نص
رسالة الناقد التونسي د. محمد لطفي اليوسفي
رسالة
مفتوحة إلى "مثقف" عراقي ربح حروبه كلّها: أين الأمانة العلمية
يا محسن جاسم الموسوي
احذروا
من الأنبياء الكذبة فإنهم يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من الداخل
ذئاب خاطفة.
عديدة
هي الجرائد العربية التي لا تصلنا في تونس… لكن للأنترنيت أفضالها
في جعلنا نتابع ما ينشر بالوطن العربي وخارجه. فلقد اكتشفت مؤخّرا
على سبيل الصدفة والبخت ندوة نشرتها جريدة "الوطن" السعودية بتاريخ
الثلاثاء 20 صفر1424هـ (الموافق 22/4/2003)، وهي ندوة تخصّ الأدب
الذي أمر صدام حسين بكتابته أيام الحرب العراقية الإيرانية حسب
ما فهمت من المقالة. وكان أحد المشاركين فيها السيد محسن جاسم
الموسوي.
لا
أفهم لماذا فعل الموسوي ما فعل فلقد نسب إلي أنني تناولت ما سمّاه
أدب الحرب في كتابي "فتنة المتخيل" الصادر عن المؤسسة العربية
للدراسات والنشر ببيروت في ثلاثة مجلّدات سنة 2002. قال الموسوي
بالحرف الواحد (والكلام مقتطع من "الوطن" بتاريخ الثلاثاء 20 صفر1424هـ
الموافق 22/4/2003):
(غير
أن حالة الحرب دفعت القاص العراقي، كما يطرح كتاب "فتنة المتخيل"
لمحمد لطفي اليوسفي في قصص الحرب العراقي، والذي تناول تجارب لكل
من علي خيون ومحمود جنداري وعبدالخالق الركابي وعبدالستار ناصر
ولطيف ناصر حسين ومحسن الدواؤدي وغيرهم، إلى أن يكون أكثر دقة
في تحديد زاوية نظرة شخوصه: بحيث لا تكتفي هذه الزاوية باحتضان
المكان أو بعض منه في ظرف زماني معين، بل إنها تمنح هذا المكان
أو تلك اللحظة حياة ما منظورة ومتخيلة في آن واحد
…ويذكر
كتاب "فتنة المتخيل" أن القصة المعنية بالحرب التي ظهرت في العراق
ليست منقطعة عن غيرها لكنها وعلى الرغم من كل الهنات حفلت بتجربة
آنية منحتها حيوية واضحة تجسدت بعدد من طرائق التناول والكتابة
وبقاموس مختلف من المفردات: ليست معنية بمواصفات الحرب والحركة
الميدانية والسوقية وحسب، بل بذلك الميل الشديد إلى الدقة والرصد
الذي توفره اللغة الخالية من التشبيه والاستعارة وهو أمر يتبدى
في عدد كبير من القصص….
غريب
أمرك يا محسن جاسم الموسوي. فكتاب "فتنة المتخيّل" موجود بالسوق
وسيلاحظ كل من يطلع على أجزائه الثلاثة أنني لم أطرق هذا الموضوع
أبدا. ولم أتناول هذا الأدب أصلا. وأنا لا أعرف من كتبوه والأسماء
التي ذكرها لم أسمع بها في حياتي أبدا وليغفر لي أصحابها جهلي
بهم وبنتاجهم.
***
إنه
لأمر مدهش محيّر فعلا أن محسن الموسوي كان أحد المتنفّذين في حزب
البعث وكان خادما أمينا للنظام العراقي، كان مرفّها ينعم بالسيارات
الفارهة والنفوذ وأشياء أخرى. ثم ترك البلاد وفرّ. كان عضوا بارزا
في جهاز السلطة وأحد مثقّفي النظام العراقي وسدنته كما حدّثني
العديد من المثقفين العراقيين ومن بينهم الشاعر سعدي يوسف والروائي
المقيم في تونس عبد الرحمان مجيد الربيعي ثم حدثني بذلك خزعل ماجد
وياسين نصير وماجد السامرائي وغيرهم. سألت بعض المثقفين العراقيين
فأخبروني أن محسن الموسوي كان يستحثهم على الكتابة في موضوع الحرب
العراقية الإيرانية أيام كان رئيسا عليهم، وأيّام كان سيّدا متنفّذا
في دائرة الثقافة وقد وصل به الأمر أن عاقب البعض منهم حين لم
يهتموا بالموضوع.
***
إن
محسن الموسوي يعرف تمام المعرفة أنني كنت وما زلت صديقا للمثقفين
العراقيين الذين تلقفتهم المهاجر والمنافي هربا من جور الجهاز
الذي كان محسن وأخوه متنفّذين فيه قبل حرب الخليج الثانية. وهو
يعرف أنني لا أعرف العراق ولم أزر بغداد إلى يوم الناس هذا. لم
أزر بغداد ولا العراق كلّه حتى على أيّام المربد حين كان كل من
يحبّر أو يكتب خاطرة تافهة في جريدة لا تقل عنها تفاهة يُدعى إلى
بغداد، طائرات مليئة بالــ"مثقفين"، شعراء وصحفيين وقصاصين وأشباه
مثقفين وما دون.. كانت ترتحل من تونس كلّ عام لتُمَربَد وتُربِد.
ولي أن أباهي بأنني لم أُمَرْبد أبدا. فلقد كان وضع أصدقاء من
أمثال سعدي يوسف يحزنني. ولم يكن القائمون على الجهاز الثقافي
وكان محسن أحد رؤوسهم -لم يكونوا- ليفكّروا في دعوتي لأنني من
أصدقاء خصومهم في المنافي والمهاجر.
***
أنا
شخصيا لم أكن أعرف محسن الموسوي وإنما التقيت به ذات يوم بكلية
الآداب التي أدرّس بها في تونس وكان قد وصل إليها من اليمن بعد
أن فرّ من العراق على إثر حرب الخليج الثانية طلبا للارتزاق مثل
العديد من المثقفين العراقيين الذين حين شحّ المال والحلم والأمل
خرجوا من العراق طلبا للقوت. لم أكن أعرفه. وحين قدّموه لي رحّب
بي وهشّ وبشّ وتملّق. وكانت قلوبنا تنزف ممّا آل إليه أمر بلد
عربي له في ذاكرتنا ووجداننا الجماعي منزلة ومكانة. كنا نعرف الفارق
بين لاجئي الرأي الذين شرّدتهم السلطة العراقية في أكثر من بقعة
في العالم قبل حرب الخليج، ولاجئي القوت والرزق الذين تركوا العراق
وقت الحصار. ولم نكن ندري أن الآتي سيكون أعظم وأفظع. لم نكن ندري
أن السياب حين كتب في قصيدته "غريب على الخليج":
إنّي
لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون!
أيخون
إنسان بلاده؟
إن
خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟
لم
نكن ندري أنه يعني هذا الصنف من المثقفين الذين يخدمون الأنظمة
غير مبالين إلا بما يجنونه من مال حرام، من نفوذ وتسلّط. ثم يولّون
الأدبار ليخدموا جهات أخرى بما في ذلك الأمريكان حمّالة خراب البشر
أجمعين. ويشرعون في الافتراء على غيرهم من المثقفين الذين يحفظون
أرجلهم لأنهم آلوا على أنفسهم أن لا يذهبوا بها إلى باب سلطة حتى
لو كانت عادلة، فما بالك بالسلط التي دانت بطبائع الاستبداد وكرّستها.
***
عمل
محسن جاسم الموسوي معنا بكلية الآداب بقسم الانجليزية واتضح فيما
بعد أنه ينطق الانجليزية بلكْنَة عراقية عربية قحطانية خالصة خرّبت
أو كادت دروس النطق بالقسم المذكور. ثم كان أنه تدبّر أمره مع
جامعة بالشارقة فترك التدريس في قسم الانجليزية بكلية الآداب بتونس
في منتصف السنة وخلّف وراءه طلبة بدون تدريس وأدخل من الفوضى على
الامتحانات ما جعل جميع أساتذة قسم الانجليزية هنا يذكرونه مثل
كابوس. والراجح أنه فعل الأمر نفسه مع طلبته في اليمن.
***
إن
كلّ جزء من كتابي "فتنة المتخيّل" يحتوي على فهرس للأعلام
وبإمكان كل من يطلع على الكتاب كلّه أو على الفهارس أن يلاحظ أنني
لم أتناول أي شخص من الأدباء الذين ذكر الموسوي أنني تناولت كتاباتهم
حول الحرب العراقية الإيرانية، ولم أطرق الموضوع أصلا لأنه لا
يعنيني من قريب أو من بعيد. والغريب أنني لا أدري أن هؤلاء الأدباء
موجودون أصلا. وأيام الحرب العراقية الإيرانية المشؤومة التي صنّف
محسن الموسوي في أدبها كتابا ثم نسبه لي دون أي حياء أو خجل، كنت
أدرّس بفرنسا بجامعة كلارمون فران Clermond Ferrand. ولم تكن أخبار
تلك الحرب العبثية تصلني إلا نادرا.
***
إن
ما أتاه السيد محسن جاسم الموسوي من صنيع يظلّ قابلا للقراءة والتأويل.
لقد اختار أن يفتري عليّ بعد سقوط بغداد مباشرة. لست أدري ما هي
الحيلة التي خطّط لها. ولا أستطيع أن أفهم نواياه ومقاصده. لقد
حدّثت في الأمر كلاّ من الشاعر قاسم حداد والشاعر إبراهيم نصر
الله والشاعر أحمد الشهاوي والشاعر سيف الرحبي والقاص يحي القيسي
والشاعر شربل داغر والشاعر محمد بنيس والشاعر صلاح بوسريف والشاعر
أمجد ناصر والشاعر طلعت شاهين والناقد حاتم الصكر والروائي عزت
القمحاوي جميعهم أرسلت إليهم تصريحات محسن جاسم الموسوي المنشورة
بالوطن عبر البريد الالكتروني وأرسلتها أيضا إلى المستعرب روجر
آلن بجامعة Pennsylvania، والمستعرب روبن أوستل بجامعة أكسفورد،
فاستفظعوا الأمر وهالهم الدرك الذي وصل إليه هذا الصنف من "المثقفين"
و"الأساتذة الجامعيين".
***
لا
أحد منهم تمكّن من فهم الدوافع التي جعلت الموسوي يقوم بتلبيس
غيره ممن لا يعرفون العراق ولم يزوروا العراق أبدا هذه التّهمة.
أنا شخصيا لا أستطيع أن أتأوّل ما اقترفه بحقي إلا على النحو التالي:
1-
للعراق أن يفخر بهذا الصنف من مثقفيه
إن
محسن جاسم الموسوي يضعنا في حضرة صنف من "المثقفين" ممّن يخدمون
الأنظمة ما دامت تمكّنهم من النفوذ والمعاش الجيّد والتسلّط، ثم
يلوذون بالفرار حالما يضيق معاشهم وتنسدّ سبل الارتزاق… هذا الصنف
هو الناجي في زمننا العربي المروّع. ففي طرفة عين وجد محسن الموسوي
نفسه في اليمن، فاتخذ من جامعة اليمن مطيّة ليصل إلى تونس. وصل
إلى تونس فاتخذ من جامعتها وسيلة أوصلته حتى جامعة الشارقة حيث
المعاش أكبر والمرتّب أضخم. وها هو يخطّط للذهاب إلى جامعة كولومبيا
الأمريكيّة. وللعراق أن يفخر بهذا الصنف من مثقفيه وجامعييه.
2-
للجامعات العربية أن تفخر بفعال أساتذتها:
ثمة
في كلّ المهن والحرف ميثاق شرف. ومثلما يعرف جميع الأساتذة الجامعيين
في الأرض قاطبة، إن الجامعي إنما يستمدّ شرف الاسم من الأمانة
العلمية. أين سأصنّف افتراء محسن جاسم الموسوي؟ إنني لأرأف بالطلبة
الذين جلسوا إليه ظنّا منهم أنه من الأساتذة الذين يحترمون ميثاق
الأمانة العلمية. لقد درّس في العراق وفي اليمن وتونس والشارقة
ولعله يذهب إلى أمريكا عند القوم الغالبين. الله وحده يعلم ما
هي الجنايات التي اقترفها بحقّ الطلبة الذين ائتمنوه والجامعات
التي وظفته فآمنته من خوف وأطعمته من جوع. وطوبى لأمانة الأستاذ
الجامعي!! طوبى للبحث العلمي في جامعاتنا العربية إذا كان هذا
الصنف من الأساتذة يتولّى تربية الأجيال فيها!! من غشّنا فليس
منا. ماذا نسمّي هذا الافتراء الذي افتراه محسن ونسبه إليّ. إنه
الغشّ عينه. يبدو أن انتماء محسن لهذه الأمة المهزومة أوهن من
خيط. فها هو يخطّط للإقامة في أمريكا بلد الغالبين (جامعة كولومبيا).
وللثقافة العربية أن تفخر بأساتذة جامعاتها.
3-
للأمّيّة أن تسود وتملّك:
أنا
على يقين من أن محسن جاسم الموسوي الذي كان من سدنة طبائع الاستبداد
في نظام أوصل الشعب العراقي والأمة العربية إلى كل هذه الويلات
والمحن-أنا على يقين- من أنه لم يكن ليأتي هذا الافتراء لولا تسليمه
المضمر بأن الأمية سائدة في ديار العرب. ثمة في الفعلة التي اقترفها
احتقار للقارئ العربي. ثمة تسليم أيضا بأن المشافهة صارت سيّدة
الموقف. إن كتابي "فتنة المتخيل" يحتوي على أكثر من 1400 صفحة
من القطع الكبير والموسوي يعوّل على أن القارئ العربي لن يقرأه
في زمن صار الإعلامي فيه يسحق الثقافي سحقا، وصار العديد من القراء
يكتفون بما يلتقطونه من وسائل الإعلام. قديما قيل من حفر جبّا
لأخيه… وقديما قيل في شأن الأستاذ الجامعي الذي يخون الأمانة العلمية:
إذا كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون!!!
***
يا
محسن جاسم الموسوي!!!، أيها "المثقف" العراقي الناجي من المحرقة،
يا من ربحت كلّ حروبك، يا من ائتمنتك جامعة صنعاء باليمن وجامعة
منوبة بتونس وجامعة الشارقة على تعليم طلبتها، أين شرف الأمانة
العلمية ودقّة البحث العلمي!؟ يا محسن جاسم الموسوي لا أخفيك أن
جبيني ليندى خجلا من انتمائي للمؤسسة الجامعية عندما أرى كيف يتمّ
العبث بالأمانة العلمية. يا محسن جاسم الموسوي!!! احذر الأنترنيت
فهي كشّافة وفضّاحة لكلّ نفس أمّارة بالسوء. فالأنترنيت هي التي
مكنتني من الإطلاع على افترائك ولو بعد حين من حبكك لمكيدتك.
***
قديما
قيل "العنكبوت تمسك بيديها وهي في قصور الطغاة." وقديما قيل: "فم
الجهال ينبع حماقة." وقديما قال المسيح عليه السلام: "لا تطرحوا
درركم قدّام الخنازير لئلاّ تدوسها بأرجلها وتلتفت إليكم فتمزّقكم."
وقال أيضا: "احذروا من الأنبياء الكذبة تجديد أسئلة الثقافة العربية.
ولله في خلقه شؤون. وطوبى للأساتذة الجامعيين في ديار العرب. أما
أنت أيّتها الأمانة العلمية فَنَوْحاً نُوحِي على نفسك.فإنهم يأتونكم
بثياب الحملان ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة." وجاء في المتون القديمة:
"من يحفر هوة يقع فيها، ومن يهدم جدارا تلدغه حيّة."
***
يا
محسن!!!
حرام
عليك…
يا
جاسم!!!
سامحك
الله…
يا
موسوي!!!
إن
حبل الافتراء قصير…
لقد
أكلنا مع بعضنا ماء وملحا عندما كنت هنا في تونس. وللماء والملح
في المتخيّل التونسي سلطانه. إنه نوع من العهد. ومن غدر افتضح
قدّام الناس كلّهم.
يا
محسن جاسم الموسوي!!! لقد آلمني افتراؤك ولكنني أقول لك أنا لطفي
اليوسفي المقيم بالشمال الأفريقي، أنا مؤلّف كتاب "فتنة المتخيل"
بأجزائه الثلاثة الخالية مما تدّعي، أقول لك إنني لن أفقد ثقتي
بالمثقفين العراقيين الذين أكنّ للكثير منهم الاحترام والتقدير
وأقرّ بإسهاماتهم وأفضالهم في تجديد أسئلة الثقافة العربية.
ولله في خلقه شؤون. وطوبى للأساتذة الجامعيين في ديار العرب. أما
أنت أيّتها الأمانة العلمية.