيناترا..
اذا ارفع صوتك، وما زلت اتذكر كنت اغني اغنية (Aday in the
life of afool ) يوم في حياة احمق وهي اغنية بطيئة وحزينة،
ومضينا نمشي حتى بلغنا شارع الرشيد ولدى بلوغنا منطقة السنك
راينا ثلاث نساء يمشين معا، اقتربنا منهن وعلمنا انهن فرنسيات
من لغتهن، وجدت سركون يقول لي: - هيا بنا نلاحقهن، قلت له:
- هل تريدنا ان نقع في تهلكه؟ كنا في عام 1968، قال: -لاتخف،
هيا بنا.. ورحنا نسير في اعقابهن من دون ان اعلم ان في رأس
سركون مشاريع جنونية.
عبرنا جسر الاحرار ثم وجدنا النساء الثلاث يدلفن الى بيتهن
اما نحن فوقفنا مثل ابلهين وهنا وجدت سركون يسألني: - هل تحفظ
اغنية Strangers in the night؟
وهي لفرانك سيناترا، كنت احفظها، قال اذاً فغنيها وسترى ماذا سيحصل ورحت
اغني
Strangers in the night
Exchanging glances
Wandering in the night
What were the chances الى اخره
وفعلاً وجدنا احدى النساء تزيح الستارة قليلاً، فوجدت سركون يهتف في مرح طفولي:
ماذا قلت لك، انتظرنا وانتظرنا ولم يحصل شيء قلت له هيا بنا ننصرف فقد يتصلن
بشرطة النجدة واذاك فسوف نكون ضيفين في المخفر ونخرج منه في الصباح بعدما يشبعوننا
ضرباً، لا يا صديقي لست مستعداً لخوض مثل هذه المغامرة السخيفة، وانصرفنا.
كان سركون يعشق النساء في جنون وكان كثيراً ما يروي لي احلامه: السفر، الشعر
، والكتابة، كان معجباً بالكاتب “جاك كيرواك” وبروايته “على الطريق” ومعجباً
باعمال “فرانز كافكا” وذات يوم ترجم مقالتاً عن فرانز كافكا” وطلب مني مقارنة
ترجمته عن النص الانكليزي وقال لي: انت تجيد الانكليزية افضل مني كما انك
تجيد الاشورية افضل مني وسألني: لماذا لا تصبح اشورياً؟ وراح يطلق قهقهة
بيضاء.
كان مولعاً بالدعابات وبرواية الطرائف مثل الصديق عبد الوهاب الداقوقي الذي
كان في وسعه ان يجعل بطرائفه اتعس انسان يضحك، ذات يوم روى لي سركون طرفة
عن “بولص شليطة” وكان معنا الراحل جان دمو قال “ تصور يا صادق ان بولص شليطة
اذا ما وجدته يحلق صفحة من وجهه وينتقل الى حلاقة الصفحة الاخرى تجد الصفحة
الاولى قد نبتت.. قاه.. قاه.. قاه، لان لحية بولص كانت خشنة جداً
السفر
ذات مساء كنا نجلس في المقهى فوجدت سركون قلقاً متململاً على غير عادته، سألته:
ما بك يا سركون؟ سكت ولم يتكلم وطلب مني سيجارة مع انه لم يكن يدخن، الححت
عليه بالسؤال: قل لي ما بك، الا تثق بي؟ وجدته يخاطبني بلغة اخوية مترفة
: انت الوحيد الذي اثق به في هذه الحياة السخيفة، قلت: اذاً ما بك قل لي
هل انت في حاجة الى المال، هل تشكو مرضاً؟ ظل يلزم الصمت ثم خاطبني في حزن
: بعد ايام ساسافر الى بيروت: قلت له تسافر وانت هارب من الخدمة الالزامية
؟ قال: ان جماعة معينة دبرت امر سفري: لم اسأله عن هذه الجماعة ثم وجدته
يقول: جئت هذا المساء خصيصاً لاودعك، عانقني وغادر المقهى.
بقيت لفترة صامتاً حزيناً ولم ارد على تحيات اعضاء العشيرة، قمت من مجلسي
وتوجهت الى باب كاردينيا.
مرت الايام وعلمت بعدها ان سركون اصبح يعمل في مجلة “شعر” ثم قرأت كتاباً صغيراً
يضم قصائد القائد الفيتنامي “هوشي منه” ترجمها سركون.
ذات ظهيرة كنت جالساً وحيداً في المقهى فأذا بي ارى اخت سركون، وانا اعرفها
، تتجه نحوي، حيتني: اخي صادق ان سركون يخصك بالتحية، لقد بعث برسالة طلب
مني ان ائتيك لتأتي الى بيتنا وتبيع كتبه، نظرت اليها في حزن كحزن المادونا
قلت لها: عودي انتي وسألحق بك بعد لحظات، كان بيت سركون يقع على مقربة من
المعهد الثقافي الفرنسي وكنت مع فاضل عباس هادي ضيفين دائمين عليه وذات مساء
قرأ فاضل دراسة عن مارسيل بروست ان لم تخني ذاكرتي بعدما تناول فاضل ثلاث حبات
من الفاليوم لكي يسيطر على خوفه ويجعل لسانه طليقاً.
قمت وتوجهت الى بيت سركون، استقبلتني اخته واستقبلني ابوه المتعب: اهلاً
ابني صادق، كان سركون يعدك مثل اخ له، ويحدثني دائماً عنك وكان يقول بانك
تتحدث الاشورية افضل منه، هل تحب ان تشرب كوباً من الشاي؟ قلت له -اشكرك.
سألت اخته: اين كتب سركون؟ قالت في الطابق الاعلى رحت ارتقي درجات السلم
على عجل، قلت لاخته: هل لديكم اكياس؟ جاءت بعدة اكياس، اخذت اقلب الكتب
ثم سمعت اخته تقول لي: اه نسيت ان اقول لك بان سركون ذكر في رسالته بان تاخذ
انت المجموعة الكاملة لاعمال شكسبير وهو يهديها لك.
رحت اكدس الكتب في الاكياس ودفعت ثمن بعض الكتب التي اخترتها لي، هبطت الى
الشارع لاجلب سيارة تاكسي، حملت الاكياس وقذفت بها في جوف التاكسي وخاطبت
سائق السيارة: الى الباب الشرقي.. جئت الى صديقنا “البناي” وكان اذ ذاك ما
يزال يبيع الكتب على الرصيف، قلت له: يا صديقي هذه كتب سركون بولص طلب مني
ان ابيعها لك وجئتك عسى ان اجدك كريماً في الثمن، وقال لي بلغة التجار التافهين
: والله اخي صادق اشتري بسعر السوق، لم يكن البناي كريماً معي ولا مع سركون
لانه دفع ثمناً بخساً فأضفت من جيبي خمسة دنانير وقلت مع نفسي: سركون يبيع
كتبه لاعانة اهله واصحاب الافواه الكبيرة big mouths يعني الثرثارين
كانوا يتهمونه بالبورجوازي والليبرالي، فأين ذهبتم انتم باديولوجياتكم الجافة
، الم تصبحوا رأسماليين اكثر من “روتشفلد وكارنيجي”؟ ابصق في وجه كل من جرح
سركون بولص، ابصق في وجه كل المهرجين فأنتم الذين قتلتم سركون بولص، فكل
دموعكم ان كانت لكم دموع لن تغسل خطيئتكم هذه.
اعرف انكم الان تجلسون الى مكاتبكم مكيفة الهواء لتكتبوا مارثيات بائسة عن
موت سركون، هو ليس في حاجة الى مراثيكم وليس في حاجة الى كتاباتكم عن مشروعه
الشعري، كان هو وحده مملكة الشعر والوداع.
لما علم مؤيد الراوي اني بعت كتب سركون جاءني غاضباً ساخطاً:
صادق من سمح لك ببيع كتب سركون؟ انها كتبي انا، لقد استغل
مؤيد الفرصة ليفرغ غضبه فيً لاني لم اكن انضم الى تلك الجماعة
التي تحيط به لانه كان يعد نفسه الاب الروحي للشباب، ولم تكن
تسمح لي ان اكون عبداًً وتابعاً لاحد، كان سركون رحمه الله
يسميني “طماطة” اصلح لكل قدر” وكان الصديقان الراحلان جبرا
ابراهيم جبرا ونجيب المانع يقولان لي: انت امتداداً لنا.
وعقب ما يسمى بتأميم النفط جاءني احدهم من الحاقدين وخاطبني: انت يا صادق
سيحكم عليك بالسجن لعشر سنوات لانك اصغرهم سناً وسركون 15 سنة وفاضل عباس هادي
20 سنة وموسى كريدي 25 سنة وجليل القيسي 25 سنة ايضاً.. قلت لماذا؟ قال لانكم
تنشرون في مجلة العاملون في النفط التي كان يحررها ويشرف عليها جبرا ابراهيم
جبرا.
ومرت الايام والسنون ومرت ثم رحلت انا مع الراحلين الذين امتطوا
صهوات الريح والعاصفة وضعنا في المنافي والدايسبورا فعشت انا
عزلتي الحجرية في ذلك المنفى الخريفي وبعدها صدر قرار بفصلي
من الخدمة، كنت اعمل مدرساً للغة الانكليزية ولم اجد احداً
بعد التغيير السياسي يقف الى جانبي ليعيد لي حقي، ربما لاني
لم الجأ الى احد ليساعدني لانني كوردي ابي يرفض الخضوع والاستجداء
لكنني رحت اخيراً افكر باحفادي وقلت مع نفسي: ماذا لو مت
فجأة مثلما مات سركون بولص، فمن سيطعم احفادي؟ اه ما اتعس
العيش في العراق وبرغم ذلك رفضت كل الاغراءات التي جاءتني
لمغادرة العراق، قلت لهم انا من باب الشيخ افضل الموت في بغداد
من ان اموت ذليلاً اقف على ابواب منظمات الهجرة فأنا رومانسي
ثقيل الظل مثل سركون بولص، لم يسافر سركون الى بعد ما وجد
الاخرين ينكرونه، اطردوا هذا الممتاز من هذه المدينة لانه
خطر علينا، كما قال هيراقليطس.
ذات يوم من ايام ثمانينات القرن الماضي بلغتني هذه الانباء، القى سركون مأساته
في خليج سان فرانسيسكو ولم يكن معه الن غنسبرغ ولا غريغوري كارسو وانما كان
العراق يجلس القرفصاء في عظامي، كان احدهم يقيم لصق بيتي وكان اشوري وصديقي
وجارنا، سأله سركون: هل تعرف شخصاً اسمه صادق باخان؟ اجاب هذا الصديق واسمه
جوني: صادق باخان؟ اعرفه كان جارنا في بغداد الجديدة.
وبحسب الانباء التي وردتني ان سركون سأله: لماذا لا يأتي صادق الى اميركا
فهو الصديق الوحيد لي في هذه الدنيا، انه “طماطة يصلح لكل قدر”، يعرف كل
شيء استطيع ان اجد له عملاً هنا فهو يجيد اللغة الانكليزية افضل من الانكليز
انفسهم، قال له جوني: ان صادق متزوج الان وله اولاد كبار وهو يقيم الان في
الكويت وقال له سركون: صادق يعيش بين البدو وهو الارستقراطي اكثر من وينستون
تشرشل.
هكذا تكون الصداقة، صداقة نبيلة لا تعرف الغدر فلماذا قتلتم سركون بولص؟
صادق باخان
من
قصائد الراحل الشاعر الراحل سركون بولص
2007-10-28
في وسط الساحة
سقط الرجلُ على ركبتيه.
- هل كان متعَباً إلى حدّ
أن فقدَ القُدرة على الوقوف؟
- هل وصلَ إلى ذلك السَـدّ
حيثُ تتكسّر موجةُ العمر النافقة؟
- هل قضى عليه الحزن
بمطرقةٍ يا تـُرى ؟
هل كان إعصارُ الألم؟
- ربّما كانت فاجعة
ً لا يطيقُ على تحمّلها أحد.
- ربّما كانَ ملاكُ
الرحمة
جاء ببلطته الريشيّة عندما حانَ له أن يجيْ.
- ربّما كان اللّـه
أو الشيطان.
في وسط الساحة
سقطَ الرجل فجأةً مثلَ حصان
حصدوا ركبتيه بمنْجَـل.
نبي
أُجمّعُ نفسي
عارضاً وجهي للبرق
وأنا أهذي بانتظار أن تتركني
الموجة
على شاطىْ مجهول، مقيَّداً
إلى حجَر.
كتاب
إفتَحْ كتابَ الزمن
بأصابعَ مرتجفة، واقرأ:
ها هي حياتك مشدودةٌ من شعرها
إلى وَتـَد الأيام، كأنها امرأة
تريد أن تبوح لك
بأوّل الأسرار
وآخِرها.
الله
شاءَ اللـّه
للعالم السفليّ أن يتجلّى:
أزقّة مظلمة، حزينة
كُتبَ على البشرأن يتيهوا فيها
الى الأبد.
عُود
مّ كانت الأيام
ودسّ أحدهم بين يديّ
هذا العود، وعلـّمني كيفَ أغنّي
بهذا الصوت الجريح.
توفو في المنفى
"دخانُ الحرب أزرق
بيضاء عظامُ البشر".
قرية يصلُ إليها تو
فو
دَسْكرة فيها نار تكاد تنطفىْ
يصلُ اليها عارفاً أنّ الكلمة
مثلَ حصانه النافق، دون حَفنة من البَرسيم
قد لا تبقى مزهرةً بعد كلّ هذه النـَكبات!
كم ساحة معركة
مرّ بها تصفرُ فيها الريح
عظامُ الفارس فيها اختلطت
بعظام حصانه، والعشبُ سرعان ما أخفى البقيّة!
نارٌ تتدفّأ عليها يدان
بينما الرأسُ يتدلّى والقلبُ حَطب
هو الذي بدأ بالتيه
في العشرين
لم يجد مكاناً يستقرّ فيه حتى النهاية.
حيثما كان، كانت الحربُ وأوزارُها.
ابنتهُ ماتت في مجاعة.
..
ويُقالُ في الصين أنه كان يكتبُ كالآلهة!
قريةٌ أخرى يصلُ اليها
تو فو
يتصاعدُ منها دخانُ المطابخ
وينتظر الجياعُ على أبواب مخبز.
وجوهُ الخبّازين المتصبّبة
عرَقاً
تشهدُ على ضراوة النيران.
تو فو، أنت، أيّها
السيّد، يا سيّد المنفى.
نُصوع
تمسحُ اليد
ما تستطيع
لكي ترى اللوحة
ناصعةً مثل صباح تساقط فيه الثلج.
هكذا يقتربُ الشتاء
من نهاية البلوى
حينَ تَنفرُ الروح من كلّ تَطلُّعٍ، والمرآة
تتجاهَلُ الوجه.
ظلامُ تشرين حيث أمشي
في أروقة هذا البيت
لن يُهدئَ من رَوعي، ولا مقدَمُ الليل يُواسيني
أو يُطامنُ نهضةَ الأطياف
من مَراقدها الغبراء.
هذه الكلمات، أبداً،
تهبُّ في مفترق الطرُقات
بين النوم واليقظة.
الثلجُ كما يبدو
كانَ يتساقطُ حقّاً طوالَ الليل.
واليدُ تمسحُ ما كتبَتهُ على الصفحة.
رث بطعم التراب
كتبٌ مغلقةٌ في وجه
العالم.
آلامنا، طعمُ التراب. هذا الإرثُ، سماءُ
خانتها العين. ربّ نسيَ بسطالهُ
على رقابنا منذ الأبد
يعزفُ لحنه الأسود على
هاربسيكورد العظام، في حضرة اليل.
يسقطُ رأسٌ مع كلّ نغمة.
وذاتَ يوم يفرغ البلد.
ذات يوم لا تبقى سوى الأسلاك
التي مدّها الغزاة.
ذات يوم تبدأ الصحراءُ بالإقتراب.
الريحُ وحدها
تنزل، وتنزفُ كالأم، وتصرخُ
وتلدُ.
- وكن، من كان هنا قبلنا، قبل أن نأتي؟
- البيتُ، ومن كانوا في البيت.
وهذه الريح.
سقط الرجل.