حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أفكار لا تخلو من تناقض

أفكار... لماذا اعتبر أركون اللغة العربية عصب مشاكلنا الراهنة؟

في لقاء لإحدى المجلات العربية المهاجرة مع الأكاديمي الجزائري في جامعة السوربون بفرنسا الدكتور محمد أركون، طرحت في هذا اللقاء قضايا كثيرة.. منها أنه وجه نقداً عنيفاً للغة العربية، ورماها بكل النقائص. وحمّلها مسؤولية التردي الفكري والتأخر العلمي والمعرفي والعنف السياسي في وطننا العربي. ومما قاله أركون عن هذه اللغة أنها لم “تكسب بعد الأرضية المعرفية والآلات النقدية والمواقف الفكرية المنفتحة لعملية استدراج أو استنباط الإشكاليات التي تمكننا من تفهم وتفهيم التاريخ الذي نعيشه من دون أن نتمكن من تسمية أو إعطاء أسماء باللغة العربية لهذه القوة العاملة يومياً في إنتاج حياتنا العائلية أو العامة”.

مجيباً عن سؤال آخر.. أن “هذا النوع من الحياة الفكرية وهو مستوى الأساس للحياة البشرية لا بد أن يتمكن من نقد المبادئ، وما نسميه القيم التي تبنى عليها معاملة الأشياء من دون ذلك ننتهي إلى فوضى دلالية وحرج على كل أحد، وهذا كله يؤدي إلى العنف، لأن الإنسان لا بد أن يخرج الأشياء التي تضغط على حياته، وإذا لم يخرج الأشياء التي تضغط عليه، سيعبر عنها بالعنف، وهنا نلتمس ما يربط اللغة بالعنف”.

والحقيقة أن هذه الإجابات “الأركونية” عن اللغة العربية تجعل الحيران يزداد حيرة فيما يفكر فيه هذا المفكر حسب نعت البعض، وهو الذي لا يكف عن طرح الفكرة التي تقول إنه مشغول باللامفكر فيه في الفكر الإسلامي، فهل إشكالية اللغة العربية مع الواقع العربي الراهن كما يقول أركون إنها تقع ضمن اللامفكر فيه منذ الزمن، وحان الوقت الآن أن يفككها أو يكشفها كما يردد كثيراً من أمثلة  المستحيل التفكير فيه  المتنكر  المكبوت والمتبقي  المنسي  الذي يقع خلف الحد  إلى آخر المصطلحات التي يرددها في مقابلاته وأبحاثه، أو كما قال في بعض كتبه “نأخذ بعين الاعتبار الروابط بين اللغة  التاريخ  الفكر”؟.

أولاً: ما دخل اللغة العربية فيما يجري في راهننا العربي الاجتماعي والسياسي؟ وهل اللغة العربية عاجزة عن التعبير عن قضايا الأمة وآمالها وآلامها والتكيف مع تطلعاتها في التطور الخ؟ هذا الكلام غير المنطقي وغير الموضوعي يجعلك تستغرب أن يقول أركون ما قاله وهو الذي يدعي المنهجية، والعلمية، ونقد الأمور بواقعية، وهل ما يقوله يمكن أن يقتنع به احد له ذرة من عقل ومعرفة عامة بأبسط الأشياء وأدناها؟ ذلك أن تأخرنا وتراجعنا معرفياً وتكنولوجياً لا دخل له بلغتنا، أو ديننا، أو ابتعادنا عن العلمانية كما يصور ذلك أركون كثيرا في مؤلفاته ومقارباته للواقع العربي القائم. كما أن العنف والتطرف لا دخل لهما في اللغة العربية وهي بريئة منه كبراءة الذئب من دم النبي يوسف عليه السلام.

والغريب أن محمد أركون لا يكف عن مدح عقلانية ابن رشد و”علم العمران” التي أنجزها ابن خلدون في علم الاجتماع البشري والتعليل السوسيولوجي للعصبية.. الخ، وكذلك غيرهما كابن طفيل والفارابي وابن حيان وابن مسكويه. ويتمنى أن تكون أفكارهم قائمة ورائجة، وهؤلاء كلهم كتبوا علومهم الإنسانية وأفكارهم الفلسفية باللغة العربية، فلماذا تنجح آنذاك وتتقهقر الآن؟

وإذا كان أركون يعتقد أن اللغة الأجنبية  كالفرنسية مثلاً وهو معجبٌ بها إلى حد الانبهار  يمكن أن تكون اللغة البديلة أو الشريكة على الأقل في مدارسنا ومعارفنا وتفكيرنا  فإن هذه الازدواجية  كما يقول  الدكتور بسام بركة تشكل خطراً على الأمة ومستقبلها “بل نؤكد  كما يشير  أن تحصيل المعارف والدخول في دائرة النشاط البحثي المتطور لا يتمان إلا عن طريق اللغة الأم، وأكبر دليل على ذلك أن أجدادنا لم يصلوا في القديم إلى ما وصلوا إليه من المستويات العالية من العلم والطب والفلسفة وغيرها، عن طريق تعلم اليونانية أو الفارسية أو الهندية، بل عن طريق استيعاب علوم الأمم التي تتكلم هذه اللغات باللغة العربية، أو عن طريق الترجمات من هذه اللغات إلى اللغة الأم”.

فابن خلدون الذي يشير إليه أركون في الكثير من أبحاثه ومقابلاته، قدّم في “المقدمة” بالعربية ما يعتبر - كما قال المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي “أعظم عمل من نوعه ابتدعه العقل في أي زمان أو مكان”. ولذلك نجد أن اللمسات الإبداعية الخلدونية تدل على مقدرة هذه اللغة على التوظيف المفهومي بحيث تستجيب لما يأتي به الفكر من ابتكار وتطور وتحليل سيولوجي للواقع المعرفي.

لقد ربط الدكتور محمد أركون بين العنف في وطننا العربي واللغة كانعكاس على أزمة اللغة العربية، وهذا بلا شك ارتباط غريب وعقيم في الوقت نفسه، فالعنف الذي يجري في عالم اليوم ظاهرة عالمية أو عولمية،ولا يجوز اختزالها في امة أو حضارة أو لغة، فظاهرة العنف والتطرف ظاهرة مركبة ومعقدة ومن الانصاف أن تكون النظرة إليها شاملة ومتوازنة ولا تقف عند عامل واحد فقط ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى التي ربما تكون هي العامل الحاسم في هذه المشكلة أو الظاهرة التي تجتاح العالم كله وليس العالمين العربي والإسلامي فقط.

فالبعض يرجع قضية الإرهاب والتطرف إلى الجهل وقلة العلم والفهم بأمور الدين والدنيا، والبعض الآخر أيضا يراها نتيجة من نتائج الفقر والبطالة في العديد من المجتمعات العربية، والبعض الثالث أيضا يراها نتيجة من نتائج القمع السياسي والاستبداد وغياب الحرية والديمقراطية ويراها البعض الرابع مشكلة نفسية واجتماعية وأسرية.. الخ. لكن أن يربط قضية العنف - وهي ظاهرة عالمية - باللغة فهذا هو الغريب العجيب، مع أن العنف الذي صاحب الحضارة الغربية وعصر الاستعمار في العصر الحديث يفوق العنف في وطننا العربي مئات المرات.

والغريب أنه في كتابه “الفكر الإسلامي.. قراءة علمية” قال إن سبب الاحتجاج السياسي للحركات الإسلامية أن هؤلاء “يأتون من الطبقات الدنيا ذات الثقافة التقليدية وغير القادرة على الوصول إلى الثقافة الحضرية الحديثة. وهم يطالبون بحق بعدالة أكثر وقمع أقل وإمكانية المساهمة في صنع التاريخ الجديد، تاريخ مجتمعهم بالذات”.

فلم يقل أركون إن اللغة العربية هي السبب في الاحتجاج أو المعارضة، بل المطالبة بالعدالة وبقمع أقل.. إذن أركون متقلب في آرائه وأفكاره، ويحاول ان يعطي المثقفين الفرنسيين رأياً، والمثقفين العرب رأياً آخر.

على الأكاديمي محمد أركون أن يراجع مشروعه التفكيكي، وأن يكف عن هذا الاتهام والتشكيك غبر المجدي، فلا يمكن أن تنجح العلمانية في غير تربتها.. ولن يستطيع زحزحة اليقينيات الإيمانية في أمة متمسكة بقيمها الثابتة.. نعم من حق أركون أن يتحدث عن التجديد.. والاجتهاد.. والمراجعة.. والإصلاح وكلها آراء مشروعة ولا حكر عليها. والقرآن الكريم كتاب مفتوح لكل الأزمنة.. لكن الاستنباط والتأويل يكون من داخله ومن مضامينه وقيمه.وليس بالاستعارات الأجنبية.. من كانط وسيبنوزا، ودريدا وفوكو، وهابرماس ودو لوز إلى آخر القائمة.

لا أريد أن أناقش كل اطروحات وأفكار محمد أركون في هذا المقام، فهذه القضايا تحتاج إلى حديث آخر لكشف مضامينها واستخراج ملابساتها الكثيرة في مناقشات اكبر وأوسع.. ولله في خلقه شؤون.

 

عبدالله علي العليان / كاتب وباحث من سلطنة عمان


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.