يهاجم ادوارد سعيد والغيطاني ومنيف ومجلة الاداب


كنت اتمنى على ادوارد سعيد، وهو قيمة ثقافية كبيرة عربيا وعالميا وصوت مسموع اكبر من كتيبة مثقفين، وبالتالي مسؤوليته اكبر بكثير، ان يكتب عن الجثث العراقية المنثورة ليس تحت اديم الارض، كما يقول المعري الذي يحبه صاحب "خارج المكان"، ولكن فوق اديم الارض.

كنت اتمنى ان يلتفت للصورة في جريدة "الغارديان" التي يكتب فيها، ويرى صورة تلك الزوجة التي حجزت مقعدين واحدا لها، والآخر لزوجها. المتكوم في حقيبة عظاما رميما.

لكن يبدو ان صاحب "الثقافة والامبريالية" لم ير تلك الصورة، لأنه مشغول بمعاركه الكبرى مع كنعان مكية.

عذرا ايتها السيدة المجهولة، ولتأخذي عظام زوجك الى الجحيم. فالسيد ادوارد سعيد مشغول بمعركة اهم. لو كان قاتل زوجك شخصا آخر غير صدام حسين، ولنقل شارون او عرفات، لقامت الدنيا ولم تقعد. لكن مهلا ها هو الرجل يخبرنا للمرة الاولى بعد سقوط صدام حسين، وفي سطرين من مقال نشره قبل ايام فقط، وخصصه لعدم شرعية الاحتلال الاميركي، بأن صدام لم يكن سوى رجل شرير فظ. شكرا لصاحب "الاستشراق" على هذا الاكتشاف المثير، وقري عينا ايتها السيدة.

كنت اتمنى ان يكتب صاحب "شرق المتوسط" عن ذلك الانسان الذي حفر التراب بيديه ليجد جمجمة اخيه، واخذ يقبلها كما يقبل الخد الحي، بدل ان يكتب نداءه لانقاذ الدكتورة "جراثيم"، والدكتورة "انثراكس".

الا يرى منيف ان هذا المشهد يمكن ان يشكل جزءا ثالثا لروايته الشهيرة؟ (...)

كنت اتمنى من محمد عابد الجابري، ان ينبش في التاريخ العربي والاسلامي ليثبت لنا ان المقابر الجماعية كانت موجودة عبر هذا التاريخ، وبالتالي ان صاحبه، بسمارك العرب، ليس استثناء.

كنت اتمنى على الكاتب "العسكري" صاحب "حراس البوابة الشرقية" ان يخط سطرا واحدا عن "حراس بوابات المقابر" ويفتح عينيه قليلا ويقرأ ما قاله ذلك الفتى العراقي الذي لم يستطع ان يتعرف على أبيه بعد، رغم زياراته اليومية لكل المقابر الجماعية المكتشفة لحد الآن.

"سأعرف أبي حين احمل عظامه فوق ظهري".

المفروض ان الاب يعرف الابن، حين يحمل عظامه فوق ظهره، وليس العكس. اليس كذلك؟

انه موضوع رائع لرواية. ونقترح ان يكون مفتتحها هذا السؤال: اية مهمة هرقلية محكوم على هذا الفتى الغض ان يؤديها! كم اكواما من العظام سيحملها على ظهره ليعرف أباه؟

ها هي حبكة جاهزة لرواية قادمة.

كنت اتمنى على صاحب مجلة "الآداب" ووريثه ـ كما في اية جمهورية عربية مثالية ـ ان يخصصا ملفات عن اكبر مأزق اخلاقي وادبي يتعرض له الضمير العربي بعد اكتشاف مقابر النظام القومي الجماعية، لننسى ما فعله الاب عام 1963 حين اشاد، في التلفزيون وامام الملأ، بالانقلاب البعثي، بينما كان الكتاب العراقيون، عماد مجلته، في السجون او قتلى.. وكان الدم غزيرا في الشوارع.

بدلا من ذلك تقود "الآداب" الآن حملة "قومية" للتضامن مع الروائي المصري جمال الغيطاني لماذا؟ ليس لأنه سجن او عذب او منعت روايته، او منع من حرية التعبير في بلاده، وانما لأن احدهم، وفي موقع ضائع على الانترنيت في مكان ما من الدنمارك، اتهم الغيطاني بأنه كتب رواية صدام حسين "زبيبة والملك" والقضية الآن امام المحاكم كما صرح الغيطاني نفسه.

ووقع البيان اسماء بارزة في الثقافة العربية ومنهم، لحد الآن، نجيب محفوظ، جابر عصفور، سهيل ادريس، عبد الرحمن منيف، بهاء طاهر، محمد البساطي، يمنى العيد، فيصل دراج، محمد دكروب.الخ. الذين اعتبروا ان الحملة ضد الغيطاني تجيء انتقاما من مواقفه الجريئة ضد الاحتلال الاميركي للعراق. و"ان الدفاع عنه وعن حريته في التعبير دفاع ضروري عن الثقافة الوطنية العربية".

لا ضير في ذلك، ولكن كنت اتمنى ان ارى تواقيع ربع هؤلاء احتجاجا على المجازر الثقافية والانسانية الحقيقية في البلد الذي يحتله الآن الامريكيون ويوهموننا انهم يدافعون عنه، وعن ثقافته وتراثه وانسانه وعرضه المسفوح!

مجلة "الآداب" تركت موقعها الالكتروني مفتوحا لمزيد من التواقيع في حملة قومية كبرى. فاضيفوا تواقيعكم ايها المثقفون، قبل فوات الاوان، دفاعا عن حرية التعبير!

أية أمة هذه يا الهي

 

فاضل السلطاني - عن (( الشرق الأوسط ))


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri