استقالة إلى القارئ:
هيهات أن يندمل جرح حجمه أكبر من الجريح!
أنسي الحاج

أنسي الحاج اسم علم في الحياة الثقافية والصحافية العربية، يكفي انه احد رواد الحداثة في الشعر العربي، ومدير اهم ملحق ثقافي في تاريخ الصحافة اللبنانية التي كانت مختبر الابداع والتجديد في اكثر الحقب العربية احلاما وصخبا، ثم رئيس تحرير صحيفة النهار في لبنان الطالع من تمزقات وجروح الحرب الاهلية.

وفي منصبه الأخير عمل الحاج علي جعل النهار جريدة لكل اللبنانيين وجنبها الميل او الاستقواء بهذا الطرف الاقليمي او ذاك، محاولا ان يعيد اليها وهج مرحلة الآباء المؤسسين.

كنا في القدس العربي قد تابعنا قضية استقالة انسي الحاج من النهار بعد احدي عشرة سنة من عمله كرئيس تحرير لها وسبع واربعين سنة من العمل فيها، بوصفها حدثا مهنيا وثقافيا فارقا في الصحافة اللبنانية والعربية. ومن هذا المنطلق ننشر اليوم رسالة الاستقالة التي كتبها الحاج مودعا قراءه في النهار التي لم توافق ادارة الجريدة علي نشرها لأنها تقدم، علي ما يبدو، رواية مغايرة لروايتها لاستقالة الحاج.

هنا نص الرسالة:

توضيحاً لما كتبه الاستاذ غسان تويني في افتتاحية الاثنين الماضي (6 تشرين الاول/نوفمبر 2003) في النهار عن تقاعدي ، من واجبي القول ان هذا الوصف، ولو جاء من باب التقدير، لا ينطبق علي الواقع. لقد استقلت من النهار بعد شهور من التوتر بيني وبين رئيس مجلس الادارة جبران تويني خُلقت فيها تدريجياً وتصاعديا، وبالأخص منذ الحرب علي العراق، الظروف التي اضطرتني الي تقديم استقالتي. ولم تكن هذه أول مرة خلال الاعوام الاخيرة اعرض فيها الاستقالة او اقدمها خطيا، ولكنها ليل 30 ايلول (سبتمبر) 2003 لم تقبل فورا فقط، بل جري الالحاح عليها والتدقيق في عباراتها ورفض منحي اربعا وعشرين ساعة للتفكير في شروطها.

نشأ التوتر من تدخل رئيس مجلس الادارة في شؤون التحرير تدخلا اختراقيا لم أقبله، ولو كان مبررا من الناحية القانونية، ولم تنجح وساطة الاستاذ غسان تويني في ايجاد تسوية، بعدما اقترحت عليه حلا من اثنين: إما رفع يد رئيس مجلس الادارة عن التصرف بشؤون التحرير، وإما استقالتي.

ان الروابط التي تشدني الي آل تويني اقوي الروابط، تشهد بذلك الحياة والموت. لكن ثمة مكانا يغدو فيه الانسان وحيدا وحده، وجها لوجه هو وصدقه، حيث يغيب عن الحسابات ولا تعود تروضه حتي الذكريات، وتقع عليه بلا رحمة مسؤولية الاختيار بين استعادته لذاته او مواصلة تخديرها.

إذا كانت قيم كثيرة قد انهارت في لبنان وغيره فليس هذا ذريعة لاغتيال ما تبقي. ان ما لا يزال ينبض هنا، ينبض بفضل هذا الذي تبقي. والذين ساهموا في الحفاظ علي حياة لبنان هم طليعة المطلوب منهم التشدد حيال انفسهم والوفاء اكثر فأكثر لما صنعهم ولما صنعوه.

كان بودي ان اترك النهار من غير جروح، وكان ذلك ممكنا في سهولة، فلست ممن يتشبثون، والمنصب الذي شغلته لم اطلبه، وان كان من نجاح فلا ادعيه، او من فشل فلي فيه ما لي ولن أنفيه.

النهار، مثل اية جريدة، هي كالجسد، ترفض كل جسم دخيل. اذا هي رفضتني، فأنا الدخيل، ولعلي كذلك منذ البدايات. وإلا، تكون هي التي تبدلت، وفي الحالين لا بد من فراق.

عزيزي القارئ

خلال الاحدي عشرة سنة الاخيرة من رئاستي لتحرير النهار لم اكتب لها مقالا واحدا بتوقيعي الصريح. ومن حكمة القدر لا من سخريته ان يكون مقالي هذا هو الأول والأخير. اما لماذا لم اكتب قبلا فجزء من جوابه رغبتي في عدم الظهور، وتحويلي الجهد للعمل الصامت علي ترسيخ جريدة غيـر مرهون استمرارها بمفاتيح شخص واحد، ومحاولة تركيزها علي روح الجماعة المسؤولة المتناغمة في خضم تنوعها الحر وتبايناتها الصحية، كما تعلمنا من تاريح لبنان ومن تراث النهار ومناراتها. وكان في بالي علي الدوام اطياف اولئك الذين اعطوا النهار عبقرياتهم ومواهبهم وعلومهم ودماءهم منذ تأسيسها عام 1933. اعطوها وكأنها محراب مقدس لا جريدة، وكأنها وطن صغير، الوطن الأمثل، لا جريدة. من جبران تويني وتوفيق يوسف عواد الي كامل مروه ولويس الحاج الي حنا غصن وفؤاد سليمان وميشال ابو جودة ومارك رياشي وسعيد تقي الدين وفؤاد حداد ويوسف الخال واميل داغر، وسواهم ممن تفوتني الآن اسماؤهم. فضلا عن الاحياء، وهذه الاجيال الجديدة التي تأتي الي النهار مسحورة كأنها تدخل الي اسطورة.

تلك الارواح، وهؤلاء المكافحون، استمدوا ويستمدون قوتهم، مهما تنوعت الانتماءات واختلفت المواهب، من ايمانهم بالحرية، ومن ان هذه الجريدة ليست خزانة لكنوز الأمس فحسب، بل هي حلم يتوق الي الأفضل، وحقل تجارب للشجعان والخلاقين، وصورة عن افضل ما في لبنان، وجسر، ومنبر، ونبراس، وقلعة.

ان النهار هي هؤلاء، ولم تكن الا دائما مؤتمنة نفسها علي رسالة عليا، تتمرد من اجلها وتستميت، وأهم ما في ذلك انها لم تقل حقا وتقصد به باطلا، ولم يزدوج وجهها ولسانها، ولم يستطع احد ان يسخرها لمآربه، ولم تخدم سلطانا ولا عرشا ولا نظام حكم ولا قوي مال، واذا هي لم تكن جريدة الفقراء فأنها لم تكن جريدة الاغنياء، واذا لم تكن جريدة المجانين فقد اتسع صدرها لمجانين اودعوا خزائنها بعضا من كنوزها. فقد كانت النهار تعرف قيمة الخيال، وكانت بالحدس ان لم يكن باليقين تهاب قيمة ما تجهل، فتنحني لتجارب المجددين، ولو اغضب انتهاكهم اصحابها واصدقاءهم.

و النهار اليوم، في بحر المفترقات التي تغير العالم، مدعوة ـ وعميدها العائد رئيس تحرير خير من يَعلم ويُعلم ـ الي الاستشراف وممارسة دورها الطليعي والرائد في البحث المتجاسر والتحريض الخلاق. فحين يفرض الاجتياح الامريكي، الثقافي قبل العسكري، التحدي تلو التحدي علي مجتمعات العالم كلها، ولا سيما منها مجتمعات العالم الثالث ونحن منه، فان واجب النخب استنباط الحلول التي توفق بين متباعدات بعضها اشبه بالمستحيلات، والحاجة ماسة الي ذوي الرؤيا والخيال، الي اباء مؤسسين جدد، وكل تقاعس هنا ينطوي علي اخطار مصيرية، ابرزها اما الانحلال فالاضمحلال واما التحجر فالانتحار.

ہہہ

هل يوظف المرء في اشخاص ام في مفاهيم؟ ام في مجهول يبتلع الصالح والطالح، وما يصمد فانما بفعل الصدفة وحدها؟

اني اشكر الاستاذ غسان تويني علي ثقته وصبره ومحبته، والاستاذ جبران علي وفائه، واسرة النهار علي صمودها.

يعود الطائر الي الشجرة ولو تعرض فيها لمحاولات الصيادين. يعود العاشق الي حبيبته ولو تخاصما، يعود الوهم الي الجبين الذي سقط منه. يعود الميت الي الحياة احيانا. والمهاجر يعود الي الوطن.

ولكن هيهات ان يندمل جرح حجمه اكبر من الجريح.

 

أنسي الحاج - الأحد 12 تشرين الاول 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri