البياتي
غادر العراق بحثا عن الشهرة ولم يكن محكوما بالإعدام

شاعر
لم يكن يهمه شيء سوى بناء أسطورته الشخصية
ذكريات
مدرسية واستذكارات أدبية مع عبد الوهاب البياتي وملامح من تطور
شعره اللاحق (1 من 2)
مرت
قبل ايام الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر عبد الوهاب البياتي
في دمشق، حيث دفن في مقبرة الغرباء بالسيدة زينب.
صديقه ومجايله الروائي والقاص فؤاد التكرلي يتذكر هنا ايام
دراسته الاولى مع الشاعر، وقصائده الاولى، ويتحدث عن ملامح
تطور شعره.
في سنة 1939، كان معنا في الصف السادس الابتدائي في مدرسة
«باب الشيخ للبنين» التي شيدت بنايتها قبل حين في منطقة من
محلة «باب الشيخ» تسمى «شيخ رفيع»، كان معنا فتى في الثالثة
عشرة من عمره، اسمر في سمرة غامقة، نحيلا مربوع القامة، بملامح
دقيقة عادية وذات صبغة عراقية صميمة، وكان ذا ميل واضح الى
العزلة والابتعاد عن اللعب ومخالطة الرفاق. كنت صديقه بسبب
اننا قضينا الاعوام الستة الماضية معا في هذه المدرسة نفسها،
من صف الى آخر، ومع ذلك فقد كانت صداقة محدودة لا تتعدى الاحاديث
العابرة اثناء فرص الراحة وتبادل المعلومات الدراسية البسيطة.
كان ذلك التلميذ هو عبد الوهاب احمد البياتي، الشاعر الذي
لمع اسمه في سماء الشعر العربي بعد ذلك بأقل من عشرين سنة.
لا اتذكر شيئا كثيرا عن سنواتنا الخمس الأولى، رغم الصور المدرسية
المتعددة التي كانت تجمعنا، سوى ان عبد الوهاب كان تلميذا
عاديا يميل الى عزلة مستديمة ويكتفي من الدراسة بالنجاح دون
ان يسعى الى البروز. لم يكن من جماعة التلاميذ الذين يحبون
اللعب ويمارسون الرياضة كما كنت أنا، وكان اغلب الاحيان ينزوي
بنفسه ويبقى متفرجا علينا نتبارى في القفز والركض وبقية الالعاب
الاخرى.
لا اعرف عن عائلة عبد الوهاب البياتي شيئا.. من اية جهة اقبلت
الى بغداد ومتى، ذلك ان عشيرة «البيات» عشيرة كبيرة يتوزع
افرادها على كافة انحاء العراق، غير أني علمت من رفاقي في
المدرسة ان والد عبد الوهاب يملك دكانا في سوق «الصدرية» لبيع
المواد المنزلية المختلفة، ويبدو ان العائلة لم تكن معوزة،
بل كانت على حال متوسطة.
كنا اذن اصدقاء دراسة، ولبثنا هكذا حتى بلغنا السادسة عشرة
من العمر، حين بدأت بذور الادب فينا نحن الثلاثة.. عبد الوهاب
وغائب وانا ترفع رأسها في داخل نفوسنا. كنا في سنة 1943 في
الصف الثالث المتوسط في «متوسطة الرصافة للبنين» الواقعة في
محلة «السنك»، وفي تلك السنة اطلعني عبد الوهاب على اول قصيدة
عمودية له بعنوان «بغداد». واتذكر أن «غائب» اعارني او أعرته
أنا، كتابا ادبيا، مما يعني ان علاقة ثقافية كانت تربط بيننا
اضافة الى علاقة الدراسة. غير اني بقيت على علاقة اوثق بعبد
الوهاب خلال دراستنا الثانوية. كنا نتبادل الكتب الادبية القليلة
التي تصل الى ايدينا، واتذكر انه أراني محاولات شعرية اخرى
له، لكنني لم احدثه او اطلعه على محاولاتي الادبية.
بعد تخرجنا، عبد الوهاب وانا، من «ثانوية الاعدادية المركزية»
في سنة 1945، الفرع الادبي، اتجهت انا الى التسجيل في «كلية
الحقوق» اطاعة لتقليدنا العائلي. واتجه عبد الوهاب للالتحاق
بـ «الكلية العسكرية»، الامر الذي اثار استغرابي. وحينما صادف
والتقينا بعد ذلك بعدة اشهر، اخبرني بأنها كانت خطوة في الاتجاه
الخطأ، وانه، خلال الاشهر الثلاثة، كان، اثناء التدريب العسكري،
يركض مع بقية الطلاب والابيات الشعرية تتوارد على ذهنه. ضيّع
عبد الوهاب سنة دراسية بعد ان ترك «الكلية العسكرية» والتحق
«بدار المعلمين العالية» ـ قسم اللغة العربية ـ وتخرج فيها
في سنة 1950، في حين كنت قد تخرجت من كلية الحقوق سنة 1949.
نشر عبد الوهاب ديوانه «ملائكة وشياطين» في سنة تخرجه تلك
1950: وكان ديوانا تقليديا لا يضيف جديدا لحركة الشعر في العراق.
اتذكر اني عرضت نسختي من الديوان على أخي الكبير «مصطفى» فقرأه
وابدى تحبيذه لبعض القصائد، فأخبرت عبد الوهاب بذلك فتفتحت
اسارير وجهه وقال لي: «قل لاخيك ان عمري ثلاثة وعشرون عاما
فقط».
عُين عبد الوهاب مدرسا للغة العربية في ثانوية الرمادي، وعينت
أنا كاتباً أولاً في محكمة بداءة بعقوبة، وبهذا بدأت مرحلة
الرسائل بيننا حوالي سنة 1951. كان عبد الوهاب آنذاك يمر بمرحلة
ثقافية حرجة، رغم الجو المتفتح الذي كنا نعيشه في بداية سنوات
الخمسين، فقد كانت احلامه كبيرة جدا وكانت وسائله الشخصية
لتحقيقها اكثر من محدودة، فهو مقيد بالوظيفة وبضيق ثقافته
وبعدم معرفته لغة اجنبية، الا انه كان واثقا من قدراته الابداعية
وثوقا قويا.. وهذا ما انقذه في اعتقادي.
في سنة 1951 تكونت في بغداد بمصادفة غريبة وبشكل لا مرئي تقريبا
ما يمكن ان اسميه جماعة ادبية صغيرة تألفت من عبد الملك نوري
وعبد الوهاب البياتي ونهاد التكرلي وانا. كنا اصدقاء، على
عتبة الشباب والطموح الأدبي، وكنا، مخلصين ، ننشد ان نصل الى
بعض الحقائق.
اعتدنا ان نجتمع مساء الخميس في المقهى «السويسري» المشرق،
عبد الوهاب آتيا من الرمادي، ونهاد وانا مقبلين من بعقوبة.
كنا نلبث ساعة وبعض الساعة نتحدث احاديث مختلفة، ثم نقوم نتمشى
مخترقين «شارع الرشيد» حتى نصل «شارع أبي نواس» ومن ثم الى
محلنا الاثير في «كازينو كادينيا». كنا نسهر هناك على مائدة
الشراب، ونتبادل الاحاديث والآراء ونتناقش في شؤون الكتب التي
قرأناها وفي مجريات الامور حولنا، سياسية وفكرية وغيرها، حتى
يتجاوز الليل منتصفه او بعده بقليل.
تلك اللقاءات بيننا استمرت سنوات اربع، ومع ان احاديثنا فيها
لم تكن، بأي حال من الاحوال، دروسا او محاضرات في الثقافة،
لكنها وبسبب تلقائيتها المطلقة، أثرت تأثيرا كبيرا في توجهاتنا
وفي تلقيح نفوسنا البالغة الحساسية.
ذكريات
ومواقف مع صاحب ديوان «أباريق مهشمة» وآراء في شعره بمناسبة
ذكرى رحيله (2-2)
كان
تطور طاقة عبد الوهاب البياتي الشعرية خلال تلك الاعوام الاربعة،
حاسما وسريعا، وكنت غالبا ما اتسلم منه خلال الاسبوع الذي يعقب
لقاءنا رسالة تحتوي على قصيدة جديدة، ظهرت بعد ذلك في ديوانه
المميز «أباريق مهشمة».
لم يكن عبد الوهاب يومئذ متحدثا كبيرا كما رأيته بعد ذلك، كان،
في تلك الامسيات، يسكن الى نفسه جالسا في زاوية من المائدة وامامه
كأسه، يشرب بهدوء ويستمع الينا باهتمام. كانت لديه بالتأكيد
افكار صامتة، كان يغذيها في ذهنه وقلبه بما يصله من احاديث،
وحين كان يتدخل بكلمة او سؤال، كنا نكتشف انه كان معنا على الدوام.
كان عبد الوهاب البياتي خلال السنوات 1952و 1953 و 1954 يكتب
شعرا جديدا متألقا، لم يسبق لنا ان قرأنا مثله، وكان في طريقه
لاستكمال بناء أساس وعيه الشعري.
وهكذا، في سنة 1954، كان ديوان «أباريق مهشمة» جاهزاً، وكان
نشره يمثل لحظة الانطلاق الحقيقية الاولى لمسيرة عبد الوهاب
البياتي الشعرية، لذلك طلب من اخي نهاد التكرلي ان يكتب مقدمة
لهذا الديوان.
في الحقيقة، لم يكن احد منا، نحن الاطراف الثلاثة، على خطأ،
فجماعة «الثقافة الجديدة» معروفة بالتزامها الماركسي، وهي ـ
اردت أم لم ارد ـ محقة بشكل عام في نشر ما يتفق واتجاهها الفكري.
اما مع عبد الوهاب فالامر يختلف، ذلك انه لم يتصل بهذه الجماعة
عبثا، بل كانت له حساباته البعيدة التي تتفق واتجاهه اللاواعي،
ربما، لبناء اسطورته الشعرية، أما انا، فإن فكرتي عن الاحترام
المطلق لحرية الآخر في التعبير، لم تكن واقعية تماما، بل كانت
فكرة تخالطها نزعة مثالية لم يكن لها محل في أي زمان. ومع ذلك
فقد انقطعت علاقتي بعبد الوهاب منذ تلك السنة 1954، معتبرا اياه
مستغلا لمصلحته عدة اطراف ثقافية.
بعد فترة قصيرة من نشر مقال نهاد في مجلة «الأديب» نشر في بغداد
ديوان «أباريق مهشمة» سنة 1954، وكان نشر الديوان ضربة معلم
ماهر، زاد من تأثيرها احتضان اليسار لعبد الوهاب واعتباره شاعره
الجديد رغم ان روح «أباريق مهشمة» لا علاقة حقيقية لها بأفكار
هذا الاتجاه.
في الوقت نفسه، وقبيل نشر الديوان نشر عبد الوهاب قصيدة ذات
دلالة في مجلة «الأديب» بعنوان «الاصدقاء الاربعة» تسري فيها
نغمة وداع حزينة ونبرة تحد في الآن نفسه، لكأني به كان يودعنا..
نحن الاصدقاء الاربعة.. ويودع تلك السنوات الثمينة التي شيدت
صرح طاقته الشعرية.
بعد ذلك، في سنة 1955، غادر عبد الوهاب البياتي العراق الى «بيروت»
تاركا كل شيء خلفه، مدركا بأن المناخ الشعري العربي آنذاك يصطخب
بأمواج عالية من الاتجاهات الادبية والفكرية، وبأن عليه، وقد
أمسك بذاته، أن يرتقي موجة أو أكثر من هذه الامواج من أجل ان
تفتح له الشهرة ابوابها. لم يكن ملاحقا من السلطة حين ترك العراق
ولم يصدر عليه حكم بالاعدام، كما ظن الشاعر التركي «ناظم حكمت».
لقد غادر العراق بمحض ارادته، هاجرا عائلته ووظيفته واصدقاءه،
مصمما على بناء مصيره وتشييد اسطورته الشخصية بكل ما تحمل هذه
الفكرة من دلالات وعذاب ومتناقضات. وما بين «بيروت» و«موسكو»
و«القاهرة» ومن خلال دواوينه اللامعة.. «النار والكلمات» و«سفر
الفقر والثورة» و«المجد للأطفال والزيتون» و«الذي يأتي ولا يأتي»
و«أشعار في المنفى» و«الموت في الحياة» صار عبد الوهاب البياتي،
في سنوات قليلة نسبيا، اسما شعريا ساطعا، لا يمكن اغفاله حين
يكتب عن الحركة الشعرية العربية الحديثة. ورغم انه لم يكن من
مؤسسي حركة الشعر الحر في العراق، فهو بعيد زمنيا عن «السياب»
و«الملائكة» و«الحيدري»، الا ان اسمه يعتبر تكملة لا بد منها
لاسمائهم وحركتهم.
رجع عبد الوهاب الى العراق بعد ثورة (14) تموز 1958 لفترة قصيرة،
عين بعدها ملحقا ثقافيا في موسكو حتى استغني عن خدماته في سنة
1963 فلجأ الى القاهرة.
كانت الجفوة ما تزال بيني وبينه حتى التقينا سنة 1969 في مقهى
«ريش» بالقاهرة على غير موعد، فتناسينا ما مضى وتصافحنا وعادت
صداقتنا الى ما كانت عليه.
بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في ايلول سنة 1970، ساء وضع
عبد الوهاب في القاهرة واضطر الى العودة الى بغداد سنة 1972،
حيث عُين مستشارا في وزارة الثقافة والاعلام، ثم بعد مقابلة
له مع صدام حسين، عُين ملحقا ثقافيا في «اسبانيا» فسافر الى
هناك سنة 1979. لقد سهرنا معا في بيتي ليلة سفره الى «مدريد»،
وجلسنا نتحدث احاديث طويلة ومختلفة حتى ساعة متأخرة من الليل
أوصلته بعدها بسيارتي الى بيته واعطيته عنواني. توقعت ان نعاود
تبادل الرسائل فيما بيننا كما كنا نفعل في بداية الخمسينات،
وكنت على خطأ.. فبعد أشهر عديدة حدثني، صدفة، صاحب مكتبة «النهضة
العربية» بأنه استلم رسالة من «أبي علي يسأل فيها عن الاحوال
وعن مبيعات دواوينه.
الآن، بعد هذه السنوات الطويلة، لا اجد مبررا لانزعاجي حينذاك
من تصرف عبد الوهاب هذا، فما يهم في مملكة الشاعر هو مدى انتشار
شعره واقبال الناس عليه، اما الاصدقاء فلينتظروا الرسائل وليصبروا
ان امكن.
احيل عبد الوهاب الى التقاعد سنة 1990 لبلوغه السن القانونية
فعاد الى بغداد وعاش حرب الخليج الثانية بويلاتها. ثم حدث ان
توفيت ابنته في امريكا بعد الحرب مباشرة، فسافر بمساعدة الحكومة
الى أمريكا ولم يعد بعد ذلك الى العراق ابدا.
رجع الى عمان ولبث فيها عدة سنوات ثم هاجر الى دمشق، حيث توفي
في آب 1999. لم اكن اتوقع وفاة عبد الوهاب، فقد عرفته قوي الجسد،
جلدا، يقاوي المشاق ويتغلب عليها اغلب الاحيان. غير ان الحياة
اتعبته، وربما لم تكن هي الحياة، بل هو نفسه الذي اتعب نفسه
حتى الموت. قبل ان اوضح فكرتي عن عبد الوهاب الشاعر، بودي ان
اعطي لمحات عن شخصيته.
كان عبد الوهاب، الصبي والمراهق والشاب، انسانا مستوحشا بطبيعته،
يميل الى العزلة بشكل مبالغ فيه، لا اصدقاء لديه اكثر من صديق
او اثنين. هو انسان صامت لا تهمه شؤون الغير، ولا يستطيع ان
يتجاوب معها. وفي علاقتي معه حتى سنة 1954، لم يكن ذا نفسية
متفتحة ابدا، وغالبا ما يبقى صامتا ساعات وساعات لا يفوه بكلمة.
إلا انه بعد ان سافر والتقى بادباء من عرب واجانب، صار نسخة
أخرى من عبد الوهاب الشاب، فذلك الركون الى الصمت صار انطلاقا
في حديث متشعب ومثير وممتع، وتلك القناعة بالعزلة تحولت الى
اهتمام كبير بالتجمعات الادبية واللقاءات الشخصية والى تعطش
محرق الى الظهور الشعبي.
كان هذا في اعتقادي امرا طبيعيا ونتيجة لتغير الاجواء الثقافية
وتأثير الشخصيات الادبية التي التقى الكثير منها في العالم خلال
حياته.
غير ان هذا مظهر من المظاهر فحسب، لأن تكوينات عبد الوهاب النفسية،
وهي منبع قابليته الشعرية، بقيت هي هي لم تتغير. انها بعيدة
عن مناخ الواقع الذي يعيشه، وهي بمنأى عن التأثيرات التي قد
تصيب شخصه.
كان عبد الوهاب مملوكا لاعماقه السفلى السوداء التي تحتوي على
طاقة شعرية لا تنضب، تعبر عن ذاتها في الوقت الذي تشاء. كنت
احيانا اجلس معه احدثه وانا اراه غائبا عني بشكل من الاشكال،
يتحاور، ربما مع دواخله الغامضة هذه. أنا لا اقصد من كل هذا
الا فكرة واحدة اظنها سيطرت على طاقة عبد الوهاب الشعرية منذ
البداية وحتى النهاية.. انها طاقة سريالية كبرى، تترك له ان
يبدأ قصيدته بشطر او شطرين ثم تستحوذ عليه وتقوده خلال عالمها
الآخر ليتفوه بشعر سريالي صاف لا مثيل له. وهذه الفكرة هي بالضبط
فكرة يونج زميل «فرويد»، الذي يرى ان ظلمات الرؤى الأولى هي
التي تبرز ويكون الشاعر مجرد واسطة او محطة ايصال بالنسبة لها.
هذا كلام عام بالطبع ولكنه يتشخص تماما بعبد الوهاب البياتي.
انه شاعر سريالي بطبعه، شاعر كبير تأخر ظهوره ثلاثين سنة بعد
اضمحلال السريالية. وهو بهذا لا علاقة وطيدة له بحركة الشعر
الحر العراقية. انه نسيج وحده،
فؤاد
التكرلي - الشرق الأوسط - 25.9.2003