عن
تــرجمة الشعــر
شعــراً....
توقفت
امام ترجمة
لمايكل همبركر
Michael Humbunger لمختارات
من الشعر الالماني
الى الانجليزية.
لم يكن ما استوقفني
هو منهج الاختيار
او الجدول
الزمني للقصائد
والشعراء.
كلا. استوقفني
انه ترجم الشعر
شعراً. ليس
هذا حسب، ولكنه
حافظ احياناً
على نظام القوافي
في القصيدة،
وتخلى عنه
إذا تعذّر
ذلك أو إذا
اثقل على صياغة
البيت: لكن
عموم العمل
يجري على هذا
السياق وبهذا
الالتزام،.
أزيد على ذلك
انه ترجم مقطع
القصيدة المكون
من خمسة ابيات
او سبعة ابيات
بمقطع من خمسة
او سبعة ابيات.
ولذلك نجد
المساحة التي
تشغلها القصيدة
في النص الالماني
تقابلها مساحة
مماثلة في
الصفحة التي
تشغلها الترجمة
الانجليزية.
ليس هذا عملاً
قسرياً ولكنه
صنعة وتمكَّن
لا يقبلان
شكاً. هو قدرة
على استيعاب
النص الشعري
لان المترجم
شاعر انجليزي
معروف، سبق
وان ترجمنا
له "رباعية
الحرب"، ولانه
متمكن له ثراؤه
اللغوي ويمتلك
براعة اسلوبية،
يستطيع بهما
ان يخضع مضمون
العبارة لارادته
و لمتطلبات
الابداع. فهو
لا يترجم العبارة
القصيرة ذات
الكلمتين
او الثلاث
بسطر أو باضافاتٍ
تماحك المعنى،
لكي يقول شيئاً
يقرب من معناها.
كما يفعل المترجمون
الركاك عندنا.
هو يوازن العبارة
المترجمة
بعبارة واضحة
كافية.
نعم، كل او
اغلب الشعر
المترجم للروسية
يترجم شعراً،
وكذلك ما يُترجم
من شعر في لغات
امم اخر يترجم
شعراً، قد
يكون ببعض
قوافيه او
غير مقفى. لكنه
على كل حال
يُترجم شعراً.
الشعر الاجنبي
الذي تُرجم
للعربية،
إلا نصوصاً
معدودة، وامثلة
قليلة، يُتنرجم
نثراً مما
أدّى الى شيوع
قصيدة النثر
عندنا، لأن
من يقرؤون
شعراً عالمياً
مترجماً يقرؤونه
نثراً، فلماذا،
هم ايضاً،
لا يكتبون
مثل ذلك وهو
اسهل وأدقّ؟
اضافة الى
ان القلة منهم
له مِكنةٌ
على العروض
واكثرهم يفتقدون
اسرار البلاغة.
ذلك، طبعا،
وفرّ لهم انسيابية
الكتابة وانجاهم
من عنت. اما
ما تحقق من
انجاز في موسيقى
الشعر وما
تعين عليه
الموسيقى
من اجواء وعوالم.
وكل الدراسات
التي تبحث
في الموسيقى
وبنية القصيدة
وتلك التي
تبحث في القافية
والبناء الموسيقي،
فهو كلام لا
يعني بالنسبة
لحماستهم
وحيويتهم
شيئا، ويعوضون
عنه بمقولة
ليس لها أساس
علمي، اسمها
"الموسيقى
الداخلية".
ما هي الموسيقى
الداخلية؟
لا احد يستطيع
ان يقول شيئاً
محدداً. هل
هي العلاقات
الصوتية في
بنية العبارة؟
بين البُنى
المختلفة
في القصيدة؟
لكن هذه غير
مفتصرة على
الشعر، فالجملة
البليغة،
أي جملة بليغة،
لها في هذه
الحال موسيقاها
الداخلية
... هل هي الجو
العام الذي
تخلقه العلاقات
بين البنى
اللغوية في
النص، بغض
النظر شعراً
كانت او غير
شعر؟ ام هي
"موسيقى داخلية"
وحسب؟
على أية حال،
هذا موضوع
للتوسل به
اسباب كثيرة
قد نميل ونأخذ
في بعضها،
ويبقى لكل
جيل ما يستهويه
وما يرى، وحديثي
اصلاً عن ترجمة
الشعر شعراً
ولماذا تتعذر
علينا مثل
تلك الترجمة،
فنلجأ الى
ترجمة الشعر
نثراً؟
انا شاعر ولي
دِرْبَةٌ
في النظم،
ولي ممارسة
ليست قصيرة
في ترجمة الشعر
وفي ترجمة
النثر. لكني
ايضا اترجم
الشعر نثراً.
لماذا ؟
قد اعزو بعض
الاسباب الى
طبيعة العروض
العربي التي
هي اعقد من
نظام التقطيع
او النبر الذي
يعتمده الشعر
الانجليزي
و الشعر الالماني
مثلا. نعم قد
يقترب بعض
من تلك "الانظمة"،
بدرجة ما،
لبعض اوزاننا
العربية. لكن
تظل العربية
لغة صوتية
ومفرداتها
ذات طبيعة
وزنية. ولكي
اترجم القصيدة
شعراً تلزمني
بحور الاوزان
باضافات لفظية
لا ضرورة لها
لكي تأتلف
التفاعيل
وليستقيم
الوزن او يكتمل
البيت. كما
ستضطرني هذه
لابدال لفظة
دقيقة معبرة،
بلفظة اقل
تعبيراً وربما
اقل ايحاءً
لأستجيب لشرط
الوزن. واذا
اردت التقفية
ستُضاف لي
عراقيل اخرى.
هذه الاسباب
هي التي تكمن
وراء ترجمة
الشعر نثراً
وربما كانت
هي نفسها وراء
كتابة الشعر
نثراً واستسهال
وشيوع قصيدة
النثر متكافلة
واسباب اخرى
تحتاج الى
وقفة متأنية
غير قبل اعلانه
تردداً وتفكيراً
مليّاً في
كشف ما وراء
تلك الظاهرة
من اسباب،
ومنها ترجمة
الشعر نثراً
او كتابة الشعر
نثراً مما
وجدوا له تسمية
مُزكيّةً
مثل "قصيدة
النثر" .. علماً
اني كتبتها
احياناً حينما
اصطرتني اسبابي
الخاصة اليها،
وهي في كل الأحوال
ليست عيباً
إذا توقف الأمر
على افتقاد
الوزن..
شغلني ايضاً
ان الشاعر
المترجم قد
حافظ على روي
القافية أحياناً.
هذه مهمة شاقة
وقد تكون مؤذية
للنص وللعبارة
إذا تنطّعنا،
أو تبعنا المماحكة
او "الشطارة"
.. لكن ما يشفع
للمترجم الانجليزي
من الالمانية
او الفرنسية
و يسهّل المهمة،
لحد ما، عليه،
هو ان مفردات
كثيرة مشتركة
بين اللغتين
المترجَمِ
عنها واللغة
المترجم إليها
كما ان هذه
اللغات متقاربة
عمراً ومراحلَ
تطور. فهو لا
يترجم من لغة
حديثة كالانجليزية
الى لغة قديمة
لها انظمتها
المعقدة أحياناً
كالعربية
أو العبرية
..
معلوم ان الاوزان
- البحور - هي
خطوة متقدمة
حضارياً على
النبر أو التقطيع.
فقد كان الاعتماد
في الاشعار
البدائية
على التصويت
او الارتكاز،
وفي هذا الموضوع
افكار مختلفة
وآراء.
على اية حال
يعز علينا
ان نخسر مكسباً
فنّياً صار
حقل دراسات
مهمة في الايقاع
او في موسيقى
الشعر، اضافة
الى مكتشفات
بعض المتخصصين
من اثر موسيقى
الشعر في استدعاء
المعاني ورسم
الاجواء التي
تعيش فيها.
وهو عمل متسرّع
و صبياني لحدما،
الاستهانة
بجهود محترمة
ومهمة في المكمّلات
الصوتية الاخر
كالقافية
وموسيقى الحرف
"التصويت".
الصحيح هو
دراستها ومواصلة
الابحاث فيها
قبل الرفض
القاطع المصحوب
باللامبالاة
ونفاد الصبر.
مهمتنا الاساس
في الفنون
ان نضيف ونطور
وإلاّ فلا
نُضِيعْ ما
امتلكنا ولا
نستهن بما
لا نريده أو
بما لا نتمكن
منه.
ياسين
طه حافظ