زبيبة والملك

اسمعوا هذه القصة الطريفة واحكموا انتم عليها، هل التهمة فيها صحيحة ام كاذبة؟ وسوف اؤجل حكمي الشخصي الى نهاية الحديث.

المتهم هو الكاتب الروائي المصري الشهير جمال الغيطاني صاحب الرواية الرائعة «الزيني بركات» وغيرها من الروائع. اما التهمة الموجهة اليه فهي انه هو الذي كتب سرا رواية «زبيبة و الملك» التي نشرت في العراق منذ سنوات قريبة من دون ذكر اسم كاتبها الا ان الجميع عرفوا انه رئيس البلاد نفسه وذلك من خلال الاهتمام المبالغ فيه للكتاب والنقاد بالرواية والثناء على عبقرية كاتبها الى درجة انتاج فيلم سينمائي ومسرحية عنها.

وقد انكشف السر - كما يقال - بعد سقوط النظام العراقي بأن الكاتب الحقيقي للرواية هو جمال الغيطاني بتكليف «خاص» من سيادة الرئيس العراقي صدام حسين لقاء مبلغ « فلكي» من المال وقد جاء ذلك عبر الانترنت في مقالة لكاتب اسمه «سليم عبد القادر» يروي فيها على لسان وذمة الشاعر العراقي المعروف باسم شاعر ام المعارك «رعد بندر» ان عدي، الابن البكر لصدام، كلف شاعر ام المعارك هذا بالذهاب الى مصر لمفاوضة جمال الغيطاني على كتابة رواية لصالح «عدي» تكون احسن من الرواية التي كتبها لابيه لقاء مبلغ «فلكي» اخر، الا ان عدي صرف النظر عن الموضوع خشية الدخول في منافسة غير مأمونة العواقب مع والده الجبار. من هنا فهم «رعد بندر» السر في حقيقة كاتب «زبيبة والملك» وتطوع للبوح به لسليم عبد القادر.

وماكادت هذه المقالة تذاع حتى تناولتها الصحف المصرية بين مؤيد ومعارض مما اثار كثيرا من الغبار الملوث حول سمعة الكاتب المصري المعروف، ودفع اصدقاءه للدفاع عنه وخاصة في البيان الذي نشرته مجلة «الاداب» اللبنانية ووقعه عدد كبير من الادباء العرب، الا ان الغبار لم ينحسر بعد ولم تزل الزوبعة دائرة في الشارع الثقافي العربي والمصري خاصة ضد الغيطاني او معه!.

وحجة الرافضين لهذه التهمة ان جمال الغيطاني كاتب وطني معروف لايصح اتهامه بانه كان عميلا لاي نظام حاكم، وان علاقته بالنظام العراقي كانت من خلال صحبته القديمة لوزير الدفاع العراقي عدنان خير الله في الجبهة السورية ابان حرب تشرين عام 1973 عندما كان خير الله قائدا لوحدة الجيش العراقي الذي شارك في هذه الحرب، وكان الغيطاني مراسلا عسكريا لصحيفة « الاخبار» المصرية ومن المعروف ان عدنان خير الله لقي مصرعه فيما بعد بطريقة غامضة ـ وقد الف الغيطاني من خلال هذه العلاقة كتابا عن تاريخ الجيش العراقي وبطولاته صدر عام 1975 في بغداد تحت عنوان «حراس البوابة الشرقية» قبل انفراد صدام حسين بالسلطة ومن دون ان يجتمع به الغيطاني. اضافة الى ان حبكة الرواية ركيكة وساذجة اذ تترك زبيبة - وهي مواطنة عراقية شابة من وسط شعبي عادي ـ تترك جانب الشعب المتآمر على الملك وتنضم لجانب الملك الذي كان يزورها سرا الى ان سقطت شهيدة في احدى المعارك وهي تدافع عن قضية مليكها المفدى!!.. وان جمال الغيطاني لايعقل ان يهبط الى هذا المستوى من الركاكة والسذاجة، اضافة الى ان مظاهر النعمة الجديدة التي تظهر عادة على من يغدو مليونيرا لم تظهر على الغيطاني الذي لايزال يعمل رئيس تحرير مجلة «اخبار الادب» ويعاني من عمله الصحفي الذي يعيقه عن التفرغ للكتابة الابداعية.

اما حجة المؤيدين للتهمة فتتلخص في ان اسفار الغيطاني للعراق كانت كثيرة جدا، وان تأليفه كتابا عن الجيش العراقي - وهو عمل بعيد عن اختصاصه كروائي - مبالغ في صحة ودقة معلوماته مما يوحي بان المؤلف منحاز للنظام الحاكم، وان ركاكة رواية «زبيبة والملك» كانت بسبب تقيد الغيطاني بالاحداث التي ذكرها الرئيس العراقي في المخطط او المسودة التي صنعها للرواية واصر على الاحتفاظ بها ووافق الغيطاني على ذلك مادامت المسألة كلها سرية.. وهكذا!..

القضية الان امام القضاء بعد ان رفع الغيطاني دعوى ضد الذين اتهموه، فما رأيكم دام فضلكم : هل فعلها الغيطاني. ام لا؟!

انا شخصيا ارفض رفضا تاما هذه التهمة اذ ليس من المعقول ان ينزل الغيطاني الى هذا المستوى بالرغم من احواله المادية السيئة «كمعظم الكتاب» ، وتاريخه السياسي والشخصي لاينسجم مع هذه التهمة اطلاقا مهما كان المبلغ الذي قبضه ـ بالدولار ام باليورو - كبيرا وبالرغم مما يقال عن علاقاته الجيدة بالنظام العراقي السابق!. ولكن السؤال الذي يحيرني حتى الان: ما الذي يدفع حاكما مطلقا بعد ان استقر له السلطان زمنا طويلا، وبعد «الامجاد» و «الاوسمة» الغزيرة التي حصل عليها.. ما الذي يدفعه الى اقتحام ميدان الابداع الادبي برواية ركيكة ساذجة مثل «زبيبة والملك»؟ اليس هذا دليلا على ان تمتع الانسان بموهبة ادبية لايقل شأنا عن تمتعه بموهبة سياسية كبرى؟

فلماذا يشكو الادباء اذن من فقرهم مادام بعض الحكام يحسدونهم على موهبتهم ويطمحون الى الحصول عليها.. ولماذا لايقال بان كاتبا ما موهوبا قد يساعد حاكم البلاد على كتابة الرواية تشجيعا له على ان يقترب من عالم الادب والادباء ويفهم عن قرب همومهم حين يغدو واحدا منهم، وقد يدفعه هذا الى التحول شيئا فشيئا من ديكتاتور الى حاكم ديمقراطي؟

ومع ذلك فانا لا اصدق اطلاقا ان الغيطاني قد فعلها!!

 

شوقي بغدادي - صحيفة تشرين - دمشق - الثلاثاء 3 حزيران 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri