خــــريــف الـرّضـــا

عبدالمنعم رمضان

قبل ان تتراجع وتهدأ ضجة بعض المثقفين المصريين التي اثيرت بسبب بيانهم الكسير النفس، الكسير الروح، والذي كان اعتذارا عن عدم حضور مؤتمر الرواية بالرباط اواخر أيلول 2003 بحجة مقابلة المسؤولين الرسميين المغاربة لوزير اسرائيلي، ونتيجة للاستهجان العام لذلك الموقف الاستعراضي الناشز، قام المثقفون المصريون انفسهم بتقديم اعتذارات وتبريرات مخجلة.

سأظل اسأل نفسي على سبيل النكد وتعكير المزاج، لماذا يترأس الاستاذ محمود امين العالم لجنة الفلسفة، احدى لجان المجلس الاعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة التابعة بدورها للحكومة المصرية التي قامت من قبل بتدبير معاهدات السلام وتنفيذ عقد صلح منفرد، كان منفردا الى عهد قريب، مع اسرائيل، مما اعطاهم الحق في امتلاك سفارة على النيل لا اجرؤ ان استمتع بالكورنيش قربها بينما في كل مؤتمرات المجلس الاعلى للثقافة يتم ترتيب عشاء على باخرة تتهادى في النيل وتمر ذهابا وايابا بمبنى السفارة السالف ذكره؟

الاستاذ العالم لا يعاقب مجلسه ولجنته وحكومته بالمقاطعة. انه في لحظة استثنائية سيعاقب المغاربة، مع ضرورة عدم اغفال انه وكل الذين شاركوه البيان لم يتوقفوا عن السفر الى المغرب طوال السنوات السابقة، وهم يعلمون ان الترتيب لمعاهدات السلام المصري - الاسرائيلي يبدأ في القصور الملكية المغربية وربما جهارا نهارا من دون مواربة، وللمغرب وضع خاص، وفي كل الاحوال لم يكن المثقفون المغاربة مثلهم مثل المثقفين المصريين مسؤولين عما يحدث. فما الذي يعاني منه الاستاذ، يعاني منه كثيرون آخرون. هل هي تناقضات فادحة وفاضحة مردها بالتأكيد ليس الشيخوخة او الكهولة، وليس الرغبة في مزيد من اللمعان. انها اسباب مجتمعة تشبه عنقودا من الاحزان والعقد وتراب الماضي.

قد يخطر ببال احدنا ان الضجة المفتعلة هي تجهيز ودفاع عن مؤتمر الرواية العربية في القاهرة اكتوبر ،2003 وكأنها تتم لحساب جوائز مضمرة، ومكاسب مأمولة، ولحساب امين المجلس وجماعته. وعموما ليس هذا هو المنزل الذي كنت ارغب في زيارته، ولا هو المعبد الذي اريد الطواف حوله.

ضابط الإيقاع

اعود واقول: قبل ان تتراجع وتهدأ ضجة بعض المثقفين المصريين حول مؤتمر الرواية في المغرب، اذا بضابط ايقاع شاب ومعه ضابط مرور، ربما يكون شابا ايضا، يرفعان اليد اليمنى لكل منهما، ويطلق ضابط المرور فقط صافرته لعبور المشاة الذين نرى بينهما مخرجين اكفاء ومخرجين كبارا، وممثلين، وصحافيين وكومبارسا. بقدرة قادر يتفقون جميعا على الاحتفال باستئذان محمد حسنين هيكل في الانصراف، استئذان الاستاذ، عمره الآن ثمانون عاما، نتمنى له عمرا اطول بكثير. بعد ان ينصرف الضابطان، ضابط الايقاع وضابط المرور، يظل المشهد مستمرا لأنه محكوم بخبرة الاستاذ وحنكته في ادارة الاعيب الظهور والاختفاء، ومحكوم ايضا ببلوغ عدد كبير من الناصريين الى منصات الصحافة وقدرتهم على الصياغة والهيمنة والفعل. ولانهم، اعني الناصريين، لم يكونوا في كل تاريخهم، نصف قرن تقريبا، جذريين وراديكاليين، فهم لا يزعجون السلطات الا ذلك الازعاج الذي قد تحدثه كلاكسات السيارات في مدينة هادئة نائمة لا تشبه في اي ليل ونهار مدينة القاهرة. ولذا فقد يكون من الطبيعي واللائق ان يتمتعوا بمساحة من الحريات لا ينالها بالقدر ذاته والجرأة ذاتها سواهم.

المهم ان الاستاذ هيكل روح متوثبة داخل برواز معلق على جدراني، كان يشغلني منذ طفولتي. لا فهذا ادعاء. الاصح منذ صباي حين اندفعت بحماقة كبش صغير في قطيع من الكباش والتيوس وراء مقالاته في "الاهرام" التي كان يسمّيها "بصراحة". هذه التسمية تدخل من باب رغبة الكاتب لتخرج من باب عبث الاقدار.

ما زلت حتى الآن اشعر بالخجل والحنين والنوستالجيا والقشعريرة التي تجعل مسامي كلها مفتوحة لاستقبال كل ما تنتجه وتصدره ماكينات الاستاذ، خاصة انني وبعدما انقضى عهد الصبا، ودخلت في ليل ونهار تحت غيمة من الشعر المختلط، ثم دخلت في نهارين، غيمة من الشعر الابيض، وبعض وضوح الرؤيا، فأدركت ان الاستاذ يمتلك من آداب المهنة وفنونها واسرارها الخفية ما لم يعد يمتلكه احد بعد حتى الآن. فهو استاذ في فقه الاسلوب وفقه العبارة وفقه المداورة والمناورة، واستاذ في استدراج اللافتات والعناوين لتكون دالة وجاذبة اكثر من مغناطيس ضخم وقوي: مدافع آية الله، خريف الغضب، سقوط نظام، ملفات السويس، سنوات الغليان، الانفجار، العروش والجيوش، الزلزال السوفياتي، المقالات اليابانية بصراحة.

حكاية سيد أحمد

يحكي الكاتب محمد سيد احمد ان الاستاذ هيكل هو الذي اختار عنوان كتابه: "بعد ان تسكت المدافع"، فأصبح العنوان كأنه نصف الكتاب. وهكذا فانني وانك لن تملك امام تمرسه وفنائه الصوفي في معالجة المهنة الا ان تنحني وتحلم بأن تفنى مثله في امر ما يشغلك، لن تملك الا ان تشير اليه، وتجهر: حضرة المحترم، والاستاذ يفهم بروتوكول الاضواء والنيون، ويقدم للقراء كتابا للحاضر في ذروة حضوره الاميركي ــ الفلسطيني او الفلسطيني - الاميركي ادوارد سعيد: "غزة - اريحا سلام اميركي"، ويتقدم الصفوف في ندوة الحاضر ايضا في ذروة حضوره العربي ــ الفلسطيني او الفلسطيني - العربي محمود درويش في الجامعة الاميركية، وفي كل مرة تتوقف الكاميرا. اعتقد ان حضوره يستوقفها، استوب. ثم يلمع الفلاش، وتظهر له صورة لا تنسى، والاستاذ يعرف اقدار الرجال، ويرعى صداقات عديدة مع الكتّاب والفنانين واليساريين، وتتسع في عهده صفحات "الاهرام" فيدخلها توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وحسين فوزي ولويس عوض وزكي نجيب محمود ويوسف ادريس ومحمد سيد احمد ولطفي الخولي ومحمود درويش فور خروجه من الارض المحتلة. الاستاذ يعرف اقدار الرجال، ما زلنا نذكر رسالته الى جلالة الملك الحسن ملك المغرب والتي كتبها تعقيبا على ما ورد في سيرته، سيرة الملك طبعا.

اذكر ان احد اصحابي كان يرى انها رسالة تستحق ان يدرسها طلاب المدارس، وكنت اشاركه الرأي. الاستاذ اذاً يعرف اقدار الرجال، ولكنه ايضا يعرف ان المشهد قد تغير، وان القواعد الرخامية واعمدة المرمر تجلس فوق رؤوسها بعض حشرات الفراش، صحافيون وكتّاب صغار، فنا واخلاقا، ومع ذلك فانه سيبني رأس جسر متحركا وعريضا يغريهم بالعبور اليه والتماس الشعور بالقيمة والتماس الظهور الى جواره اثناء تلك الحركة الدائمة. استوب، فلاش. في مقابل قدرتهم على اضاءة المصابيح حوله، انظر اليهم، انهم هكذا، روائي محدود وساذج ويناضل في الفراغ الذي يملأ يافوخه. صحافي مشبوه يناضل في فراغ مماثل. صحافي مشبوه آخر، الطابور طويل يجتذبهم الاستاذ وفي ضميره ان يلاعبهم، وان يتحقق من ان قانون اللعبة يقوم على قاعدة نقطة واحدة منه مقابل سيّال نقاط منهم. الاستاذ يعرف ان نقاطهم تافهة، ولن تكتسب بعض الاهمية الا اذا اصبحت سيالا، وبالتالي لا بد من الغاء قاعدة نقطة مقابل نقطة، لأنها للانداد فقط. الاستاذ محترف داخل الكتابة، محترف خارج الكتابة. اعترف ان ما يشغلني هو تلك العصارة التي تجري في عروق مخ الاستاذ، تلك المادة الحية التي تخرج من صورته وتحيطني فأشعر انني في جحيم كالنعيم ونعيم كالجحيم. في كل مرة اقرأ فيها للاستاذ اجده هكذا ينشغل فقط بالمسألة القومية، الصراع العربي - الاسرائيلي، الصراع العربي - الاميركي. ليس من حقي ان اقترح عليه شواغل اخرى، ولكن شيطاني يوسوس لي ان الاستاذ يهرب من شواغل اخرى، وان الشاغل الذي اختاره يضمن له حدودا ممتازة من الامان والسلامة والشهرة، وانه ادرك ببصيرة يتميز بها ان كل النظم التي عايشها، سواء فوق ظلها او تحت ظلها، كانت تفضل ايضا الانشغال بالمسألة القومية، وان اختلافه مع بعضها هو اختلاف في الكم والدرجة وليس في الكيف والنوع. اي انه اختلاف فروع اكثر منه اختلاف اصول.

فالاستاذ لم يبسط يده بعض البسط ولن يبسطها في اتجاه تداول الثروات، اعني في اتجاه العدالة الاجتماعية وهواجس صراع الطبقات. كما انه لم يبسط يده ايضا بعض البسط في اتجاه تداول السلطات، اعني في اتجاه ما ندعوه الديموقراطية وهواجس حكم الشعب للشعب. الامران يعلم الاستاذ انهما شائكان ومريران. يعلم انهما ملموسان محسوسان لا يحتملان تأجيل المواجهة والصدام مع اي سلطة اذا اختلفت معها حول احدهما. الامران ارضيان بشريان بطول قامة كل منا، لا تصلح مع اي منهما تلك التهويمات والخيالات والتأجيلات المألوفة. بينما المسألة القومية محكومة بشروط تجعلها مرجأة غالبا. تجعلها اشبه بمسألة ميتافيزيقية، مسألة طويلة ومعقدة ومؤجلة وتصلح للتضليل، ومن اجلها يتم تغافل التغيير في الداخل من طريق اعلاء الصراع مع الخارج.

هل جميعنا ميتافيزيقيون حقاً؟

ادرك الاستاذ ببصيرة نافذة يتميّز بها، اننا جميعاً ميتافيزيقيون: ماركسيونا ميتافيزيقيون، وقوميونا ميتافيزيقيون، وبسطاؤنا ميتافيزيقيون، وملوكنا ورؤساؤنا ميتافيزيقيون. اننا أسرى، مرضى بالمستقبل والأمل، مرضى بالاحلام، مرضى بشهوة الامبراطورية. لذلك قام بنقل كل آلياته وراياته وأعلامه الى تلك المنطقة المشتركة، منطقة كل الطوائف، ورفعها ليلتف حولها دائماً هؤلاء الدروايش، بعض المنحدرين من اصول ثقافية هشة او متينة لا يهم، بعض انصاف البشر، انصاف الآلهة، بعض عشاق اساليب الكتابة المحكمة، بعض روائيين حمقى، بعض جواسيس، بعض صحافيين عملاء لاجهزة الامن القومي، وكلهم او أغلبهم انشأوا معه كتباً في حوارات، وحوارات في كتب.

ولولا أنني محجوز ايضاً، ومحبوس داخل قفص الحنين الى حرفته البالغة الاتقان، البالغة الدقة، لولا ذلك، لآثرت الصمت، لأن هذه الضجة أقل افتعالاً من ضجة الاستاذ محمود العالم ورفاقه. ولكنني أخشى ان يتربص بي صديقي الشاعر محمد علي شمس الدين، ويهتف: ألم أقل لكم، إنه يصنع السم، يهاجم ويشتم ويسبّ العمالقة، ثم يمضي في أحد شوارع بيروت، أتمنى ان أمضي معه ومع غيره في هذه الشوارع، سوف نتخيل أنه يغني بينه وبين نفسه: كانوا العماليق والدنيا تساندهم، كانوا العماليق والدنيا تساندهم.

أصل الحكاية انني عندما كتبت عن الشاعر أمل دنقل ايام احتفالية ذكراه العشرين، وهوالذي لم تكن بيني وبينه ضغينة - كانت بيننا فقط عداوة الشعر - ولم تكن بيني وبين السيدة زوجته الا صداقة المودة والاحترام، كتبت عن ذلك الاتجاه الكلاسيكي الجديد، الذي من ملامحه أنه يتراجع مرتين، مرة على مستوى كونه حركة موصولة متصلة، فنرى السياب أعلى من حجازي الذي يليه، ونرى حجازي أعلى من أمل دنقل الذي يليه.

وهكذا ومرة على مستوى الشاعر نفسه، نرى اول السياب اكثر حداثة وطموحاً من آخره، كذا حجازي، كذا نازك الملائكة، الخ الخ. ولم أذكر او أحصر اسماء شعراء هذا الاتجاه، ولكن وعي محمد علي شمس الدين، وهو شاعر جميل ووحيد وذكي، جعله يثق أنني لن أنسى إدراج اسمه في أي قائمة اذا طولبت بذلك.

وعليه فقد هاجمني، وهاجمني ايضاً لأننا كنا قد تعاركنا وتلاسنّا وازرقّت شفاهنا ونحن ننتظر على أحد ارصفة الدار البيضاء سيارة ستقلنا الى الرباط. ما حكاية المغرب في هذه المقالة. تعاركنا وتلاسنّا باعتباري كلب الحداثة المنبوذ الذي سقط في شارع الشعراء الثلاثة المحترمين حالياً، محمد علي شمس الدين وصاحبيه سابقاً، ثم تصالحنا باعتبارات انسانية اخرى، أخشى أن الصديق محمد علي قد يهمس لاصدقائه: من هذا حتى ينال من هيكل؟ كانوا العماليق والدنيا تساندهم، كانوا العماليق والدنيا تساندهم، وأخشى ان يكون هياجه شبيهاً بهياج القوميين ضدي، فيخرجون بي من خريف الرضا، خريف البطريرك، خريف هيكل، الى خريفي انا، الخريف الصغير ذي الاشهر الثلاثة فقط، خريف الشخص العابر.

 

عبدالمنعم رمضان - النهار - 19.10.2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri