عن الحالة العراقية في الثقافة العربية
مجرد أسئلة

لابد من مصارحة الذات بالمسكوت عنه الذي يعرفه أكثر الأطفال سذاجة وهو أنه بجانب كل مثقف عراقي حقيقي كان خروجه حتميا هناك العشرات من الفارين المطلوبين في قضايا اختلاس والمهاجرين برغبتهم لتحقيق أحلام ذاتية، وهناك من أرسله النظام في إثر الأنواع الثلاثة الأولي من المهاجرين متخفيا في صورة منفي!

مشاهد الفرح التي بدت في بغداد يوم التاسع من أبريل الماضي أصابت الكثيرين بالدهشة، بينما استطاع البعض أن يتفهم التشوش الذي أصاب من استيقظ ولم يجد زعيمه المفدي فاستخفه الطرب وتسامح مع جريمة الاحتلال الأجنبي بوصفها كانت الحل الوحيد العملي لتخليص البلاد من الاحتلال الوطني علي أمل أن تزول سكرة الشماتة في النظام سريعا وتأتي الفكرة.

ولأن داخل العراق لم يعتد الكلام بعد رغم سقوط صدام فإن فعل المقاومة بالمظاهرات المتتابعة والعمليات التي توقع الخسائر بين الأمريكيين يشهد علي بدء الإفاقة، والانتباه إلي أن ما جري، لم يكن أكثر من استبدال الاستعمار المحلي بالاستعمار الأجنبي. الكلام يأتي من مكان آخر، حيث ينتشر ما يقدر بنحو خمسة ملايين عراقي في عواصم العالم من المهاجرين أو الفارين من حكم البعث، وقد عاشوا سنوات علي هذه الدرجة أو تلك من الشظف أو الرفاهية، من النسيان أو الحنين ولكن في كل الأحوال بعيدا عن القبضة الثقيلة للنظام الذي هوي، وكان ينبغي لهذه الفسحة من الأمان أن تتيح لهم معرفة حقيقة ما يجري أكثر من رهائن الداخل، كما أنهم يملكون القدرة علي التحرك ضد الاحتلال، ولكن ما يفعلونه حتي اليوم هو تكثيف مجهودهم الحربي باتجاه المثقفين العرب لا الجنود الأمريكيين!

أبرياء وقتلة!

أوشكنا علي إكمال ثلاثة أشهر دون أن نقرأ شيئا ذا بال عن مستقبل العراق المحتل، وعندما لا يكون هناك مفر من ذكر الاحتلال فإنه لا يرد إلا بوصفه حتمية تاريخية، بينما لم ينقطع الحديث عن ماضي العراق أو دكتاتوره الذي لم يدكتره ( من دكتاتور) إلا المثقفون العرب، صحيح أن هناك اختلافا في لغة الاتهام، لأسباب مختلفة يمكن أن نرجعها إلي الاختلاف في المستوي الأخلاقي بين كاتب وآخر ممن تصدوا للكتابة حتي الآن، أو إلي إحباطات شخصية وثارات بين المتهِم العراقي والمتهّم العربي. كما أننا نستطيع أن نرجع مستوي اللغة إلي الدافع الأساسي للكتابة، هل يعبر الكاتب العراقي عن رؤيته الخاصة أم يسدد فاتورة دفعها الغزاة الذين يريدون شق الصف الثقافي العربي بهذا التناحر، وهو أسلوب قديم تعرفه حتي أجهزة الأمن المبتدئة، عندما تدس عملاءها بين المتظاهرين يزايدون عليهم أو يتلفون بعض الممتلكات لتنقلب المظاهرة إلي معركة بين المتظاهرين ويصبح تدخل السلطة الحكيمة المنظمة ضروريا.

هذا هو الوضع إذن في مواجهة حادث اختطاف بلد عربي! التوجه العام بين العراقيين الغاضبين والمندسين يبدو موحدا في نظرته للحادث: هناك أبرياء هم المثقفون العراقيون ( استيقظوا فوجدوا بلدهم محتلا) وأمريكيون (لم يكن أمامهم إلا أن يبادروا بهذه الخدمة) وهناك متهمون هم صدام والمثقفون العرب الذين تم تقسيمهم إلي ثلاث فئات:

الفئة الأولي وتضم أولئك الذين يجب اتهامهم بكتابة روايات صدام، حتي لو خرج الاتهام في شكل حبكة بوليسية سخيفة، لأن هذا العمل المشين كتابة الروايات للزعيم حرم المثقفين العراقيين من توجيه النقد لروايات الدكتاتور مراعاة لأن من كتبها زميل عربي، وبهذا احتل صدام مكانة أدبية لايستحقها!

والفئة الثانية تضم أولئك الذين زاروا العراق في أي يوم من الأيام لأن زياراتهم المباركة كانت سببا في تثبيت حكم صدام الذي كان قاب قوسين من السقوط في مرات عديدة بجهود المثقفين العراقيين ولكن الحظ كان يسوق إليه في كل مرة شاعرا عربيا أو كاتبا يشد من أزره ويضيع فرصة الخلاص!

أما الفئة الثالثة فتضم الذين دافعوا عن الفئتين الأولي والثانية! ويستثني من هذه الفئات الثلاث أقلام التطبيع التي تشارك العراقيين في معزوفتهم الجنائزية. وقد وجد المثقفون العرب أنفسهم في موقف الدفاع في مواجهة المرارة التي احتضنتها صحف معتبرة والسفالة التي انطلقت في مواقع علي شبكة الإنترنت أو صحف الشماتة النفطية ، وقعوا البيانات وكتبوا المقالات التي تدحض التهم وتحذر من مخطط أمريكي لشق الصف الثقافي العربي، ولم ينجح ذلك في ردع الشتٌامين، حتي أن أحدهم وجد في نفسه الكفاءة ليجمع في مسبة واحدة محمد عابد الجابري وسهيل إدريس وعبده وازن وأمجد ناصر ومن لا يجتمعان إلا نادرا: محمود درويش وأدونيس!

المقاومة والفرار

الحاصل حتي الآن أن العراقيين يحاولون تربية عقدة ذنب لدي المثقفين العرب من دون ذنب في الحقيقة، فليس من المعقول أن يعلق أحد فشله مع زوجته علي سوء الجار، وبافتراض أن هذا الربط صحيح، فمن حق الجار الفاسد أن يصارح الزوج التعيس بخطاياه.

هذه المصارحة تقتضي وضع الحالة الثقافية العراقية موضع المساءلة هي الأخري. لماذا يبدو العراق الذي ينتمي إلي حضارة قديمة تسبق الفتح العربي أقرب إلي روح البداوة حتي اليوم؟ ولماذا لم يتأسس فيه مجتمع ثقافي يستطيع أن يتقدم صفوف مواطنيه في فرض قدر من التهذيب علي السلطة؟

ويستطيع المتابع لما يكتب عن معاناة الشعب العراقي تحت احتلال صدام، سيكتشف الانتماء العرقي تحت قشرة من الرطانة الثقافية، فالشيعي يكتب عن معاناة الشيعة والكردي يعيد التذكير بمآسي الأكراد، وكأنهم قد أوذوا بوصفهم شيعة أو أكرادا، وليس بوصفهم معارضين لحاكم لم يتورع عن ترميل بنتيه!

هل هذه القبلية والطائفية أحد الأسباب التي جعلت من تاريخ المثقف العراقي دائما تاريخا للفرار، من بدر شاكر السياب إلي عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري والجواهري إلي أصغر كاتب وشاعر في العراق؟ وهذه ليست إدانة جاهزة للمثقف العراقي باللجوء إلي الأسهل والأسلم: بل دعوة للتأمل تفرضها حقيقة أن المثقف المصري والسوري والمغربي وسواهم لا يعيشون في جنة، بل هناك تاريخ طويل من التضحيات مستمر إلي اليوم، ولابد أن مثقفي المنفي العراقي يتابعون أخبار الاعتقالات التي لم تمنع المثقفين السوريين من المطالبة بالديمقراطية ولم تمنع المصريين من قيادة المظاهرات ضد الغزو أو الاعتصام ضد قوانين تقويض الحريات.

ولابد أن نعرف كم من الخمسة ملايين عراقي الموجودين الآن بالخارج كان مهددا من النظام بشكل جدي استوجب خروجه، وكم من المهددين سار في الخارج سيرة مثقف وحاول أن يؤسس جبهة لمناهضة الدكتاتور في وجوده وليس مناهضة سيرته بعد السقوط؟!

من الذي عاش بكرامة مثقف ومن الذي تعاون مع أجهزة الأمن الأجنبية والعربية ومن عاش علي بيع قدراته الجنسية في الغرب، وهل يحق لمن ترك بغداد فريسة في يد دكتاتورها خمسة عشر أو عشرين عاما احترف فيها التجارة صامتا أن يرتد مناضلا بأثر رجعي ضد الماضي الذي انتهي؟

لابد من مصارحة الذات بالمسكوت عنه الذي يعرفه أكثر الأطفال سذاجة وهو أنه بجانب كل مثقف عراقي حقيقي كان خروجه حتميا هناك العشرات من الفارين المطلوبين في قضايا اختلاس والمهاجرين برغبتهم لتحقيق أحلام ذاتية، وهناك أيضا من أرسله النظام في إثر الأنواع الثلاثة الأولي من المهاجرين متخفيا في صورة منفي!

المثقفون العرب يعرفون هذه الحقيقة، والعراقيون كثيرا ما تبادلوا هذه الاتهامات دون أن يحدث فرز حقيقي. وقد أسست حركة الخروج الكبير من الثمانينيات وإلي اليوم لما يمكن أن نسميه ¢الحالة العراقية في الثقافة العربية¢ التي احتلت مكان ¢الحالة الفلسطينية¢ وقد عاشت هذه الأخيرة طويلا وخلقت أسماء استمدت وجودها من نبل القضية إلي أن انتبه مبدعو فلسطين الكبار إلي أن الاتكاء علي القضية دون الفن ضد كرامة الكتابة.

ولكننا لم نغادر الحالة الفلسطينية إلا لنستقر في مصيدة الحالة العراقية، ليصبح كل من أمسك بالقلم مثقفا كبيرا، يحضر المؤتمرات والندوات ويحظي بالأولوية في فرص النشر بالمجلات والصحف، بضغط الحالة المادية الاستثنائية.

لماذا الآن فقط !

وأحب أن يؤخذ هذا الكلام علي وجهه الصحيح، بعيدا عن التعميم، وبعيدا عن اعتباره تجريحا للمثقفين العراقيين، أو للمواطنة العراقية، لأن عشرات الآلاف من العراقيين ذاقوا حياة التشرد والتسول بينما تنعم غيرهم ممن لا يمتازون عليهم بشيء سوي القدرة علي تقديم أنفسهم لمجتمعات الثقافة بسبل غير ثقافية: فإذا كان من الجائز تصنيف المثقفين العرب بين خائن وخائن جدا، ومتعاون مع الخونة: فإن من العدل أن يتميز المثقف النادر ندرة الجوهر عن اللصوص والمطلوبين جنائيا والمغامرين من المنفيين العراقيين الذين يتعمدون إثارة الدخان للتعتيم علي مرور قوافل الاحتلال.

وليدلنا علي غير هذا التفسير من يستطيع أن يفهم سر السعار الذي أصاب بعض العراقيين في المهاجر والمنافي والمنتجعات وعواصم الابتعاث الذين كشروا عن أنياب مسمومة لم تكن لهم في حياة صدام عندما كانوا محميين علي بعد آلاف الأميال من قبضة الدكتاتور؟!

ولانعرف من أين جاء هؤلاء اللاجئون والمهاجرون والمبتعثون بالأموال التي أسسوا بها هذه المواقع علي الإنترنت، ومن أين جاءوا بهذه الشجاعة التي لم تكن مألوفة طوال عقد أو أكثر من تواجدهم في المنتجعات الأوروبية والأمريكية؟

وإذا كانت الكتابة ضد حاكم له بعض صفات الإله مستحيلة، فلماذا لم يكتبوا ضد زيارات التضامن التي قام بها بعض المثقفين والفنانين إلي بغداد طوال سنوات الحصار في حينه إن كانوا يرون حقا أن هذه الزيارات كانت لوجه صدام وليس من أجل الشعب المحاصر ، لماذا لم يعلنوا وكالتهم عن الشعب العراقي مبكرا ويوضحوا لغيرهم من المثقفين أن المشاركة في الحصار أنفع من التضامن، وأنا هنا لا أجزم بالعكس؟!

وإن كان لنا أن نقبل هذه المبالغة اللطيفة في أهمية المثقفين والثقافة إلي الحد الذي يعطي حركة المثقف العربي دخولا إلي بغداد هذه القوة السحرية الشريرة في مساندة الدكتاتورية فلماذا يؤذون مستقبل الأقطار العربية الأخري التي يزورونها بصفتهم شعراء وكتابا أو يتاجرون معها بصفتهم ناشرين وتجارا، أم أنهم يتصورون أن صدام كان الدكتاتور الأخير؟

إن بعض من يتباكون علي نزول المثقفين العرب ضيوفا علي الشعب العراقي ينزلون في ضيافة شعوب عربية أكثر فقرا، علما بأن بعضهم لا يكتفي بالزيارة، بل يقيم ويتاجر و يستقوي بعلاقاته مع سلطات البلد المضيف علي مواطني ذلك البلد علنا.

ولا نعرف إن كانوا سيستمرون في هذا طويلا لأن صدام الذي اكتشفوا وجوده بعد غيابه ليس هو المشكلة اليوم، بل المشكلة في احتلال أجنبي صار وجوده حقيقة.

وإذا كان علينا أن نصدقهم ونلتمس لهم العذر في ترجيحهم لكفة الاستعمار الأجنبي علي الاستعمار الوطني، فها هي بغداد المحررة من صدام محتلة من جديد .. ها هو الاستعمار اللذيذ أمامهم فليتقدموا، وليعودوا إلي بلادهم لأن أسباب الخروج زالت.

 

عزت القمحاوي - أخبار الأدب


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri